في أواخر عام 2009، سافرت لأول مرة إلى الولايات المتحدة لحضور ورشة عمل امتدت لثلاثة أشهر بأكاديمية نيويورك للأفلام في جزيرة مانهاتن، وفي أحد الأيام قررت زيارة مبنى الأمم المتحدة الذي يبعد عن الأكاديمية أقل من سبعة كيلومترات شمالاً ويطل على نهر إيست ريفر.
وصلت إلى المجسم الشهير المقابل لمبنى الأمم المتحدة المعروف باسم اللاعنف أو المسدس المعقود، ويشير موقع الأمم المتحدة إلى أن التمثال مصنوع من البرونز على شكل مسدس عيار 45 بسبطانة معقودة في إشارة ساخرة تدعو إلى نبذ السلاح، وقد صنعه الفنان السويدي كارل فريدريك رويترسوارد عام 1980 بعد مقتل مغني البيتلز الشهير جون لينون، تخليداً لذكراه وتكريماً لرؤيته الداعية إلى عالم يعمه السلام، وقد اشترته حكومة لوكسمبورغ وأهدته للأمم المتحدة عام 1988.

دخلت لأتجول بين أروقة المبنى المسموح بزيارتها للسياح، لم تعجبني خطوطه الحادة وعلامات التحلل البادية عليه بعد سنوات طويلة من استقرار الأمانة العامة للأمم المتحدة بين جنباته في عام 1951، وذلك بعد رحلة قصيرة لبضع سنوات في أماكن سابقة ريثما يكتمل بناؤه، شعرت أنه يذكرني بالمباني الحكومية العتيقة التي تنضح بالبيروقراطية.
تساءلت، هل يمكن لهذا الجهاز الإداري الدولي أن يكون ملاذاً للمستضعفين والمظلومين، رغم حق النقض أو ما يعرف بالكلمة اللاتينية فيتو التي تعني أنا أرفض أو أحظر، والمكفول لخمس دول حصراً يُطلق عليها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن؟
ولا عجب أن يُعد حق النقض من أكثر القضايا إثارة للجدل في النظام الدولي، فهو أداة وُضعت لضمان بقاء القوى الكبرى داخل منظمة الأمم المتحدة، التي ما كانت لتنضم لها بدون هذه الخصوصية.
ولا يمكن فهم حق النقض بمعزل عن ظروف نشأة الأمم المتحدة، ولا عن فشل عصبة الأمم، ولا عن التوازنات التي فرضتها الحرب العالمية الثانية على العالم في منتصف القرن العشرين.
عندما انتهت الحرب العالمية الأولى، أُنشئت عصبة الأمم بوصفها محاولة أولى لتنظيم العلاقات الدولية ومنع تكرار الحروب الكبرى، لكن هذه العصبة كانت ضعيفة من عدة نواح، أهمها أن قراراتها لم تكن نافذة إلا غالباً بشرط الإجماع، فكان أي اعتراض تتقدم به أي دولة يعطل القرار.
لم يكن هناك فيتو رسمي بالمعنى المعروف لاحقاً في مجلس الأمن، لكن قاعدة الإجماع جعلت كل دولة كأنها تملك فيتو خاصاً بها، ومع غياب الولايات المتحدة عن العصبة، رغم أنها هي من دعت إليها، وضعف أدوات التنفيذ، وعجزها عن ردع القوى العدوانية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الدموية، انهارت العصبة عملياً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم انتهت رسمياً عام 1946 بعد قيام الأمم المتحدة.
من هنا جاءت فكرة إنشاء منظمة دولية جديدة، أقوى من عصبة الأمم، وأكثر قدرة على التعامل مع قضايا السلم والحرب، لكن السؤال كان كيف يمكن إنشاء منظمة عالمية لا تنسحب منها القوى الكبرى ولا تعتبرها أداة ضد مصالحها؟
هذا السؤال هو مفتاح فهم حق النقض، فقد أدرك واضعو نظام الأمم المتحدة أن منظمة دولية بلا مشاركة القوى الكبرى ستكون ضعيفة، كما حدث مع عصبة الأمم، وفي الوقت نفسه كانوا يدركون أن هذه القوى لن تقبل الدخول في منظمة يمكن أن تتخذ قرارات عسكرية أو عقابية تضر بمصالحها أو مصالح حلفائها.
