في سياق الجهود التوعوية التي تبذلها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر لتعزيز تماسك المجتمع وحماية بنيته القيمية، استضاف برنامج وآمنهم من خوف خلال شهر رمضان المبارك ندوة علمية بعنوان الأسرة المسلمة في زمن التغيرات المتسارعة.. التحديات وسبل التحصين، أدارها السيد معاذ القاسمي في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة.
شكلت هذه الندوة مساحة فكرية عميقة لاستعادة النقاش حول موقع الأسرة المسلمة في عالم يعاد تشكيله بوتيرة غير مسبوقة من التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية والتقنية.
في البداية، أشار د. محمد المحمود إلى أن مصطلح “الأسرة” لم يرد في النصوص الشرعية بشكل صريح، إلا أن الشريعة الإسلامية أولت عناية فائقة ببنية الأسرة ووظائفها، فهبوط آدم وحواء إلى الأرض كان في صورة أسرة، مما يعكس أن الاجتماع البشري الأول قام على هذا الكيان.
فالميل بين الجنسين فطرة طبيعية، غير أنه في التصور الإسلامي لا يُترك لتخبطات الغريزة، بل يُضبط في إطار شرعي من خلال عقد بمواصفات محددة، تترتب عليه حقوق وواجبات، وتُبنى عليه علاقة تقوم على المودة والرحمة، وهي رابطة أعمق من مجرد الانجذاب الرومانسي، إذ تثمر حصانة أخلاقية، وحفظا للنسل، وشبكة من علاقات الرحم والنسب والمصاهرة.
لكن الأسرة المعاصرة لم تعد تؤدي الوظائف ذاتها التي كانت تضطلع بها تاريخياً، فقد تعرضت لسلب تدريجي لأدوارها التربوية والتعليمية، حيث انتقل التعليم من فضاء الأسرة إلى مؤسسات الحضانة والمدارس، وأصبح المنزل في كثير من الأحيان مجرد دار إقامة ومكان للدعم العاطفي، لا مركزاً لغرس القيم والمعايير الأخلاقية.
لدرجة أن أفراد الأسرة الواحدة قد لا يلتقون على وجبة طعام واحدة، في ظل إيقاع الحياة المتسارع، كما بات الدور التربوي للأهل عرضة للتشويش بفعل الوسائط الرقمية والإعلام الحديث التي تنازعهم التأثير في وعي الأبناء وتشكيل منظومتهم القيمية، ويظهر هذا الخلل بوضوح في تزايد حالات الانفصال الزوجي لأسباب مادية يسيرة، وفي تنامي ظاهرة دور الأحداث، بما يعكس تراجع الدور التربوي للأسرة.
كما ألمح إلى ما قاله محمد قطب من أن غياب الأب أو الأم يؤدي إلى تربية عرجاء.
ومن زاوية اجتماعية ونفسية، ناقش د. البشير عصام المراكشي تساؤلاً مركزياً حول أثر النزعة الفردانية الحديثة في بنية الأسرة ووظائفها، فالاندماج في الحضارة الغربية، كما ألمح إليه ابن خلدون في حديثه عن علاقة الغالب بالمغلوب، يفضي إلى انتقال تدريجي من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وهو ما يؤدي إلى انقطاع شبكات القيم المتوارثة بين الأجيال.
كما أن تبادل الأدوار الاقتصادية والتكاملية بين الرجل والمرأة، بدافع الحاجة إلى العمل، أضعف مفهوم التكامل الأسري، وحوله إلى شراكة ندية تفضي إلى الصدام بدل التعاون والتكامل، مع إسناد مهام التربية إلى جهات خارجية.
وقد أسهمت العزلة الرقمية في أن يستمد الأبناء منظومتهم القيمية من مواقع التواصل، بما تحمله من اختلال ومخاطر، وهنا تُستحضر مقولة عالم الاجتماع زيغمونت باومان حول السيولة في العلاقات الإنسانية، حيث باتت الروابط الأسرية أكثر هشاشة، وتراجع منسوب الصبر والاستمرارية فيها.
وفي سياق التحصين النفسي، أكد د. أحمد الفرجابي أن الأسرة تمثل الحاضنة الأولى للصلابة النفسية، مستشهداً بارتباط آيات الأسرة بالتقوى في سياق آيات الصيام والصلاة في سورة البقرة، في إشارة إلى أن الاستقرار الأسري ليس مجرد شأن اجتماعي، بل هو للشعائر التعبدية.
حيث أشار إلى قوله تعالى في سورة البقرة “… هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ …”، وقوله في السورة نفسها”حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ”.
كما ذكر ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أنه قال ” سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ؛ أحْنَاهُ علَى طِفْلٍ، وأَرْعَاهُ علَى زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ. يقولُ أبو هُرَيْرَةَ علَى إثْرِ ذلكَ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ”.
كما شدد على أهمية التكامل بين البيت والمسجد والمدرسة والنادي في عملية التنشئة، محذراً من أن غياب أحد الوالدين يفضي إلى تربية “عرجاء”، وفق تعبير محمد قطب.
