يشعر بعض المسلمين المعاصرين بالحرج من مناقشة حد الردة في الإسلام، خاصة أن كثير من الفقهاء يرونه حداً شرعياً، لا شك فيه، ويستندون في ذلك إلى حديث انفرد به البخاري على مسلم، يقول فيه عكرمة البربري، عن عبد الله بن عباس إن "عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقالَ: لو كُنْتُ أنَا [...]
يشعر بعض المسلمين المعاصرين بالحرج من مناقشة حد الردة في الإسلام، خاصة أن كثير من الفقهاء يرونه حداً شرعياً، لا شك فيه، ويستندون في ذلك إلى حديث انفرد به البخاري على مسلم، يقول فيه عكرمة البربري، عن عبد الله بن عباس إن “عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقالَ: لو كُنْتُ أنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللَّهِ، ولَقَتَلْتُهُمْ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ”.
كما يستندون على حديث آخر ورد في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيِّبُ الزَّانِي، والمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَماعَةِ”.
إلا أن علماء آخرين، خاصة من المعاصرين، مثل الشيخ شلتوت والشيخ أبي زهرة، يرون في هذا الاستدلال على عقوبة الردة تشدداً يجانب روح الإسلام، ويدعون إلى قراءة جديدة، يقدمون لها العديد من الحجج، من أبرزها غياب عقوبة دنيوية صريحة في القرآن للمرتد عن الإسلام، ورغم تناوله لموضوع الردة في عدة آيات، إلا أنه لا توجد أي إشارة لعقوبة دنيوية محددة.
ويرون أنه إذا كان القرآن قد نصّ على عقوبات أقل أهمية كالسرقة والزنا، فلماذا لم ينص صراحة على عقوبة قتل المرتد؟
كما يرى البعض تناقض حد الردة مع آيات عديدة في القرآن تؤكد على حرية العقيدة، مثل قوله تعالى في سورة البقرة “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
وقوله تعالى في سورة الكهف”وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا”.
وقوله تعالى في سورة يونس “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”، وغيرها من الآيات التي تدل على حرية العقيدة.
وقوله تعالى في سورة النساء عن المنافقين “… فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا”.
كما أن رسول الله ﷺ لم يقتل مرتداً أبداً، إلا إذا كان قاتلاً محارباً، وهنا يرد في صحيح الترمذي ما يرويه جابر بن عبد الله “أنَّ أعرابيًّا بايعَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى الإسلامِ فأصابَهُ وعَكٌ بالمدينةِ فَجاءَ الأعرابيُّ، إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ أقِلني بيعَتي، فأبى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَخرجَ الأعرابيُّ ثمَّ جاءَهُ فقالَ: أقِلني بيعتي، فأبَى، فخرجَ الأعرابيُّ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها المدينةُ كالكيرِ تَنفي خبثَها وتُنصِّعُ طيِّبَها” أي أن رسول الله ﷺ تركه يذهب دون عقاب، ولو كانت هناك عقوبة مؤكدة للردة لما تركه النبي ﷺ دون عقاب.
أما من أهدر رسول الله دمه يوم فتح مكة، فلم يكن بسبب ارتداده عن الإسلام وإنما بسبب اقترافه لجريمة القتل، يقول ابن عبد البر في الاستذكار، عن ابن إسحاق قال “وأما قتل عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه وهو رجل من بني تيم بن غالب، قال وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه بعثه مصدقا، وكان مسلماً وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلماً، فنزل ابن خطل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له شاة ويصنع له طعاماً، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركاً”.
ومثل هذا قصة مقيس بن صبابة قتل مسلماً بعد أخذ الدية وهو أيضاً مما هدر رسول الله ﷺ دمه عند فتح مكة.