وقد نشأت الأمم المتحدة من رحم الحرب العالمية الثانية، حيث جاءت الدعوة إليها أساساً من دول الحلفاء الكبرى: الولايات المتحدة، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي، والصين. وكان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت من أبرز من دفعوا باتجاه إنشاء منظمة دولية جديدة بعد الحرب، وقد استخدم تعبير “الأمم المتحدة” خلال الحرب للدلالة على الدول المتحالفة ضد دول المحور، ثم تطورت الفكرة عبر سلسلة من المؤتمرات واللقاءات الدولية: من الميثاق الأطلسي عام 1941، إلى إعلان الأمم المتحدة عام 1942، ثم مؤتمر طهران عام 1943، ومحادثات دمبارتون أوكس عام 1944، ومؤتمر يالطا عام 1945، وصولاً إلى مؤتمر سان فرانسيسكو الذي أُقر فيه ميثاق الأمم المتحدة.
كان مؤتمر طهران، الذي عُقد في إيران في 1943، أول اجتماع مباشر بين القادة الثلاثة الكبار: روزفلت، وتشرشل، وستالين، وكان موضوعه الأساسي تنسيق الحرب ضد ألمانيا النازية، وخصوصاً بهدف فتح جبهة غربية ثانية في أوروبا لتخفيف الضغط عن الاتحاد السوفيتي، وقد مهد هذا المؤتمر لما سيأتي لاحقاً، لكنه لم يحسم شكل المنظمة الدولية الجديدة بشكل تفصيلي.

وقد جاءت محادثات دمبارتون أوكس في واشنطن عام 1944 لتضع الهيكل الأول للأمم المتحدة، وفي هذه المحادثات صيغت فكرة وجود جمعية عامة تضم كل الدول الأعضاء، ومجلس أمن صغير يكون مسؤولاً عن حفظ السلم والأمن، ومحكمة دولية، ومجلس اقتصادي واجتماعي، وأمانة عامة.
غير أن دمبارتون أوكس لم يحسم مسألة التصويت في مجلس الأمن، وكانت هذه هي العقدة الكبرى، فإذا كان مجلس الأمن سيملك سلطة حقيقية في قضايا الحرب والسلم، فكيف ستُتخذ قراراته؟ وهل يمكن أن تُجبر دولة كبرى على قبول قرار ضد إرادتها؟ هنا جاء مؤتمر يالطا، الذي عُقد في 1945 في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي آنذاك، ليحسم هذه المسألة.
في يالطا، اجتمع روزفلت وتشرشل وستالين، واتفقوا على صيغة التصويت في مجلس الأمن، على أن تكون للدول الدائمة العضوية قدرة على منع القرارات الموضوعية، وهو ما أصبح لاحقاً معروفاً باسم حق النقض أو الفيتو، رغم عدم ذكر لفظه رسمياً في ميثاق الأمم المتحدة.

كان مؤتمر يالطا منعقداً أثناء الحرب العالمية الثانية، لا بعدها، ففي فبراير 1945 لم تكن ألمانيا قد استسلمت بعد، لكنها كانت قريبة من الهزيمة، وكان الجيش السوفيتي يتقدم من الشرق، والقوات الأمريكية والبريطانية من الغرب، وأصبح السؤال الأساسي ليس فقط: كيف ننتصر؟ بل: كيف سننظم العالم بعد الانتصار؟
لذلك ناقش المؤتمر قضايا كبرى مثل مصير ألمانيا، وتقسيمها إلى مناطق احتلال، ومستقبل بولندا وأوروبا الشرقية، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، وإنشاء الأمم المتحدة، وصيغة التصويت في مجلس الأمن.
