في حلقة جديدة من بودكاست نماء الذي تنتجه إدارة شؤون الزكاة في دولة قطر، استضاف السيد أحمد الجناحي الاستشاري الأسري خالد محمد بوموزة للحديث عن تصاعد ظاهرة الديون الاستهلاكية، ولماذا أصبحت قضية ملحّة تستدعي النقاش العام.
تشير معطيات حديثة إلى أن حجم الديون الاستهلاكية في دولة قطر بلغ نحو 159 مليار ريال قطري خلال عام 2024، وهو رقم كبير بالنظر إلى عدد السكان وحجم الاقتصاد، ويعكس نمطاً متزايداً من الاعتماد على القروض لتغطية نفقات الحياة اليومية وليس فقط الاحتياجات الأساسية.
هذا التصاعد لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الدولة، حيث ارتفعت مستويات المعيشة وتوسعت أنماط الاستهلاك، بالتوازي مع سهولة الوصول إلى التمويل البنكي.
فما الذي يدفع الأفراد، وخاصة الشباب، إلى الوقوع في فخ الديون؟
يوضح بوموزة أن أحد أبرز الأسباب هو غياب الوعي المالي، حيث لا يمتلك كثير من الأفراد المهارات الأساسية لإدارة دخلهم وتحديد أولوياتهم، ويظهر ذلك في الميل إلى الإنفاق على الكماليات قبل الضروريات، وفي اتخاذ قرارات مالية مبنية على الرغبة اللحظية أو التأثر بالمحيط الاجتماعي، بدلًا من التخطيط طويل الأمد.
كما تلعب الضغوط الاجتماعية دوراً كبيراً، إذ يسعى البعض إلى مجاراة أنماط حياة معينة، حتى لو كانت تفوق إمكاناتهم الحقيقية.
وهو ما يُعبَر عنه بالتعبير القرآني البليغ الطمس المالي الوارد في دعاء نبي الله موسى عليه السلام على فرعون في قوله تعالى من سورة يونس "وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"
وقد أكد الحوار على أن المشكلة لا ترتبط دائماً بانخفاض الدخل، بل في كثير من الأحيان بسوء إدارته، فقد يكون لدى الفرد دخل مرتفع نسبياً، لكنه ينفقه بالكامل أو يتجاوزه عبر القروض، دون أن يخصص جزءاً للادخار أو الاستثمار.
هذه الحالة توصف بما يُعرف بلطمس المالي، أي وجود المال دون تحقيق منفعة حقيقية منه، إما بسبب سوء التخطيط أو بسبب الإنفاق غير الرشيد، وهوما بات نمطاً شائعاً بين فئات واسعة حالياً، خاصة في ظل غياب ثقافة مالية راسخة، فيفقد المال وظيفته الأساسية كوسيلة لتحقيق الاستقرار والحياة الكريمة، ليصبح مجرد مورد يُستهلك دون عائد.
ويأخذ هذا المفهوم شكلين رئيسيين: الأول أن يكون لدى الفرد دخل جيد، لكنه لا يستطيع الادخار أو الاستثمار، والثاني أن ينفق المال في أمور لا تحقق له أي قيمة مضافة، مثل الإفراط في الاستهلاك أو الترف المبالغ فيه، لتكون النتيجة في الحالتين واحدة، واستنزاف الموارد دون بناء مستقبل مالي مستقر.
لكن كيف يمكن التمييز بين الضروريات والكماليات في الإنفاق؟ يوضح بوموزة أن الضروريات تشمل النفقات الأساسية مثل السكن، والغذاء، والتعليم، والعلاج، بينما تندرج الكماليات تحت كل ما يمكن الاستغناء عنه أو تأجيله دون تأثير مباشر على مستوى جودة الحياة.
غير أن الإشكالية تكمن في أن كثيراً من الأفراد يخلطون بين النوعين، فيعتبرون بعض الكماليات ضرورية، مثل السفر الترفيهي أو تناول الطعام خارج المنزل بشكل متكرر، وهذا الخلط يؤدي إلى تضخم النفقات، ومن ثم اللجوء إلى الاقتراض غير المنطقي لتغطيتها.
كذلك يلعب نمط الحياة المعاصر من وجهة نظر الضيف دوراً كبيراً في تعزيز ثقافة الاستهلاك، حيث تتوفر خيارات متعددة للإنفاق، من المطاعم إلى التسوق الإلكتروني، ما يجعل من السهل تجاوز الميزانية دون شعور مباشر، هنا يتحول الاعتماد المفرط على المطاعم مثلاً إلى سبب رئيسي يمكن أن يستنزف جزءاً كبيراً من الدخل، في حين أن البدائل المنزلية أقل تكلفة بكثير، ناهيك عن أن الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي تسهم في خلق رغبات استهلاكية مفتعلة.
لا ينظر بوموزة إلى الديون نظرة سلبية مطلقة، بل يميز بين الديون الاستهلاكية والديون الاستثمارية، فالديون الاستهلاكية، التي تُستخدم لتغطية نفقات غير منتجة، غالباً ما تكون عبئاً مالياً، بينما يمكن للديون الاستثمارية أن تكون أداة مفيدة إذا استُخدمت لتمويل مشاريع أو تعليم أو أصول مُدرة للدخل، ويُعد الاستثمار في التعليم من أبرز الأمثلة على الديون المفيدة، لأنه يفتح آفاقاً لزيادة الدخل مستقبلاً.
