أوجه التشابه والاختلاف بين الوصية الواجبة والوصية الاختيارية
تشبه الوصية الواجبة الوصية الاختيارية في أنهما لا تجوزان لوارث، لكنها تشبه الميراث في إلزاميته وفي جعلها نصيب الذكر مثل الأنثيين، وفي أنها مقدمة على جميع الوصايا الاختيارية، لكنها تختلف عن الوصايا الاختيارية في أنها لا تشترط قبول الموصي والموصى له، كما أنها مقدمة في التنفيذ على الميراث.
ومن نافلة القول: إن هذه ليست المرة الوحيدة التي تبنّى بعض المسلمين في عصور متأخرة حكما لم يكن معروفا في عهد رسول الله ﷺ ولم يتبنه فقهاء المذاهب الأربعة، فقد كان عمر -رضي الله عنه- يُوقع طلاق الثلاث بلفظ واحد تأديبًا للمتعجِّل، وقد خالف ابن تيمية وعلماء آخرون متأخرون ما ذهب إليه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في هذا الأمر.
ومن حيث الترتيب يتقدم الدَّين على الوصية الواجبة، وتتقدم الوصية الواجبة على الوصية الاختيارية.
فتأتي الوصية الاختيارية والوصية الواجبة في المرتبة الثانية في الحقوق المتعلقة بتركة الميت بعد استيفاء مصاريف تجهيزه ودفنه وأداء الديون التي عليه ، شريطة أن لا تجاوزا قيمة ثلث التركة، ويقدم الدَّين على الوصية بإجماع الفقهاء.
فعَنْ علي رضي الله عنه في تخريج المسند لشعيب أَنَّهُ قَالَ: “إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَقَدْ شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ”.
يقصد بذلك قوله تعالى: ” وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ”، النساء:12.
أي أن استيفاء الديون مقدم على تنفيذ جميع أنواع الوصية.
وقد اختلف العلماء حول جواز التوارث بين المسلم وغير المسلم، إلا أنهم اتفقوا على جواز الوصية بينهما.
أما الوصية لغة: فمأخوذة من وصيت الشيء إذا وصلته، سُمِّيت بذلك لأنها وصل لما كان في الحياة بعد الموت.
أما شرعًا فالوصية هبة الإنسان غيره عينا أو دينا أو منفعة على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي.
وأركانها: الموصي وهو صاحب الوصية، والموصى له وهو المستحق للوصية، والموصى به وهو الشيء الموصى به، والموصى إليه أي الوصي، وهو الذي قوّم على تنفيذ الوصية لموصى إليه فاقد الأهلية لصغر سن، أو ضعف عقل.
وما من عجب أن يحتار المسلم إزاء تشريع قانوني وضعي ينفِذ الوصية الواجبة، فضعف حجتها والخلاف الفقهي المثار حولها يثير الريبة، لكن القاعدة أن الحاكم يرفع النزاع في الأمور الخلافية بضوابط شرعية صارمة.
وعمومًا من أراد الحيطة يمكنه أن يتنازل للورثة عن نصيبة من الوصية الواجبة، إن حكمت له المحكمة بذلك.
ومن المفارقات القضائية أن أحد المواطنين المصريين – في محاولة منه للتمرد على مواد قانون الوصية الواجبة المصري المطبقة منذ عام 1946 – أقام عام 2008 دعوى قضائية في قضية تركة تُوفي فيها أبوه بعد وفاة أخت المدعي، وقد أقام دعواه أمام المحكمة الدستورية العليا ضد رئيس الجمهورية، وضد رئيس مجلس النواب، وضد أبناء أخته المتوفاة بعدم دستورية هذه المواد، ومن ثم طالب بسقوط العمل بأحكامها، إلا أن المحكمة انتهت عام 2021 إلى رفض الدعوى ومصادرة الكفالة التي دفعها في صندوق المحكمة، وإلزامه بالمصروفات وأتعاب المحاماة، وأنفذت بنود قانون الوصية الواجبة.
تشريع الوصية الواجبة في العالم العربي
وقد كانت مصر أول بلد شرَّع مواد أحكام قانون الوصية الواجبة في 1946 في القانون رقم 76، ثم تبعتها في ذلك معظم الدول العربية؛ مثل: سوريا عام 1953، ثم المغرب في الظهير الشريف/ الملكي عام 1958، ثم تونس والعراق عام 1959، ثم فلسطين عام 1962، ثم الكويت عام 1971، ثم الأردن عام 1976، ثم الجزائر عام 1984، ثم السودان عام 1991، ثم اليمن عام 1992، ثم ليبيا عام 1994، ثم سلطنة عمان عام 1997، ثم موريتانيا عام 2001، ثم الإمارات عام 2005.
وقد أطلقت بعض الدول العربية على مفهوم الوصية الواجبة مصطلح التنزيل، مثل: الجزائر والسودان وموريتانيا على الوصية الواجبة مصطلح التنزيل،
وكان لكل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر ومملكة البحرين مواقف متباينة تجاه الوصية الواجبة.