وبعد يالطا جاء مؤتمر سان فرانسيسكو، الذي عُقد في منتصف 1945، وشاركت فيه خمسون دولة، ثم أصبحت بولندا لاحقاً الدولة المؤسسة الحادية والخمسين، وفي هذا المؤتمر وُضع ميثاق الأمم المتحدة، وجرى تحويل التفاهمات السياسية السابقة إلى وثيقة قانونية دولية، ووُقع عليه، ثم دخل لاحقاً حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، وهو اليوم الذي يُعد رسمياً يوم الأمم المتحدة.
في قلب هذا الميثاق جاء مجلس الأمن، وقد مُنح، وفقاً له، المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وقد تألف في البداية من 11 عضواً: خمسة دائمين وستة غير دائمين، ثم زيد عدد الأعضاء غير الدائمين عام 1965، فأصبح المجلس يتكون من 15 عضواً: خمسة دائمين وعشرة غير دائمين.
الأعضاء الدائمون هم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي الذي ورثت روسيا مقعده لاحقاً، وجمهورية الصين (تايوان) التي أخذت جمهورية الصين الشعبية دورها فيما بعد، أما الأعضاء غير الدائمين فتنتخبهم الجمعية العامة لمدة سنتين، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل ومساهمة الدول في حفظ السلم والأمن.

حق النقض لا يرد في ميثاق الأمم المتحدة باسم “الفيتو” صراحة، بل يظهر من خلال صيغة التصويت، فقرارات مجلس الأمن في المسائل الموضوعية تحتاج إلى تسعة أصوات مؤيدة من أصل خمسة عشر، بشرط ألا يعترض أي عضو دائم، بمعنى آخر، إذا صوتت دولة دائمة ضد مشروع قرار موضوعي، يسقط القرار حتى لو أيده معظم أعضاء المجلس، أما الامتناع عن التصويت من دولة دائمة فلا يُعد فيتو، ولهذا مُرِرت قرارات كثيرة رغم امتناع بعض الدول الدائمة عن التصويت.
وقد مُنحت الدول الخمس الدائمة حق النقض لأنها كانت القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ولأن واضعي النظام الجديد رأوا أن السلام الدولي لا يمكن الحفاظ عليه إذا كانت هذه القوى خارج المنظمة أو معادية لها، فالفيتو كان صفقة سياسية، بحيث تقبل الدول الكبرى الدخول في النظام الدولي الجديد، شريطة أن لا يستطيع مجلس الأمن اتخاذ قرارات خطيرة ضد مصالحها الحيوية من دون موافقتها.
ولهذا، لو أصرت الولايات المتحدة مثلاً على أن يكون حق النقض لها وحدها، فمن المرجح أن الاتحاد السوفيتي وبقية القوى الكبرى ما كانوا سيقبلون بقيام منظمة كهذه، وربما كانت الأمم المتحدة ستفشل قبل أن تبدأ، أو ستصبح منظمة أمريكية لا عالمية.
ومن المهم هنا أن نفهم لماذا كانت الصين ضمن الأعضاء الدائمين منذ البداية، رغم أنها لم تكن في ذلك الوقت قوة صناعية متقدمة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي، فالمقصود بالصين عام 1945 كان جمهورية الصين بقيادة تشيانغ كاي شيك فيما يعرف بجزيرة تايوان، لا جمهورية الصين الشعبية التي تأسست عام 1949 وعاصمتها بكين.
وقد مُنحت جمهورية الصين المقعد الدائم لأنها كانت من الحلفاء الكبار ضد اليابان، ولأنها عانت طويلاً من العدوان الياباني، ولأن روزفلت أراد تمثيل آسيا ضمن النظام الدولي الجديد، ثم تغير تمثيل الصين عام 1971، عندما اعترفت الأمم المتحدة بجمهورية الصين الشعبية ممثلًا شرعيًا للصين، وانتقل مقعد الصين من حكومة تايوان إلى بكين في قرار الجمعية العامة الفارق تاريخيا، والمعروف بالقرار رقم 2758 الصادر في الدورة (26) بعنوان إقرار الحقوق المشروعة لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة، الذي اعتمدته الجمعية العامة بأغلبية: 76 مؤيداً، و35 معارضاً، و17 ممتنعاً، و3 لم يصوتوا.