واستشهد بما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك أنه قال: “ما رأَيْتُ أحَدًا أرحَمَ بالعيالِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ كان إبراهيمُ ابنُه مُستَرْضَعًا في عوالي المدينةِ فكان ينطلِقُ ونحنُ معه فيدخُلُ البيتَ وكان ظِئْرُه قَيْنًا فيأخُذُه فيُقبِّلُه ويرجِعُ قال عمرٌو : فلمَّا مات إبراهيمُ قال رسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ ابني إبراهيمَ كان في الثَّديِ وإنَّ له ظِئْرَيْنِ تُكمِلانِ رَضاعَه في الجنَّةِ”.
وتبرز في هذا السياق أهمية الرعاية المباشرة والتواصل الجسدي والعاطفي مع الأطفال، من خلال ما يُعرف بالوقت النوعي، مثل لحظات اللقاء والوداع وقصص ما قبل النوم، بما يعزز الشعور بالأمان والانتماء.

من جانبه، أكد د. عبد الحي يوسف، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، على أهمية مبدأ التكامل بين الأسرة ومختلف المؤسسات المجتمعية، مستشهداً بقوله تعالى في سورة المائدة: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”، باعتباره إطاراً ناظماً للعلاقات الاجتماعية ووظائف التنشئة.
وأشار إلى أننا نعيش في زمن الدين المبدل الذي يُراد له أن يحل محل الدين المنزل، مما يدعو إلى العجب حين تصدر مطالب من مسلمين نشأوا في بيئات إسلامية تتعارض مع أساسيات الدين وقطعيات الوحي.
في هذا السياق، لم تعد الحياة قائمة على منطق التكامل والتعاون، بل غلبت عليها روح المنافسة والمشاكسة، وبرزت ملامح صراع بين الجنسين داخل الأسرة، كما على مستوى المؤسسات الاجتماعية التي باتت تعمل كجزر منفصلة.
واستحضر قصة رجل دخل المسجد برفقة طفله فزجره أحدهم بسبب صوته المرتفع ومشاغبته، في حين أن السنة النبوية تشير إلى أن الرسول ﷺ أطال السجود مراعاة لطفل اعتلاه،
فقد أخرج النسائي في صحيحه عن شداد بن الهاد الليثي أن قال “خرَجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ في إحدى صَلَاتَيِ العِشاءِ، وهو حامِلٌ حسنًا أو حُسينًا، فتقدَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ، فوضَعَه، ثمَّ كبَّرَ للصَّلاةِ، فصلَّى، فسجَدَ بينَ ظَهْرَانَيْ صلاتِهِ سجدةً أطالَها، قال أَبِي: فرفَعْتُ رَأْسي، وإذا الصبيُّ على ظَهرِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو ساجِدٌ، فرجَعْتُ إلى سُجودي، فلمَّا قضَى رسولُ اللهِ ﷺ، قال الناسُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّكَ سجَدْتَ بينَ ظَهْرَانَيْ صلاتِكَ سجدةً أطَلْتَها، حتَّى ظَنَنَّا أنَّه قدْ حدَثَ أمْرٌ، أو أنَّه يُوحَى إليكَ، قال: كلُّ ذلكَ لم يكُنْ، ولكنَّ ابْني ارْتَحَلَني، فكرِهْتُ أنْ أُعْجِلَهُ حتَّى يَقضيَ حاجتَهُ.
وبيّن أن للزواج في التصور الإسلامي ست نوايا، تشمل: الاستجابة لأمر الله تعبداً، والاستجابة لرسول الله لمن استطاع، ونية الإعفاف، ونية إعفاف الطرف الآخر، والسعي إلى ذرية صالحة تعمر الأرض، كما ورد في باب طلب الولد للجهاد في صحيح البخاري، إضافة إلى نية إقامة بيت مسلم قائم على تقوى من الله ورضوانه.
ودعا إلى إعادة تفعيل دور المسجد ليكون فضاء جامعاً للرجال والنساء والشيوخ والأطفال، مع التنبيه إلى أهمية المناهج التعليمية، والأجهزة الإعلامية، والبرامج الحوارية التي قد تدس السم في العسل، فالمؤسسات التعليمية تستحوذ على نصف يوم الطفل، مما يطرح تساؤلاً حول سبل إقامة شراكة حقيقية تدعم دور الأسرة في التربية.
كما أكد ضرورة إعداد المعلم الرسالي الذي يستبطن شعوره بأنه يؤدي رسالة تربوية عظيمة، تأسياً بحديث النبي ﷺ الذي أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله : “إنَّ اللهَ لم يبعثْني مُعنِّتًا ، و لا مُتَعنِّتًا ، و لكن بعثني مُعلِّمًا مُيَسِّرًا”، مع ضرورة ضبط المناهج والتركيز على القرآن الكريم بوصفه منطلقاً للعلوم، ومنح المعلم سلطة تربوية تأديبية يجوز فيها الضرب غير المبرح.
