مجازر الصرب في البوسنة والهرسك
لا يزال شبح الإبادة الجماعية يطلّ برأسه على القارة الأوروبية حتى في العصر الحديث، وهو ما يتجلى في الإبادة الجماعية في جمهورية البوسنة والهرسك التي دمرتها في تسعينيات القرن العشرين.
في الماضي، تمكن جوزيف بروز تيتو، الذي كان رئيساً ليوغوسلافي بين عامي 1953 و1980 من احتواء هذه الصراعات، لكن بعد وفاته، فشل القادة اللاحقون في تعزيز أي إحساس بالهوية اليوغوسلافية الجماعية، ومع غياب هذا الإحساس بالوحدة، لم يمض وقت طويل حتى بدأ سكان يوغوسلافيا في التعرف على أنفسهم بشكل أساسي من خلال هوياتهم العرقية والدينية، وهو أمر جعل الاتحاد اليوغسلافي هشاً للغاية.
نتيجة لذلك، عندما انهارت يوغوسلافيا في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991 الذي كان مهيمناً على أوروبا الشرقية، لم يكن الانفصال سلساً، واندلع الصراع المسلح على الفور، حيث استمر من عام 1991 إلى عام 2001.
وقعت الإبادة الجماعية في سياق انهيار يوغوسلافيا والحروب العديدة التي اندلعت بين الأعضاء السابقين في هذه الدولة التي شملت صربيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو وكرواتيا ومقدونيا والجبل الأسود وسلوفينيا.
سُمح لمقدونيا بالمغادرة بسلام، لكن سلوفينيا وكرواتيا خاضتا حروباً من أجل الاستقلال عن يوغوسلافيا، أما صربيا، التي يسكنها غالبية من الصرب المسيحيين، فلم تكن مستعدة للسماح ليوغوسلافيا بالتفكك بالكامل.
حاولت صربيا إلى جانب الجبل الأسود أن يصبحا معاً الدولة التي تخلف يوغوسلافيا، وكان الصرب هم من يسيطرون على معظم السلطة في يوغوسلافيا ويشكلون غالبية الجيش اليوغوسلافي، ولم يكونوا يريدون دولاً مستقلة، بل أرادوا الاحتفاظ بأغلبيتهم وقوتهم.
لذلك برز القادة القوميون والعرقيون الذين استغلوا هذه الانقسامات لتعزيز سلطاتهم، مثل سلوبودان ميلوشيفيتش من صربيا، وفرانيو تودجمان من كرواتيا، ورادوفان كاراديتش من الأقلية الصربية في البوسنة، وقد تلاعب هؤلاء القادة بالهويات العرقية والدينية، وأعادوا كتابة السرديات التاريخية، وأثاروا المخاوف من ذلك الآخر ترسيخاً لسلطاتهم.
شكل المسلمون المعروفون بالبوشناق في جمهورية البوسنة والهرسك أكثر من نصف السكان، وشكلت الأقلية الصربية المسيحية الأرثوذكسية في البوسنة حوالي الثلث، أما الـ 17% المتبقية فكانوا من الكروات.
لوقت طويل، عاش الجميع جنباً إلى جنب بسلام نسبي، فقد كانت لديهم أيديولوجيا مشتركة، ألا وهي الشيوعية التي تبناها اتحاد يوغوسلافيا، لكن مع طموح هذه الكيانات إلى الاستقلال، لم يُرد أحد أن ينتهي به المطاف في دولة جديدة يسيطر عليها الطرف الآخر.
قابلت في سكن الجامعة أثناء دراستي في ألمانيا في تسعينيات القرن العشرين شاباً جزائرياً قص علي قصة غريبة، يقول إنه عندما ذهب للسياحة في يوغسلافيا قبل تفككها، فوجئ بوجود مآذن لعدة مساجد، وما أدهشه وأدهشني معه، أنه لم يلمح أي شيء آخر يشير إلى وجود مسلمين في هذا البلد، ثم علم من بعض الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون هناك قبل الحرب، أن كثير من الأباء البوسنيين المسلمين كانوا يرفضون تزويج بناتهم للطلبة العرب، ولا يجدون غضاضة في تزويج بناتهم المسلمات لجيرانهم المسيحيين من الصرب أو الكروات.
بعد استفتاء الاستقلال البوسني في عام 1992، الذي صوت فيه 99% لصالح الاستقلال، أعلنت جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها رسمياً في عام 1992، وهو ما اعترفت به كرواتيا على الفور.
أغضب هذا القرار الأقلية الصربية في البوسنة، الذين أعلنوا بدورهم استقلالهم عن الدولة الجديدة، وأسسوا جمهورية صرب البوسنة تحت قيادة رادوفان كاراديتش، وطلبوا المساعدة من حكومة يوغوسلافيا المركزية التي كانت لا تزال تحت سيطرة الصرب، ولم تتردد الحكومة في تلبية الطلب، وسرعان ما اندلعت الحرب رسمياً في العام نفسه، مما أدى اندلاع حرب البوسنة.