كانت فرحة ممثلي جمهورية الصين الشعبية بهذا القرار ومؤيديها من الدول الأفريقية ودول الكتلة الشيوعية مجلجلة.

وقد حاولت الولايات المتحدة بكل ما أوتيت من نفوذ وحلفاء بقيادة سفيرها آنذاك في الأمم المتحدة الشاب جورج بوش أن تعرقل لصالح حليفتها جمهورية الصين (تايوان - قرابة 15 مليون نسمة) الاعتراف بممثلي جمهورية الصين الشعبية البالغ تعدادها آنذاك حوالي 840 مليون نسمة، وقد دأبت قبل ذلك لأكثر من اثنين وعشرين عاماً على عدم الاعتراف بها.
والسبب في عدم تمكن الولايات المتحدة من استخدام حق النقض ضد هذا الاعتراف، أنه ببساطة يُعدّ قراراً من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس من اختصاص مجلس الأمن، فلا علاقة له بحرب أو صراع عسكري، بل بتمثيل دولة من خلال كيان بدلاً من كيان آخر.
ووفقاً لموقع الأمم المتحدة، فالدول التي صوتت مع القرار كانت معظم الدول العربية والأفريقية والإسلامية والدول الاشتراكية والشيوعية، مثل: الجزائر، ومصر، والعراق، أيرلندا، والكويت، وليبيا، وماليزيا، وسوريا، وتونس، وتركيا، والاتحاد السوفيتي، إلخ...
ومن الدول الـ 35 التي صوتت ضد القرار: الولايات المتحدة، وأستراليا، ونيوزيلندا، والفلبين، والسعودية، وجنوب أفريقيا، وفنزويلا.
ومن الدول الـ 17 التي بقيت على الحياد وامتنعت عن التصويت: البحرين، وقطر، واليونان، وإندونيسيا، والأردن، ولبنان، ولوكسمبورغ، وموريشيوس، وإسبانيا، وتايلاند.
أما الدول الـ 3 التي لم تحضر التصويت أصلاً فهي: جمهورية الصين (تايوان)، التي انسحبت اعتراضاً على طرح القرار للتصويت، والمالديف، وسلطنة عُمان.
الغريب أن المملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل صوتت لصالح قرار الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية في انشقاق صريح عن التوجه الأمريكي، والمبرر أن قوة وحجم ونفوذ وأسواق جمهورية الصين الشعبية أمر واقع لا يقارن بجزيرة صغيرة مثل تايوان، فلا داع للصدام مع هذه القوة الكبيرة الصاعدة عاجلاً أم آجلاً.
وحتى بعد اعتراف الأمم المتحدة بجمهورية الصين الشعبية في عام 1971، مرت أكثر من 7 سنوات أخرى قبل أن تضطر الولايات المتحدة للاعتراف بها في عهد الرئيس جيمي كارتر في عام 1979، بل والاعتراف صراحة على لسانه بأن تايوان جزء من جمهورية الصين الشعبية .
أما فرنسا، فقد كان وضعها مختلفاً، فهي لم تتأخر قانونياً في دخول مجلس الأمن، بل أصبحت عضواً دائماً منذ تأسيسه، لكن إدخالها في تصور القوى الكبرى تأخر نسبيا، لأنها كانت قد هُزمت واحتُلت من ألمانيا عام 1940، وكانت سلطتها السياسية منقسمة بين حكومة فيشي وفرنسا الحرة بقيادة ديغول.
في البداية كان تصور روزفلت يقوم على ما عرف بالشرطة الأربعة: الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين، ثم أُدخلت فرنسا لتكون العضو الدائم الخامس، لأسباب تتعلق بإعادة التوازن الأوروبي، ومنح فرنسا موقعاً في نظام ما بعد الحرب، ومكافأة فرنسا الحرة والمقاومة الفرنسية.