وأشار إلى ما أخرجه شعيب الأرناؤوط عن معاذ بن جبل أنه قال: “أَوصاني رسولُ اللهِ ﷺ بعَشْرِ كَلِماتٍ، قال: لا تُشرِكْ باللهِ شيئًا وإنْ قُتِلتَ وحُرِّقتَ، ولا تَعُقَّنَّ والدَيكَ، وإنْ أمَراكَ أنْ تَخرُجَ مِن أهلِكَ ومالِكَ، ولا تَترُكَنَّ صَلاةً مَكتوبةً مُتعمِّدًا؛ فإنَّ مَن تَرَكَ صَلاةً مَكتوبةً مُتعمِّدًا، فقد بَرِئَتْ منه ذِمَّةُ اللهِ، ولا تَشرَبَنَّ خَمرًا؛ فإنَّه رَأسُ كلِّ فاحشةٍ، وإيَّاكَ والمَعصيةَ؛ فإنَّ بالمَعصيةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وإيَّاكَ والفِرارَ مِن الزَّحفِ وإنْ هَلَكَ النَّاسُ، وإذا أصابَ النَّاسَ مُوتانٌ وأنت فيهم فاثبُتْ، وأنفِقْ على عيالِكَ مِن طَولِكَ، ولا تَرفَعْ عنهم عَصاكَ أدبًا، وأخِفْهم في اللهِ”.
وختم بالتأكيد على ضرورة استعادة المعلم لمكانته التربوية وهيبته، بما يجعله شريكاً أساسياً في عملية التنشئة، على نحو يقارب دور الوالد داخل الأسرة.

أما د. أحمد الفودعي، فقد ركز على الطبيعة الممتدة لمرحلة الطفولة الإنسانية، التي يقضي معظمها داخل الأسرة، رغم تعدد الشركاء التربويين اليوم. ومن ثم، فإن الأسرة مطالبة باستعادة دورها بوصفها المؤسسة الأكثر حناناً ورأفة بالطفل، من خلال ترسيخ أركان الإيمان عبر التلقين والممارسة، وتعريف الطفل بأسماء الله الحسنى، وتعويده على الصلاة والصدقة والصوم بوصفها تدريبات عملية على ضبط الذات ونزع الأنانية.
وأشار إلى قوله تعالى من سورة آل عمران: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا…” وهو ما يشمل ثلاثة توجيهات كبرى: تقوى الله، والاعتصام بحبله، واستحضار نعمه، وقد أشار فخر الدين الرازي في تفسيره إلى أن البدء بالترهيب ينسجم مع طبيعة النفس البشرية التي تسعى أولاً إلى دفع الضرر، إذ إن النعم إذا لم تُستثمر في مواضعها انقلبت آثارها إلى عكس المقصود منها.
كما نبه إلى أن الطفل الإنساني يُعد الأطول مكثاً في طور الطفولة مقارنة بسائر الكائنات الحية، وهو ما يجعل الأسرة الإطار الأوسع تأثيراً في تشكيل شخصيته، رغم تعدد الشركاء التربويين في العصر الحديث، ومن ثم، تصبح الأسرة مطالبة باستعادة دورها المركزي في التنشئة، بوصفها المؤسسة الأكثر حناناً وقدرة على الرعاية.
وعليه، فإن التدين الصحيح يمثل أساساً لصناعة الإنسان السوي، إذ يشكل الدين حصناً واقياً من مختلف الانحرافات الفكرية والسلوكية، وهذا الحصن لا يقوم على المعرفة النظرية فحسب، بل على منظومة من العقائد والمشاعر والسلوكيات التي تُمارس عملياً في الحياة اليومية. لذا، ينبغي تلقين أركان الإيمان للطفل وشرحها من خلال التطبيق، وتعريفه بأسماء الله الحسنى، بما يعزز وعيه برقابة الله وعلمه.
كما يسهم الإيمان باليوم الآخر في الحد من السلوكيات الإجرامية، في حين يؤدي فقدان المعنى إلى تفكك المجتمعات وارتفاع معدلات الاضطراب النفسي، أما الإيمان بالقضاء والقدر، فيمنح الإنسان القدرة على تقبل الإخفاق، ويحول دون الوقوع في الإحباط واليأس.
وتبقى الأسرة المجال الأوسع لتفعيل التربية القائمة على التلقين والتعويد، من خلال الحث على الصلاة والارتباط بالمسجد منذ سن السابعة، بما يخفف من القلق ويعزز الطمأنينة، إلى جانب تدريب الطفل على البذل عبر الصدقة، وكبح الشهوات من خلال الصيام.
فالدين، في جوهره، هو السلطة الوحيدة القادرة على مخاطبة الضمير وترسيخ المسؤولية الفردية، بخلاف القوانين الوضعية التي تنظم السلوك الظاهر فحسب، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الأنعام: “وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ”، وقوله سبحانه: “وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ…” .
وقد اختتم القاسمي الندوة بالتأكيد على أنه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، تواجه الأسرة تحديات بنيوية عميقة تتطلب استجابة شمولية، تستند إلى إعادة تفعيل التكامل بين البيت والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، فاستعادة الأسرة لدورها التربوي لا تمثل مجرد خيار ثقافي، بل ضرورة حضارية لحماية الإنسان من التفكك القيمي، وبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة فتن العصر بثوابت الوحي والمنهج الرباني.