من جهة أخرى لا تجوز الشفاعة في الحدود، فيُطبق حد القتل المتعمد وحد السرقة وحد الزنا ككفارة حتى لو تاب مرتكب هذه الجرائم، لكن هنا يستوقفنا موقف الرسول ﷺ الذي رواه سعد بن أبي وقاص في صحيح أبي داود “لمَّا كان يومُ فتحِ مكةَ اختبأَ عبدُاللهِ بنُ سعدِ بنِ أبي السرحِ عِندَ عثمانَ بنِ عفانَ فجاءَ به حتى أوقفَهُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ بايعْ عبدَاللهِ فرفعَ رأسَهُ فنظرَ إليه ثلاثًا كلُّ ذلك يأبَى فبايعَهُ بعدَ ثلاثٍ ثم أقبلَ على أصحابِهِ فقال أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ ، يقومُ إلى هذا حيث رآني كففْتُ يَدي عن بيعتِهِ فيقتلُهُ ؟ فقالوا : ما نَدري يا رسولَ اللهِ ما في نفسِكَ ألَّا أومأتَ إلينا بعينِكَ ! قال : إنَّهُ لا يَنبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائنةُ الأعينِ”، حيث قبل الشفاعة في عبد الله بن سعد بن أبي السرح بعد ارتداده، ولو كانت الردة حداً لما قُبلت الشفاعة فيه.
أيضا موقف الرسول ﷺ في صلح الحديبية، حيث كان أحد شروط الصلح عدم مطالبة النبي بمن يرجع من مسلمي المدينة إلى كفار قريش في مكة، ولو كانت هناك عقوبة للردة لرفض النبي هذا الشرط، لأنه لا يمكن أن يعتدي على حق الله في التشريع.
كما أن النبي ﷺ لم يأمر بقتل المنافقين رغم علمه بحقيقتهم، بل صلى على زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، ففي صحيح البخاري يروي عمر بن الخطاب ” لَمَّا مَاتَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، دُعِيَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عليه، فَلَمَّا قَامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وثَبْتُ إلَيْهِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أتُصَلِّي علَى ابْنِ أُبَيٍّ وقدْ قَالَ يَومَ كَذَا وكَذَا: كَذَا وكَذَا؟ أُعَدِّدُ عليه قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وقَالَ: أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَلَمَّا أكْثَرْتُ عليه، قَالَ: إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لو أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ علَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ له لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ: فَصَلَّى عليه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلَّا يَسِيرًا، حتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِن بَرَاءَةٌ: “وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ”، قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جُرْأَتي علَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ يَومَئذٍ، واللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ”.
أما الحديث الذي ورد في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيِّبُ الزَّانِي، والمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَماعَةِ”، فيرون أنه العقوبة موجهة فقط للتارك لدينه المفارق للجماعة، مما يشير إلى سياق الحروب وليس الردة الدينية فقط.
وأما الحديث الذي انفرد به البخاري على مسلم، ويقول فيه عكرمة البربري، عن عبد الله بن عباس “أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، بزَنادِقَةٍ فأحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذلكَ ابْنَ عبَّاسٍ، فقالَ: لو كُنْتُ أنا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ: لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ اللَّهِ ولَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ”، فيرون أن تبديل الدين ليس سبباً لعقوبة القتل وإلا لطُبق على من يترك دينه ويدخل في الإسلام، وبالتالي فهذا الحديث ليس عاماً وإنما مقيداً، ومن قيوده أيضاً أن يطبق على المرتد الحربي حصرياً، حتى لو لم يُذكر ذلك صراحة.
أما حروب الردة التي شنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد اختلف الصحابة حولها، ولم يكن القتال فيها ضد أفراد بل ضد جماعات سعت للاستقلال السياسي عن الدولة الإسلامية.
وقد اختلف بعض الفقهاء مثل أبي حنيفة وسفيان الثوري، وقال بعدم قتل المرأة المرتدة، لأنها لن تكون محاربة للمسلمين على عكس الرجل، وكأن علة قتل المرتد ليست في تركه للإسلام وإنما في محاربته للإسلام.