أما الدول غير الدائمة في مجلس الأمن، فهي لا تملك حق النقض، لكنها تتمتع بحقوق مهمة مقارنة ببقية أعضاء الأمم المتحدة، فهي تجلس داخل المجلس، وتشارك في النقاش، وتصوت على القرارات، وتشارك في صياغة النصوص، وقد ترأس المجلس لمدة شهر وفق نظام الرئاسة الدورية.
كما تشارك في اللجان التابعة للمجلس، مثل لجان العقوبات ومكافحة الإرهاب، ومع ذلك تبقى مختلفة عن الدول الدائمة في نقطتين أساسيتين: عضويتها مؤقتة لمدة سنتين، ولا تملك حق النقض.
وعن كيفية اختيار أعضاء مجلس الأمن العشرة غير الدائمين، تقوم الجمعية العامة بانتخاب خمس دول جديدة غير دائمة في مجلس الأمن كل عامين لتحل محل خمس دول انتهت عضويتها، وتُراعى في ذلك المجموعات الجغرافية: أفريقيا، آسيا والمحيط الهادئ، أميركا اللاتينية والكاريبي، أوروبا الغربية ودول أخرى، وأوروبا الشرقية، ويحتاج المرشح إلى أغلبية الثلثين في الجمعية العامة، وبهذه الطريقة يحصل مجلس الأمن على تمثيل أوسع من الدول الدائمة، لكنه يبقى خاضعاً في القرارات الحاسمة لإرادة الدول الخمس الكبرى.
ومما تأتي به الرياح ولا تشتهيه السفن أن تحديداً الألمانية أنالينا بيربوك المؤيدة بفخر سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لإسرائيل لم تجد مفراً من أن تعلن خسارة بلدها لمقعدها شبه الدوري في مجلس الأمن كعضو غير دائم، وذلك أثناء اعتلائها منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة كرئيس لدورتها الثمانين، بين 9 سبتمبر 2025 و8 سبتمبر 2026.
من جانبه، لم يكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أقل حماساً من مواطنته بيربوك في دعم هذه الدولة الشرق أوسطية، واعتبر أن هذه الخسارة الدولية في مجلس الأمن ثمناً لموقف ألمانيا الذي لن يفتر أو ينقطع في دعم إسرائيل إضافة إلى أوكرانيا.
من الناحية النظرية، وُضع حق النقض لمنع الصدام المباشر بين القوى الكبرى، فإذا حاول مجلس الأمن اتخاذ قرار عسكري أو عقابي ضد دولة كبرى، فإن هذه الدولة ستستخدم الفيتو بدل أن تنسحب من المنظمة أو تدخل في مواجهة مباشرة معها. بهذا المعنى، كان الفيتو أداة لمنع انهيار النظام الدولي، لا مجرد امتياز، لكنه من الناحية العملية أصبح سبباً رئيسياً في شلل مجلس الأمن في قضايا كثيرة، خصوصاً عندما يكون النزاع مرتبطًا بمصالح إحدى الدول الدائمة أو حلفائها.
وكما نقضت الولايات المتحدة عشرات مشاريع القرارات التي تدين حليفتها إسرائيل، نقضت الصين وروسيا مشروع قرار أيدته أغلبية الأعضاء، تقدم به وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، يدعو إلى بذل جهود منسقة لحماية طرق الشحن العالمية، لكن موسكو وبكين وصفتاه بأنه متحيز ضد طهران، وانتقدت الولايات المتحدة حق النقض ووصفته بأنه "انحدار جديد"، محذرة من أن تصرفات إيران تهدد التجارة العالمية وطرق الإمداد الإنساني.

ولهذا يُنظر إلى حق النقض بطريقتين متعارضتين، فالمدافعون عنه يقولون إنه يحافظ على واقعية النظام الدولي، لأن القوى الكبرى هي التي تملك القدرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الكبرى، ولا يمكن فرض قرارات مصيرية عليها من دون موافقتها.
