ولدت أمي وفاء فواز في سوهاج في صعيد مصر في مطلع الأربعينيات، وترعرعت في القاهرة مع أمها وأخوانها الثلاث وأختها الوحيدة بعد وفاة والدهم في الثالثة عشرة من عمرها، ثم بعد تخرجها عملت فيها طبيبة باطنة في منتصف الستينيات بمستشفى دار الشفاء، ثم تقاعدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً من عملها في مستشفى العجوزة، وقبلها عملت مع أبي في مطلع السبعينيات أثناء تحضيره للدكتوراه في الجراحة في كارديف في ويلز، ثم الهفوف والرياض والطائف.
بعد هذه المسيرة الطويلة لاثنين وسبعين عاماً شرقاً وغرباً، توفيت في 2013 بالدوحة بعد ستة أسابيع من زياراتها لي بجلطتين مفاجئتين على الرئة، ودُفنت في مقبرة جدتي التي اشترتها للعائلة من الدولة بنظام حق الانتفاع في مدينة السادس من أكتوبر غربي محافظة القاهرة الكبرى.
وقد وضّحت أطروحات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر الإجراءات اللازمة لشراء مقبرة في مدينة 6 أكتوبر كحق انتفاع.



وللمصرين طريقة فريدة في دفن موتاهم يعترض عليها بعض المسلمين كونها ليست لحداً وفقاً للسنة النبوية، بل ويشبهونها بعادات الفراعنة الوثنية في دفن موتاهم، فالمصريون المعاصرون يدفنون في غرف مبنية بالخرسانة مثل البدروم تحت الأرض، حيث يوضع الميت على أرضية الغرفة الرملية، ويسمون الغرفة عين، وعادة لكل عائلة مقبرة بها عينان، عين للذكور وأخرى للإناث، حيث تُفتح الغرفة لإدخال كل ميت، ليوضع بجوار من سبقوه من الأموات.
كانت غرفة دفن أمي جديدة، لم يسبق دفن أحد فيها، حيث حملتها مع الأقارب ونزلنا بها ووضعناها على أرضيتها ونثرنا على كفنها بعد فتح أربطته بعض الرمال، وعند صعودي من الغرفة ارتطمت رأسي بشدة بسقفها المنخفض، كانت هذه ربما أعنف خبطة تلقيتها على رأسي في حياتي حتى الآن، لدرجة أني توقعت نزفاً شديداً من الرأس، لكن لم أجد أثراً لذلك على يدي التي عاودت تحسسها في دهشة.
ثم بعد سنة، في زيارتي التالية لمصر قال لي سائق شاب من أبناء حينا نتعامل معه كثيراً، كان قد شارك معنا في دفن أمي إنه عندما دفن جدتي التي توفيت بعدها بستة أشهر تقريباً وجد كفنها في هذا القبر منكمشاً بعد أن كان ممتلئاً بجثمانها عندما دخلته كأول نزيلة لهذا القبر، ثم بعد حديثه هذا بسنة أو ربما أقل علمت أنه هو نفسه توفي بسكتة قلبية غير متوقعه لمن هو في عمره.
ورغم أني كنت قد وقّعت في مستشفى حمد أوراق دفن أمي في مقبرة مسيمير في الدوحة، إلا أن اثنين من الأصدقاء المصريين الذين وقفا معي في هذه الظروف أصرا بإلحاح أن أنقل الجثمان إلى مصر لتدفن أمي في بلدها، ولا استثناء عندهما إلا إذا كانت ستُدفن في البقيع أو مكة.
فعن فضل الموت في المدينة المنورة ، يقول عبدالله بن عمر إن رسول الله ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يموتَ بالمدينةِ فإني أشفعُ لمن مات بها"
كنت وقتها أتساءل في صمت، أليست أرض الله واسعة في السعي على رزقه، فهل تضيق عند الموت؟
لذلك لم أكن مقتنعاً بالمرة بكلامهما، فعرضا علي أن أتصل بابن عمتي طبيب التخدير، وآخذا هاتفي لأتصل به دون تردد أو تسويف، فما كان جوابه إلا أن أنكر علي وأيد كلامهما دون نقاش.