تحالف البوشناق مع الكروات ضد جيش يوغوسلافيا الشعبي، وجيش الأقلية الصربية في البوسنة، ثم وقعت بينهما صراعات مسلحة في بعض المناطق، وهو ما أُطلق عليه “حرب داخل حرب”.
بدأت عمليات الإبادة الجماعية الصربية ضد البوسنيين، حيث نُفذ عدد كبير من المجازر المنسقة على المستويين الرسمي والشعبي، منها على سبيل المثال، مجازر السوق المركزي في سراييفو، حيث قُصفت السوق المكتظة بالمدنيين مرتين في عام 1994 وفي عام 1995، مما أسفر عن مقتل العشرات وإصابة المئات.
كما وقعت مجازر أخرى، مثل مذبحة توزلا في عام 1995 التي استهدفت خلالها المدفعية الصربية ميدان كابيا المزدحم بالشباب، مما أسفر عن مقتل 71 شخصاً.
وقد ضربت القوات الصربية بين عامي 1992 و1996 حصاراً على سراييفو، عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك، هو الأطول في تاريخ الحروب الحديثة، راح ضحية له 12 ألف قتيل، وهُجّر أكثر من 40٪ من سكانها.
إلا أن هذه الجرائم، رغم وحشيتها، لم تكن سوى الجانب الأصغر من المجازر التي وقعت، حيث وقعت مجازر تطهير عرقي منظمة، مثل مذبحة فيلاسينيكا في عام 1992 التي أُجبر فيها جميع البوسنيين في البلدة إما على القتل أو التهجير، لتتحول المدينة من أكثر من 60% من البوسنيين إلى 100% من الصرب بحلول منتصف عام 1992.
وقد أقامت القوات الصربية معسكرات اغتصاب جماعي، تم فيه اغتصاب ما لا يقل عن 25 ألف امرأة بوسنية من مختلف الأعمار وبشكل متكرر، ولم يكن يُطلق سراحهن إلا عند الحمل، وتوجد العديد من تقارير الأمم المتحدة الموثقة التي أحصت ورصدت هذه الجريمة.
وقد ورد في أحد هذه التقارير أن “تلك الأفعال كانت مدبرة مسبقاً، ومنظمة بعناية، ومقصودة بهدف إهانة وإذلال المجموعة العرقية بأكملها، ولم تكن مجرد نتاج بيئة الحرب، فقد وقعت بعض أعمال العنف ضد كرامة النساء أمام أفراد عائلاتهن أو حتى أمام مجتمعاتهن المحلية”.
وفي مقال بعنوان العنف الجنسي في البوسنة ذكر أن “فتاة بوسنية تبلغ من العمر 18 عاماً كانت تتعافى في مستشفى توزلا بعد خضوعها لعملية إجهاض الليلة الماضية، بعد أن حملت نتيجة تعرضها لعمليات اغتصاب متعددة من قبل جنود صرب في معسكر للاغتصاب في بالي، المعقل الصربي خارج سراييف”.
يضيف المقال أن الفتاة “خلال عشرة أسابيع من الأسر، تعرضت للحرق بأعقاب السجائر، والتشويه بشفرة حلاقة، والإهانة المستمرة بسبب كونها مسلمة، وقد تم اغتصابها 16 مرة، غالباً تحت تهديد السكين أو السلاح، وتقول إنهم أخبروها بأن هناك عدداً كبيراً جداً من المسلمات، والكثير منهن سينجبن أطفالًا صرباً”.
أما أبشع الفظائع فقد وقعت في سريبرينيتسا التي لجأ عشرات الآلاف من البوسنيين هرباً إليها من المجازر، معتمدين على حماية قوات الأمم المتحدة لهم، لكن في يوليو 1995، اجتاحت القوات الصربية بقيادة راتكو ملاديتش المدينة، وأجبرت النساء والأطفال على ركوب الحافلات لتهجيرهم، بينما تم فصل الرجال والصبية عنهم الذين على مدار أيام متتالية، أُعدم منهم أكثر من 8000 رجل وصبي بوسني في مذابح جماعية منظمة، ودُفنت جثثهم في مقابر جماعية، ثم أُعيد نبشها لاحقاً ونقلها إلى مواقع أخرى لمحاولة إخفاء الأدلة.
حتى اليوم يطارد القوات الهولندية من قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة المعروفة بأصحاب الخوذ الزرقاء شبح تهمة التواطؤ مع القوات الصربية لإبادة البوسنيين المحتمين بهم في سريبرينيتسا.
كيف يقتل الإنسان أخاه الإنسان لمجرد أنه مختلف ولا يرمش له جفن؟
بل كيف يذهب في غيه إلى حد الفخر ببطولات كاذبة، يحمل عارها معه إلى قبره، ولا يغفرها له التاريخ؟
أي فكر شيطاني هذا الذي يعتنقه بعض البشر؟
لا ريب أنه لا أمل إلا في نشر فكر مضاد يستمد مرجعيته من قوة الحق، لا من حق القوة.
لا ريب أنه لا أمل إلا في نشر فكر مضاد يستمد مرجعيته من قوة الحق، لا من حق القوة.