وبشكل عام فقد صدرت وثيقة مسقط للنظام (القانون) الموحَّد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية رقم 28 لسنة 2001، التي تنص مادتها 228 على أن الوصية الواجبة من حيث مدلولها ومبدأ الأخذ بها تُنظم أحكامها بقانون خاص بكل دولة.
أما مملكة البحرين فبها أصوات تنادي بتشريع الوصية الواجبة؛ مثل: مشروع قانون تقدم به عضو مجلس الشورى راشد السبت عام 2008.
ومن الدول العربية التي لم تُشرِّع الوصية الواجبة حتى تاريخه: المملكة العربية السعودية ودولة قطر.
فالقانون القطري يعترف بالوصية الاختيارية وليس الواجبة، ويعتبرها وجهاً من أوجه التبرع المضاف إلى ما بعد موت الموصي، إلا أن هناك موانع لتنفيذها، كأن يكون الموصي فاقدًا للأهلية، كما في حالة غياب العقل والنية كالذي يكون في حالة الاحتضار، أو أن لا يكون هناك دليل من وثيقة أو شهود معتبرين عليها، أو أن لا يكون للموصي سلطة على ما أوصى به، كأن يوصي مثلًا بتزويج فلان من فلانة؛ لأن صحة الزواج لا تتحقق إلا بموافقة الطرفين طواعية، أو أن يوصي بما يخالف القانون في مكان تنفيذ الوصية، أو أن يرفض أو يموت الموصى إليه قبل تنفيذ الوصية.
وقد فصّل قانون الأسرة القطري رقم (22) لسنة 2006 حالات عديدة متعلقة بالوصية، إذ أنها تصح في حالة سكوت الموصى له ثلاثين يومًا، بعد علمه بها، أما إذا مات الموصى له بعد وفاة الموصي دون أن يصدر عنه قبول أو رد، حينها ينتقل الحق إلى ورثته، وفي حالة ما إذا كان الموصى له فاقدًا للأهلية؛ كأن يكون جنينًا أو قاصرًا أو محجورًا عليه، فلمن له الولاية على ماله قبول الوصية، وليس له حق ردها إلا بإذن القاضي.
ولما كانت الوصية لا تصح شرعًا ولا يعتدُّ بها قانونًا في حق الوارث، فقد ذهب بعض الناس إلى أن يهبوا أثناء حياتهم ما يريدون، أن يخصّوا به أحدًا أو بعضًا من ورثتهم. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: تسجيل الأب وهو على قيد الحياة كل أملاكه أو بعضها لبناته في حال غياب أخ ذكر لهن؛ خشية أن يشاركهن بقية الورثة الشرعيين في التركة.
رغم أن العصبة (أقارب الأب المتوفى) ملزمة شرعًا بالإنفاق على بناته إن لم يكن لهن ما يكفيهن من المال، إلا أن الغالبية تتهيب من أن ترفع بناته قضية نفقة ضد عصباتهن، وهو سلوك يراه البعض شبيهًا بسلوك لليهود سمّاه الله فسقًا كونهم تحايلوا على تحريم الله عليهم في أن يصطادوا الأسماك يوم السبت، بأن نصبوا شِبَاكًا تحصد ما يدخل فيها ليحملوه في اليوم التالي.
حيث يقول الله تعالى: “وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ”، الأعراف: 163.
لكن هناك من يجيز للأب أن يهب بعض أو كل ممتلكاته لبناته خلال حياته، رغم أنهن يعتبرن ورثة، على أساس أنه حر شرعا في هبة ما يملكه لمن يشاء.
المال والبنون
وعلى كل مسلم أن يستبين نيته، أيحسب أن غير الله يرزق أو أن غيره يكتب الآجال؟ وهذا ما يوضحه الله تعالى صراحة في سورة لقمان في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، لقمان: 33 – 34.
وانظر أين أنت من أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما، فعن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنن أبي داود أنه قال: “أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن نتصدَّقَ فوافقَ ذلِكَ عندي مالًا فقلتُ اليومَ أسبقُ أبا بَكرٍ إن سبقتُهُ يومًا قالَ فَجِئْتُ بنِصفِ مالي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما أبقيتَ لأَهْلِكَ قلتُ مثلَهُ وأتَى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عندَهُ فقالَ يا أبا بَكرٍ ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ فقالَ أبقيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ قلتُ لا أسبقُهُ إلى شيءٍ أبدًا”.
أما إن أردت التخفيف؛ فعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – أنه قال: “جاءني رسول الله ﷺ يَعُودُنِي عام حَجَّةِ الوداع من وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوَجَعِ ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يَرِثُنِي إلا ابنةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطْرُ يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهُم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في فِيْ امرأتك. قال: قلت: يا رسول الله أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّفُ فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازْدَدْتَ به درجة ورِفْعَةً، ولعلك أن تُخَلَّفَ حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرُّ بك آخرون. اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدَّهُم على أَعْقَابِهِم، لكنِ البَائِسُ سعد بن خَوْلَةَ (يَرْثِي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة”.
ومن رحمة الله أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها؛ فقال عَزّ مِن قائل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)”، التغابن: 14-18.
والله أعلى وأعلم.
والله أعلى وأعلم.