وهو ما تم بالفعل، حيث شحنت جثمانها في صندوق اشتريته من مكان مخصص لتوابيت الشحن في حي النجمة في الدوحة، لتتحقق بذلك نبوءتها عندما كانت تقول مغاضبة لأمها عندما تستفزها ببعض كلمات التنظير والتدخل إنها ستذهب للعمل خارج مصر بعيدا عنها وستعود إليها في صندوق.
كان لون الصندوق أحمر وشعرت أنه غير مناسب، ربما كان مخصصا لموتى عبدة النار من الآسيويين أو البوذيين، لكن هذا ما وجدته، كنت أتمنى أن يكون أخضر، مثل لون الإسلام. تجاهلت هذه الخواطر متسائلاً: هل للإسلام لون؟
في الصباح الباكر، أخذني أحد الصديقين في سيارته، وتتبعنا الجثمان في عربة الإسعاف إنطلاقاً من مشرحة مستشفى حمد التي غسلتها وطيبتها بالكافور وكفنتها مجاناً، وعندما وصلنا إلى ساحة الشحن الأمتعة الضخمة التابعة لمطار الدوحة استلمت الصندوق من سيارة الإسعاف ووضعته على عربة شوكية وأدخلته إلى قاعة الشحن بجوار الحقائب، بعد قليل وصلتني رسالة من تطبيق الحكومة الإلكترونية مطراش أن أمي غادرت قطر، ثم أتممت إجراءات سفري وركبت على متن نفس الطائرة، أنا في المقصورة وهي تحت في مكان ما في بطن الطائرة.
العجيب أن مصاريف شحن جثمانها في اتجاه واحد كانت أكثر من ضعف مصاريف سفرها ذهاباً وإياباً وقت أن كانت على قيد الحياة.
كم أنا ممتن حتى الآن لهذين الصديقين، ومع هذا فقد انفجرت توبيخاً في أحدهما بعد بضع سنوات في مكالمة هاتفية منه استفزني فيها بتدخله في أحد شؤون حياتي، وكم أنا نادم اليوم على توبيخي له، ليتني تحملت سخافاته، فقد وقف معي لوجه الله في أيام صعبة.
بعد قرابة ثلاث عشرة سنة، عادت لي هذه الذكريات كأنها كانت بالأمس، عندما صاحبت كمترجم وفدا ألمانيا يتفقد في زيارة رسمية مرافق المطار، وهناك في غرفة رمادية الجدران لا باب لها وقعت عيني على صندوق طويل يقبع في الزاوية، قال لنا المسؤول القطري المُضيف إنه جثمان ينتظر استكمال إجراءات شحنه على متن إحدى الطائرات.
أحيانا يراودني سؤال من باب الفضول، هل ولد بالفعل من سيدفنني أم ليس بعد؟ وهل هناك فرصة للتعرف عليه؟
وهل يمكن أن أزور قبري؟ أم ربما لن أدفن؟
وقد رثيت أمي بهذه الكلمات في منشور على فيسبوك، قلت فيه: "في مثل هذا اليوم قبل عام عندما زرتها في المستشفى عصر آخر يوم من عمرها كانت بكامل وعيها، كانت تشكو من شدة العطش، فذهبت في ردهات المستشفى أجري بحثاً عن ماكينة المشروبات.
كانت الممرضة الهندية قد تصدقت علي ببضعة ريالات لأني طلبت منها أن أفك مبلغ أكبر فلم يكن معي فكة.
كنت أجري في ردهات المستشفى كي أعود لها بعصير البرتقال المعلب.
في أثناء جريي، ضللت الطريق، لأجدني أجري بمحازة جدران المشرحة.
حدثتني نفسي وقتها أن هذه ربما أشارة وتمهيد ورحمة إلى أنني عما قريب سأخذها إلى ثلاجة الموتى.
عدت إليها بالعصير فشربت العلبة بنهم شديد، ثم طلبتَ الثانية.
نبهتها إلى أن هذه كمية كبيرة على مريض السكر، فأصرت أن تشرب العلبة الثانية.
بعد قليل طمأنتني وقالت لي إنها بخير وعلي أن أذهب الآن.
