محمد إحسان شاب باكستاني، يعيش في قطر منذ أكثر من ثلاثة عقود، يعمل مخلص معاملات، ولديه زبائن كثر يستعينون بمهاراته وقدراته لإنهائها في الجهات الحكومية، ولأنه كان متميزا وينهي المهام بسرعة، كان يكسب إكراميات سخية.
تمكن إحسان من شراء سيارة صالون نيسان سيدرك، موديل 1992، وقد اشتراها في منتصف التسعينيات، أي أنها لم تكن مستهلكة بشكل كبير، ولم تكن تعاني من أي مشاكل، كان بها محرك بست أسطوانات، وكانت واسعة وراقية، وذات تنجيد عنابي فاخر.
أحب إحسان سيارته السيدرك كثيرا، وعلق على لوحة القيادة بعض الزينة، وألبس كراسيها كسوة كي لا تتضرر، وألصق على زجاجها الخلفي في الجهة اليمنى "ما شاء الله" وفي اليسرى "سيدرك والقلب يدرك" دلالة على تعلقه بها.
عندما اشترى إحسان سيارته كان التسجيل يدوياً بالكامل عبر مراجعة إدارة المرور والترخيص التي كانت تحفظ الملفات والبيانات في سجلات ودفاتر ورقية ضخمة داخل أرشيف إدارة المرور، إذ لم يكن هناك وقتها دفع إلكتروني أو بطاقات ائتمانية كما هو الحال اليوم، حيث كان تخليص المعاملات ودفع رسوم الطوابع والتجديد يتم نقداً عند نوافذ الموظفين.
كان إحسان يقود سيارته بحذر، وكان ملتزماً بتغيير زيت المحرك كل خمسة آلاف كيلومتر، ويراعي العوامل الميكانيكية والتشغيلية، والتفاعلات الكيميائية والبيئية، والسوائل والزيوت، وبشكل عام كان يتأكد من أهليتها الفنية والقانونية للسير على الطرقات.
ولكن ظروف وأحوال الحياة لا تبقى وردية للأبد، فبعد ثلاثة عقود كبر إحسان، وضعفت قوته، وأصبحت حركته أبطء ولم يعد ذلك الشاب الذي يدخل إلى المسؤولين، وينهي الإجراءات دون اعتبار لأرقام الانتظار أو الطوابير.
وكما هو الحال مع جسد إحسان، تهالكت سيارته السيدرك، وبهت طلائها، وجفت خراطيمها، وتشققت قطعها المطاطية، وتآكلت معظم أجزاؤها الميكانيكية، وقطعها الإلكترونية، ما يعني أن المركبة أصبحت غير آمنة للقيادة وغير مؤهلة تماماً لاجتياز الفحص الفني في قطر، حيث تشكل هذه الأعطال خطراً مباشراً على سلامته وسلامة مستخدمي الطريق.

بدأ الفحص الفني الدوري للمركبات في قطر رسمياً مع تأسيس شركة قطر للفحص الفني، بمركز وحيد في المنطقة الصناعية، وفقا لقرار وزير الداخلية رقم (2) لسنة 2003 بتحديد الجهة التي تتولى الفحص الفني للمركبات الميكانيكية، وصدر رسمياً في 8 فبراير 2003.
وفي عام 2009، استحوذت شركة قطر للوقود (وقود) على شركة قطر للفحص الفني، وتم دمجها بالكامل لتصبح تابعة لها، وتغير اسمها التجاري إلى فاحص، ومع مرور الوقت، توسعت الشركة من مجرد مركز واحد لتشمل اليوم أكثر من 12 مركزاً ثابتاً ومتنقلاً، ورُبطت إلكترونياً مع أنظمة وزارة الداخلية، مما يتيح تجديد استمارة السيارة فوراً بعد اجتياز الفحص دون الحاجة لزيارة مقار المرور.
ورغم الدقة والمعايير التي كانت تلوح في أفق إدارة المرور، إلا أنها لم تتغلب على إحسان، وعلى سبله لتمرير سيارته، وسيارات عملائه، فقد كان يجدد استمارتها في كل عام دون عراقيل، كان يعرف كيف يجعل من الأعطال تبدو هينة أمام الضباط، ويقنعهم بتسجيلها واعتمادها سنة بعد سنة.

في السنوات الأخيرة شهد حي إحسان السكني زيادة ملحوظة في مشاريع تطوير ورصف الشوارع الداخلية، وتطوير البنية التحتية لتحسين تصريف مياه الأمطار، حتى وصلت هذه المشاريع إلى شارع بيته، مما دعاه إلى إيقاف سيارته في فناء قريب من منزله.