وعن مفهوم الادخار العكسي الذي طرحه الضيف، يقول إنه أسلوب مالي يقوم على الحصول على قرض يعادل قيمة الادخار المتوقع خلال فترة زمنية معينة، ثم استثماره دفعة واحدة لتحقيق عائد أعلى، هنا تقوم الفكرة الأساسية على تسريع عملية الاستثمار بدلاً من الانتظار لسنوات من الادخار التدريجي، لكنها تتطلب وعياً مالياً عالياً وقدرة على إدارة المخاطر، لذلك يتسم هذا الأسلوب بأنه قد يكون مفيداً في حالات محددة، لكنه ليس مناسباً للجميع.
وعن ما هي الحدود الآمنة للاقتراض، ينصح ضيف البودكاست بعدم تجاوزه نسبة 35% من الدخل الشهري في الأقساط، لضمان القدرة على تغطية النفقات الأساسية دون ضغط مالي، أما إذا تجاوزت النسبة 50%، فإن ذلك يُعد مؤشراً خطيراً على احتمالية الوقوع في أزمة مالية، لذلك يُوصي بتخصيص نحو 65% من الدخل للنفقات الأساسية، وترك الباقي للادخار والاستثمار.
يرى بوموزة أن الزكاة تُعد أحد الأدوات الاجتماعية المهمة في دعم الأفراد المتعثرين مالياً، خاصة فئة الغارمين، وهم الذين اقترضوا لأسباب مشروعة ثم عجزوا عن السداد، ويؤكد على أن توجيه جزء من أموال الزكاة لهذه الفئة يمكن أن يُخفف من حدة الأزمة، شريطة التحقق من أن الدين ناتج عن ضرورة حقيقية وليس عن إنفاق استهلاكي غير مبرر، كما يشير إلى أن تحسين آليات جمع وتوزيع الزكاة يمكن أن يعزز من فعاليتها.
كذلك تؤثر الثقافة المجتمعية بشكل مباشر في قرارات الأفراد، حيث تحدد ما يُعتبر مقبولاً أو مرغوباً من أنماط الحياة، وفي بعض الحالات، تفرض هذه الثقافة معايير مرتفعة للإنفاق، مثل إقامة حفلات باهظة أو اقتناء سلع فاخرة، ما يدفع الأفراد إلى الاقتراض لتلبية هذه التوقعات، لذلك يتطلب تغيير هذه الثقافة جهوداً توعوية مستمرة.
ويطرح بوموزة النموذج الياباني كمثال بارز، الذي يعتمد على نظام يُعرف بـ”كاكيبو”، حيث يقوم بتسجيل المصروفات اليومية بدقة متناهية، مما يساعد الأفراد على فهم أنماط إنفاقهم وتقليل الكماليات، ويُظهر هذا النموذج الوعي المالي على أنه ليس مسألة دخل فقط، بل هو نتيجة لتربية وثقافة تبدأ منذ الصغر، كما أن البساطة في نمط الحياة تُعد عنصراً أساسياً في هذا النموذج.
وللخروج من الديون ينصح بوموزة بزيادة قيمة الأقساط الشهرية تدريجياً لتقليل مدة السداد، واستغلال أي زيادة في الدخل لتسديد الدين بدلاً من رفع مستوى الإنفاق، كما يُوصي بتنويع مصادر الدخل، وتقليل النفقات غير الضرورية، واللجوء إلى استشارات مالية متخصصة لوضع خطة واضحة، ويؤكد على أن الالتزام بهذه الخطوات بشكل كامل هو مفتاح النجاح.
والأهم من سداد الديون عدم الوقوع فيها من الأصل، من خلال بناء ثقافة مالية قائمة على التوازن، حيث يتم توزيع الدخل بين الإنفاق والادخار والاستثمار بشكل مدروس، كما أن تسجيل المصروفات، ومراجعة العادات الاستهلاكية، وتحديد الأهداف المالية، كلها أدوات تساعد على تجنب الوقوع في فخ الديون، ويُعد التعليم المالي المبكر أحد أهم عناصر الوقاية.
ويرى بوموزة أن ظاهرة الديون الاستهلاكية تعكس تحولات أعمق في بنية المجتمع، يتزايد فيها الاعتماد على الاستهلاك كوسيلة لتحقيق الرضا الشخصي أو المكانة الاجتماعية، كما تكشف عن فجوة بين الإمكانات المتاحة والسلوك الفعلي في إدارتها، وهي فجوة يمكن معالجتها من خلال التوعية والتخطيط والسياسات الداعمة.
ويضيف أن التغيير ممكن، لكنه يتطلب تضافر جهود الأفراد والمؤسسات، فمع تعزيز الوعي المالي، وتحسين أدوات التخطيط، وتوفير الدعم للمحتاجين، يمكن تقليل الاعتماد على الديون، وبناء مجتمع أكثر استقراراً من الناحية الاقتصادية، ويبقى التحدي في تحويل هذا الوعي إلى سلوك يومي مستدام، يعيد للمال وظيفته الحقيقية كوسيلة لتحقيق الاستقرار، لا كمصدر للقلق.