طلبتُ منها أن تدعو لي ونسيتُ أختي، فدعت لي.
ذهبت وبعد ثلاث ساعات اتصل بي الطبيب وقال إن قلبها توقف عدة مرات وإنها على جهاز التنفس الاصطناعي.
سألته أجبني بشكل مباشر، هل ماتت؟
قال لي لا أستطيع تحديد الإجابة الآن.
وصلت عندها وهي غائبة عن الوعي، وقلبها ينبض ويتوقف، ثم يعاود الأطباء محاولة إنعاشه بالضغط على صدرها بعنف، فيعود قلبها للنبض من جديد ثم يتوقف.
قرأت لها سورة يس.
ولقنتها الشهادة في أذنها خمس مرات.
قائلاً حرفياً لها: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها،لا يزيغ عنها إلا هالك."
أرجو من الله السميع أن يكون قد أسمعها وسمعها تنطق بكلمة الحق.
اللهم اجعل أمي من أهل الحق، واجمعني بها في دار الحق، مع الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء.

بعض المسلمين يعتقدون أن الموت في الغربة نوع من أنواع شهادة، والبعض الآخر لا يعتقد ذلك، فعن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "موتُ الغريبِ شهادةٌ، إذا احتضر فرمى ببصرِه عن يمينِه وعن يسارِه، فلم ير إلا غريبًا، وذكر أهلَه وولدَه، فتنفَّس، فله بكلِّ نفسٍ تنفَّسه يمحُ اللهُ عنه ألفي ألفِ سيئةٍ ويكتب له ألفي ألفِ حسنةٍ".
وعن عبدالله بن عمرو "مات رجلٌ بالمدينةِ ممن وُلِدَ بها فصلى عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقال يا ليتَه بغيرِ مولدِه فقالوا ولم ذاك يا رسولَ اللهِ قال إنَّ الرجلَ إذا مات بغيرِ مولدِه قِيسَ له من مولدِه إلى منقطعِ أثرِه في الجنةِ."
نصت المادة 5 من قانون مؤسسة الشهداء رقم 3 لسنة 2006 المعدل في العراق على أن "الشهيد: كل مواطن عراقي فقد حياته بسبب معارضته للنظام البائد في الراي او المعتقد او الانتماء السياسي او تعاطفه مع معارضيه او مساعدته لهم، بفعل من افعال النظام بشكل مباشر او بسبب السجن او التعذيب او تنجيتهما أو بسبب عمليات الإبادة الجماعية وضحايا الأسلحة الكيمياوية والجرائم ضد الإنسانية والتصفيات الجسدية والتهجير القسري ."
حيث يمنح قانون مؤسسة الشهداء رقم 2 لسنة 2016 في العراق ذوي الشهداء مجموعة من الحقوق والامتيازات، منها: تمجيد الشهداء، وإقامة نصب ومتاحف لهم، وتسهيل معاملات ذويهم، ونقل خدماتهم بين الوزارات، وتخصيص نسب للتعيين والدراسة، ومنح الإجازات الدراسية، وإعفاؤهم من بعض الشروط الدراسية، وصرف الرواتب المتراكمة، وتثبيت حقهم في الاستمرار بالخدمة حتى سن 68 عاماً.
يتناول مقال على موقع عربي بوست بعنوان يبدأ من 7 آلاف دولار ويتجاوز الـ30 ألفاً حسب الولاية.. لماذا تكلفة الموت في أمريكا باهظة؟ معاناة المسلمين والعرب في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع تكاليف الدفن ونقل الجثامين، حتى صار الموت عبئاً مالياً كبيراً على الأسر والجاليات.
ويعرض المقال قصة شاب تونسي توفي في نيويورك، وبقي جثمانه في ثلاجة الموتى ثلاثة أسابيع بسبب صعوبة التواصل مع أسرته وتكاليف الدفن أو نقل الجثمان إلى تونس، إذ بلغت تكلفة الدفن في أميركا نحو 5000 دولار، بينما تصل تكلفة نقل الجثمان إلى الوطن إلى نحو 25 ألف دولار.