حاول إحسان مرارا وتكرارا الاتصال بهيئة أشغال، الجهة الحكومية الرسمية المسؤولة عن كافة مشاريع البنية التحتية والمباني العامة في الدولة من تخطيط، وتصميم، وتنفيذ، وإدارة، وأبلغهم أن المشروع تسبب في إغلاق مدخل منزله، حتى أنه اقترح وضع ألواح أو ردم مؤقت يتيح لسيارته وعائلته العبور بأمان، ولكنهم تجاهلوه.
ثم عاد وأبلغهم أن الحي امتلأ بالحفريات وأعمال الطرق، وأصبح الحال مزعجاً وموتراً مما سببته هذه الأعمال من غبار، وضوضاء، وصعوبة تنقل داخل الحي، وأن حياته اليومية أصبحت مرهقة للغاية، ولكنهم استمروا في تجاهله، على اعتبار أن الدولة لديها خطة وطنية شاملة لتحديث البنية التحتية في الأحياء القديمة والجديدة لضمان استدامتها لسنوات طويلة قادمة.
وما زاد الطين بله، أنه في أحد الأيام، وجد على سيارته ملصق إخطار أصفر لمراجعة البلدية بسبب ترك السيارة مهملة ومغبرة في مكان يشوه المظهر العام، بناء على قانون النظافة العامة رقم 18 لسنة 2017.
تنص المادة رقم (4) على أنه "يُحظر ترك الوسائط البحرية والسيارات والمعدات والآلات والمباني المؤقتة أو أجزائها مهملة في الشوارع أو الأرصفة أو الساحات والميادين العامة"، وتصنف البلدية السيارة المغبرة جداً أو المتروكة لفترة كسيارة مهملة تشوه المظهر الجمالي والحضاري للمنطقة.
وتبين لإحسان عندما توجه إلى مكتب خدمة العملاء وطلب مقابلة أحد مسؤولي الرقابة بالبلدية أو اللجنة لمناقشة وضع المركبة، أن عليه دفع مخالفة تبلغ 2000 ريال قطري بموجب البند رقم (1) من جدول الصلح الملحق بالقانون رقم (6) لسنة 2023.
وتبين لإحسان عندما توجه إلى مكتب خدمة العملاء وطلب مقابلة أحد مسؤولي الرقابة بالبلدية أو اللجنة لمناقشة وضع المركبة، أن عليه دفع مخالفة تبلغ 2000 ريال قطري بموجب البند رقم (1) من جدول الصلح الملحق بالقانون رقم (6) لسنة 2023.

وضح إحسان للمسؤول أن تراكم الغبار والرمال ناتج بشكل مباشر عن حفريات البنية التحتية وأعمال الطرق القريبة من منزله، ما يُعتبر سبباً قاهراً خارجاً عن إرادته، وليس إهمالاً متعمداً لتشويه الحي، فبين له المسؤول أن القانون يتيح له فرصة لتقديم تظلم والاعتراض على المخالفة لإسقاطها أو إلغائها قبل الدفع، بشرط إثبات هذه الظروف.
تقديم طلب التظلم والاعتراض على مخالفة البلدية يمكن تقديمه إلكترونياً في موقع وزارة البلدية، أو ميدانياً بمراجعة قسم الرقابة بمبنى البلدية، وقام إحسان باختيار المسار الإلكتروني، ورفع صورا التقطها للسيارة وبجانبها حفريات الشارع، وأرفق كتاباً خطياً يشرح أن الغبار ناتج عن أعمال الطرق القائمة بالمنطقة، وأن باب منزله مسدود بسبب تلك الحفريات.
بمجرد رصد المخالفة وتسجيلها في النظام، تنتقل المعاملة تلقائياً إلى اللجنة المشتركة لإزالة السيارات المهملة لتنفيذ السحب الميداني، فتقديم التظلم إلكترونياً قد يستغرق أياماً لبحثه، لذلك كان على إحسان إزالة الغبار تماماً ليثبت للمفتشين أن السيارة غير مهملة، وتغيير مكان وقوفها إلى كراج المنزل، أو في موقف رسمي ومسفلت تابع للمنزل لحين البت في التظلم، وهذا ما لم يحدث.