أما منتقدوه فيرون أنه يمنح خمس دول امتيازاً غير ديمقراطي، ويجعل العدالة الدولية خاضعة لمصالح القوى الكبرى، ويعطل مجلس الأمن في أزمات إنسانية وسياسية خطيرة.
وتتضح هذه الإشكالية أكثر إذا قارنا بين مجلس الأمن والجمعية العامة، فالجمعية العامة تضم كل الدول الأعضاء، ولكل دولة صوت واحد، لكنها في أغلب القضايا تصدر توصيات غير ملزمة.
أما مجلس الأمن فأصغر، وقراراته يمكن أن تكون ملزمة، خصوصاً في قضايا السلم والأمن والعقوبات واستخدام القوة العسكرية، لذلك يصبح الفيتو شديد الأهمية، لأنه لا يعطل مجرد بيان سياسي، بل قد يعطل قراراً ملزماً كان يمكن أن يفرض عقوبات أو ينشئ بعثة حفظ سلام أو يسمح باستخدام القوة.
تاريخياً، ووفقاً لنمو عُضوية الأمم المتحدة لم تكن كل دول العالم حاضرة في هذه المنظمة الدولية منذ البداية، فالأعضاء المؤسسون كانوا 51 دولة فقط، ولم تنضم بقية الدول مباشرة لأن كثيراً منها لم يكن مستقلاً أصلاً عام 1945، بل كان تحت الاستعمار أو الحماية الأجنبية، كما أن دول المحور المهزومة، مثل ألمانيا واليابان وإيطاليا، لم تنضم فوراً، ثم توسعت عضوية الأمم المتحدة مع موجات الاستقلال في آسيا وأفريقيا والعالم العربي.
ومن الأمثلة على ذلك قطر التي لم تكن من الدول المؤسسة للأمم المتحدة في عام 1945، لأنها لم تكن دولة مستقلة بعد، فقد كانت تحت الحماية البريطانية بموجب ترتيبات بين البلدين، لذلك لم يكن لها تمثيل دولي مستقل يسمح لها بحضور مؤتمر سان فرانسيسكو أو التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة.
لكن عندما استقلت قطر في 3 سبتمبر 1971، انضمت مباشرة إلى الأمم المتحدة في 22 من الشهر نفسه، وهو بالمناسبة، العام نفسه الذي انضمت فيه أيضاً الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وبوتان، وسلطنة عُمان إلى الأمم المتحدة.
هذا النمو المطرد في عدد أعضاء الأمم المتحدة يوضح أن عدم وجود دول كثيرة في عام 1945 لم يكن لأنها رفضت المنظمة، بل لأنها لم تكن تملك بعد الاستقلال القانوني الكامل.
يكشف تاريخ حق النقض أيضاً أن الأمم المتحدة لم تنشأ بوصفها نظاماً مثالياً قائماً على المساواة المطلقة، بل بوصفها تسوية بين المبدأ والواقع، المبدأ هو المساواة بين الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحفظ السلم العالمي، أما الواقع فهو أن القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية صممت المنظمة بطريقة تضمن نفوذها واستمرار مشاركتها.
لذلك جاءت الجمعية العامة لتعبر عن مبدأ المساواة، وجاء مجلس الأمن ليعبر عن مبدأ القوة والمسؤولية الخاصة بالدول الكبرى.
لقد كان حق النقض ثمرة مباشرة للحظة تاريخية محددة، نهاية الحرب العالمية الثانية، وخوف العالم من حرب عالمية ثالثة، ورغبة القوى الكبرى في إنشاء نظام يمنع الصدام بينها، لكنه بعد مرور عقود أصبح موضع مساءلة متزايدة، فالعالم تغير كثيراً منذ 1945، فانتهى الاستعمار، وظهرت عشرات الدول الجديدة، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وصعدت قوى اقتصادية وسياسية كبرى مثل الهند والبرازيل وألمانيا واليابان، وتغير وزن أفريقيا وآسيا في النظام الدولي، ومع ذلك بقي هيكل مجلس الأمن كما هو تقريباً، وبقيت الدول الخمس نفسها تملك حق النقض.