وتقوم المساجد بمساعدة الأسر، من خلال التنسيق مع دور الدفن الإسلامية وجمع التبرعات، خصوصاً يوم الجمعة حين يكثر حضور المصلين، وتدفع أزمة نقص المقابر الإسلامية في نيويورك بعض المسلمين إلى الدفن في ولايات أخرى مثل نيوجيرسي، وهو ما يتعارض أحياناً مع الرغبة في تعجيل الدفن.
ويبقى خيار حرق الجثمان خياراً مطروحاً بسبب انخفاض تكلفته، وهو ما يرفضه معظم المسلمين، ويضهعم في مأزق كبير.
مقابل الولايات المتحدة في أقصى الشرق، وتحديداً في قارة آسيا، طالبت النائبة البرلمانية اليابانية أوميمورا ميزوهو بحرق موتى المسلمين المتوفين في اليابان، وذلك وفقاً لمقال على الموقع الياباني أخبار العرب، بعنوان سياسية يابانية تستشهد بتفضيلات إمبراطورية في نزاع دفن المسلمين، إذ أنها عارضت توسيع مواقع الدفن للمسلمين، معتبرة أن اليابان بلد يعتمد ثقافة حرق الجثث وفقاً لتوجيهات إمبراطور اليابان، ما وضع المسلمين في اليابان أمام خيارات صعبة: إما البحث عن مقبرة إسلامية وهي شيء نادر للغاية في هذا البلد، أو نقل الجثمان إلى بلد آخر بتكلفة مرتفعة، أو القبول بالحرق.
ويعرض المقال الخلاف بوصفه صراعاً بين من يرون أن اليابان يجب أن تحافظ على تقاليدها ونظامها الجنائزي القائم على الحرق، وبين من يعتبرون أن توفير الدفن للمسلمين مسألة تتعلق بالحرية الدينية والكرامة الإنسانية وحقوق الأقليات، كما تطرق المقال إلى اعتراضات محلية على إنشاء المقابر بسبب مخاوف بيئية من تأثير الدفن على المياه الجوفية.
وحول شرعية حرق الجثث في الإسلام يرى موقع إسلام ويب في مقال بعنوان حرق جثث الموتى.. رؤية شرعية أن حرق جثة الميت لا يجوز شرعاً، لأن للميت حرمة وكرامة مثل حرمة الحي، مستدلاً بحديث عن عائشة بنت أبي بكر أن رسول ﷺ قال "كَسْرُ عظمِ الميِّتِ كَكسرِه حيًّا"، وبناء عليه يرى المقال أن الاعتداء على جسد الميت بالحرق يُعد انتهاكاً لحرمته ولا يقل عن حرق الحي.
لكن المقال يستثنى في حالات الضرورة القصوى، مثل الكوارث الكبيرة التي يسقط فيها عدد كبير من الضحايا، وتتعذر أثنائها سرعة دفنهم، ويترتب على بقائهم أوبئة أو ضرر مؤكد على الأحياء بحسب رأي أهل الخبرة من المختصين، فقط في هذه الحالة يجوز إحراق الجثث دفعاً للضرر وحفاظاً على سلامة الناس.
لكن شخصياً، استوقفني حديث نبوي أدهشني كثيراً، إذ غفر الله فيه لرجل طالب بحرق جثمانه بعد وفاته.
فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رَجُلٌ لم يَعمَلْ حَسَنةً قَطُّ، لأهلِه: إذا ماتَ فحَرِّقوه، ثُمَّ اذروا نِصفَه في البَرِّ، ونِصفَه في البَحرِ، فواللهِ لَئِن قدَرَ اللهُ عليه لَيُعَذِّبَنَّه عَذابًا لا يُعَذِّبُه أحَدًا مِنَ العالَمينَ، فلَمَّا ماتَ الرَّجُلُ فعَلوا ما أمَرَهم، فأمَرَ اللهُ البَرَّ فجَمع ما فيه، وأمَرَ البَحرَ فجَمع ما فيه، ثُمَّ قال: لمَ فعَلتَ هذا؟ قال: مِن خَشيَتِكَ يا رَبِّ وأنتَ أعلَمُ، فغَفَرَ اللهُ له."