اختفت السيارة بعد انقضاء مهلة الأيام الثلاثة، فقد قامت اللجنة المشتركة لإزالة السيارات المهملة بسحبها فعلياً ونقلها إلى إحدى ساحات الحجز، وأضيفت 500 ريال قطري كرسوم سحب ونقل المركبة، ليصبح مجموع المطلوب للسداد 2500 ريال قطري.
بالتأكيد جن جنون إحسان، فمن الظلم البين تحمل تبعات غبار وأتربة ناتجة عن مشاريع الدولة وحفريات الحي، ويجد نفسه فجأة مطالباً بمبلغ 2,500 ريال قطري، وسيارته مسحوبة.
فذهب وقابل المفتش المسؤول مرة أخرى، وأطلعه على صور الحفريات، وملصق المخالفة، وبدى عليه الغضب والإحباط بسبب هذا الموقف غير العادل، ففرغهما في وجه المفتش، وطالبه بإصدار أمر فوري بإلغاء المخالفة والإعفاء من الرسوم وإصدار كتاب رسمي بفك حجز السيارة مجاناً.
انقلب موقف إحسان بعد هذا التصرف الأرعن من صاحب حق إلى متهم، إذ أن مفتشي البلدية يتمتعون بصفة الضبطية القضائية، ما يعني أن لديهم سلطة قانونية لتحرير محضر رسمي بالواقعة فوراً، بل وتحويل المتهم مباشرة إلى الشرطة والنيابة العامة.

ينص قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004 على عقوبات مغلظة في حال التعدي اللفظي أو الجسدي على الموظف العام أو حتى بالإشارة أو التهديد أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، حيث أن المادة رقم 166 تعاقب من يقوم بهذا الفعل بالحبس مدة لا تتجاوز 6 أشهر، وبغرامة لا تزيد عن 3,000 ريال قطري، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
قام المفتش بطلب دورية الشرطة لتوثيق تعرضه للإهانة ومنعه من أداء عمله، ثم تم توقيف إحسان احتياطياً لمدة أسبوع على ذمة التحقيق من قِبل النيابة العامة، كإجراء قانوني معتاد للتحقيق في الجنح، ثم أُحيلت القضية برمتها إلى المحكمة الجنائية التي طبقت نص المادة (166) بحذافيرها، وصدر الحكم بالغرامة القصوى (3,000 ريال قطري) مع وقف تنفيذ عقوبة السجن تقديراً لظروفه ولعدم وجود سوابق لديه.
وما إن خرج إحسان توجه مباشرة ليخرج سيارته من تلك الساحة المكشوفة تماماً تحت أشعة الشمس المباشرة، وقد تعرضت لمزيد من الأتربة، والرياح، ولبعض الأضرار السطحية التي من الواضح أنها حدثت للسيارة أثناء عملية السحب والتحميل بالرافعة.
حزن إحسان كثيراً على ما جرى لسيارته، فمن الناحية الاقتصادية، بيع السيارة لن يغطي قيمة المخالفة والرسوم المتراكمة عليها، فتسعير سيارات السكراب القديمة يتم بناء على وزنها كمجرد حديد صاف، ونظراً لأن السيارة متواجدة داخل ساحة حجز البلدية، فإن محلات السكراب ستتحمل تكلفة إخراجها برافعة خاصة ونقلها للمنطقة الصناعية، مما يخفض السعر الذي سيحصل عليه ليعوض تكلفة النقل.
والأمر الآخر، السيارة موديل 1992، ما يعني أنها قديمة جداً، والطلب على قطع غيار نيسان سيدريك في السوق المحلي يكاد يكون معدوماً مقارنة بالموديلات الحديثة، وبالتالي لن يستفيد المشتري من تفكيكها لبيعها كقطع غيار، إضافة إلى أن الهيكل والديكورات الداخلية تضررت بفعل الأتربة والشمس، مما يقلل من أي قيمة إضافية للسيارة.
فلم يجد إحسان بداً إلا أن يدفع 2,500 ريال قطري عبر تطبيق عون الخاص بالبلدية، لحماية اسمه وسجله القانوني من أي تعقيدات مرورية أو غرامات مستمرة، وبمجرد الدفع، توجه مباشرة إلى إدارة المرور وطلب شطب السيارة نهائياً، ثم ترك الهيكل في ساحة حجز البلدية دون استلامه، فالبلدية ستتولى التخلص منها بمعرفتها بعد انقضاء المهلة القانونية، وبذلك أغلق هذا الملف تماماً، واستعاد راحة باله.