لهذا تُطرح باستمرار دعوات لإصلاح مجلس الأمن، فبعض الدول تطالب بتوسيع عدد الأعضاء الدائمين ليشمل قوى جديدة مثل ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، وربما تمثيلاً دائماً لأفريقيا، وهناك من يطالب بتقييد استخدام الفيتو في حالات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الكبرى، وهناك من يطالب بإلغائه نهائياً، لكن هذا المطلب يصطدم بحقيقة أن تعديل الميثاق يحتاج إلى موافقة الدول الدائمة نفسها، أي إن الدول التي تملك الفيتو يجب أن توافق على تقليصه أو إلغائه، وهذا أمر شديد الصعوبة.
من المفارقات أن حق النقض، الذي أُنشئ لتجنب فشل الأمم المتحدة، أصبح في أحيان كثيرة سبباً في اتهامها بالفشل، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أحد أسباب استمرار المنظمة؛ لأنه أبقى القوى الكبرى داخلها، حتى في ذروة الحرب الباردة، عندما كان العالم منقسماً بين المعسكر الأمريكي والمعسكر السوفيتي، ولو لم يكن الفيتو موجوداً، لربما انسحبت إحدى القوى الكبرى من المنظمة عند أول صدام كبير، كما حدث سابقاً مع عصبة الأمم التي فقدت شرعيتها وقدرتها على التأثير وانسحبت منها ألمانيا النازية وطُرد منها الاتحاد السوفيتي، وتتابعت الدول المنسحبة منها ككيان لا يقدم ولا يؤخر.
التدافع بين البشر سنة ربانية، ولا مجال لحق بدون قوة تحميه.
يقول الله تعالى في سورة البقرة: "...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"
ورغم استراتيجية الدفاع الوطني 2026 التي يتبناها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، والتي من أعراضها كما ورد في مقال لكانيتا آير، نُشر في أبريل 2026 على موقع (سي إن إن) بعنوان التسجيل التلقائي في التجنيد العسكري يدخل حيّز التنفيذ في ديسمبر أنه ابتداء من ديسمبر 2026، سيبدأ النظام الأمريكي بتسجيل الرجال المؤهلين تلقائياً في نظام الخدمة الانتقائية، أي في قاعدة بيانات التجنيد العسكري الاحتياطي، من الذكور في الفئة العمرية من 18 إلى 25 عاماً.
لكن ترامب الذي يصول ويجول في كل وقت وحين، لا يستطيع أن يجيب على سؤال بسيط موجه له على قناة تلفزيونية أمريكية، حول ما إذا كان سيتدخل للدفاع عن حليفته المقربة تايوان، إذا ما تعرضت لهجوم من قِبل جمهورية الصين الشعبية التي تتحرش بها عسكرياً منذ سنوات؟
هنا، لا نسمع من ترامب تهديداً، بل لا نسمع إجابة أصلاً، فلا هو يدلي بنعم، خشية أن تستفز إجابته الصين، إن هو أعلن وقوفه مع تايوان، ولا هو يدلي بلا، خشية أن يُتهم بخذلان حليفته تايوان، إن هو أعلن عدم تدخله، فلا يجد أمامه ملاذاً من هذا السؤال إلا الصمت بحجة السر الأعظم، لعمري إنها قوة الخصم، لا السر الأعظم، لا بارك الله في الضعف.
وبين النقد والنقض تراوح الأمم المتحدة مكانها منذ عقود، إذ يمكن للشعوب المستضعفة أن تمارس حق النقد كما تشاء، لكن أي نقاش أو تنظير عن الإنسانية والعدل والمساواة بين البشر من دون قوة تسانده، لن يرى النور، تماماً مثل وثائق مجلس الأمن المحبوسة في الأدراج بعد أن عطلتها يد من هنا ويد من هناك، تستأثر بحق النقض.
ولا مفر من أن تتغلب هذه الشعوب على عوامل ضعفها وتستجمع قواها، لأن بقية الدول لا تقدم مساعدات، وإن فعلت فهي ليست مجانية.





