في لقاء تلفزيوني، كشف المحامي الشيخ الدكتور ثاني بن علي آل ثاني عضو لجنة قبول المحامين في قطر، عن محطات تاريخية مهمة في مسيرة تطور مهنة المحاماة في قطر، مسلطاً الضوء على أول من حمل راية المحاماة من القطريين.
بدأ آل ثاني القصة من عام 1971، حين صدر قانون إنشاء المحاكم العدلية، وتضمّن لأول مرة مواد تنظم قيد المحامين في الدولة، لكن الحاجة آنذاك دفعت للاستعانة بمحامين من خارج قطر، أُدرجوا فيما سُمّي بالجدول المؤقت.
وفي عام 1980، صدر القانون رقم (20) الخاص بمهنة المحاماة، والذي جاء أكثر تنظيماً ووضوحاً، حيث أنشأ جدولان: أحدهما للمحامين القطريين، والآخر للمحامين المؤقتين، وبهذا القانون، كُتب اسم الأستاذ علي بن ناصر النعيمي – رحمه الله – كأول محامٍ قطري يُقيد رسمياً، حاملا الرقم (1) في سجل المحامين القطريين، وليكون بذلك الرائد الذي مهد الطريق أمام غيره.
تبعه عدد من الأسماء البارزة التي ساهمت في ترسيخ قواعد المهنة، منهم الأستاذ علي بهزاد، والأستاذ سعد ناصر – رحمه الله – والأستاذ راشد النعيمي، مؤسس ورئيس جمعية المحامين السابق، إلى جانب نخبة من القضاة الذين انتقلوا من منصة القضاء إلى ساحات الدفاع، مثل الأستاذ يوسف الزمان، والأستاذ علي الخنجي.
وفي عام 1996، جاء القانون رقم (10) ليمنح المهنة دفعة جديدة من التنظيم والتوسع، واضعاً حداً للمرحلة الانتقالية التي اعتمدت فيها الدولة على الجدول المؤقت، بعدما ازداد عدد المحامين القطريين المؤهلين.
اليوم، تفخر قطر بوجود نخبة من المحامين والمحاميات المتميزين، من بينهم الأستاذة هيفاء الباكر، إحدى أوائل المحاميات القطريات اللواتي تم قيدهن في سجل المهنة.
وبذلك سجل محامو قطر رحلة مثابرة متواصلة نحو النهوض بشكل تدريجي.
قانون المحاكم العدلية رقم (13) لسنة 1971
في عام 1971، خطت قطر أولى خطواتها الجادة نحو بناء منظومة قضائية مدنية حديثة بإصدار قانون رقم (13) لسنة 1971 بنظام المحاكم العدلية الذي كان بمثابة حجر الأساس لتنظيم القضاء، وقد جاء في أحد عشر فصلاً واحتوى على 51 مادة رسمت ملامح العدالة في الدولة الناشئة آنذاك.
بدأ القانون بتحديد أنواع المحاكم التي ستتولى الفصل في المنازعات، فقُسمت إلى جزائية ومدنية، ولكل منهما محكمتان: صغرى وكبرى، بالإضافة إلى محكمة للعمل، ومحكمة استئناف تنظر في الطعون، ولم يُكتف بذلك، بل أُعطي لرئيس المحاكم العدلية صلاحية تشكيل دوائر متعددة بحسب الحاجة.
أما على صعيد الاختصاصات، فقد وُزعت القضايا بحسب نوعها وقيمتها المالية، فنص القانون على أن المحاكم المدنية الصغرى تنظر في الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها ثلاثين ألف ريال، بينما تختص الكبرى بما زاد على ذلك، في حين فُصلت القضايا الجزائية بحسب تصنيفها إلى مخالفات وجنح وجنايات، وحُدد لكل منها المحكمة المختصة.
وتحت سقف كل قاعة محكمة، كان لا بد من ترتيب واضح لمن يجلس على منصة القضاء، فحدد القانون عدد القضاة المطلوبين في كل محكمة، وكيفية إصدار الأحكام، وحتى أحقية القاضي في إدارة الجلسة وتوجيه الأسئلة، ولم يغفل أهمية تشكيل محكمة الاستئناف، فجعلها برئاسة رئيس المحاكم العدلية وعضوية قضاة من ذوي الخبرة.
ولأن النظام القضائي لا يكتمل دون ضمانات لاستقلالية القضاة، خصّص القانون فصلاً كاملاً لشروط تعيينهم، وربطها بالجنسية، والمؤهلات، والخبرة القانونية، وحسن السيرة، كما شدد على استقلال القاضي، وعدم جواز نقله أو إعفائه من منصبه دون مبرر.
تضمن قانون 1971 في فصله التاسع مواداً تحدد من يحق له الترافع أمام المحاكم، فقد نصت المادة (45) على أن حق الحضور عن الخصوم أمام المحاكم مقصور على المحامين دون غيرهم، مع السماح للمحكمة، كاستثناء، بأن تأذن لأشخاص آخرين – إذا رأت أنهم أقدر – لتمثيل المتقاضين.
أما المادة (46) فقد مهدت الطريق لتشريع مستقل ينظم مهنة المحاماة، حيث أكدت على أن القانون هو من يحدد الشروط الواجب توفرها فيمن يُسمح له بمزاولة المهنة، ويحدد حقوق المحامين وواجباتهم وطريقة تأديبهم.

قانون رقم (20) لسنة 1980 بتنظيم مهنة المحاماة
في عام 1980، شهدت مهنة المحاماة في قطر لحظة تحول كبيرة مع صدور قانون رقم (20) لسنة 1980 بتنظيم مهنة المحاماة، الذي شكّل أول إطار تشريعي شامل ينظم هذه المهنة الحيوية في البلاد.
لم يكن القانون الذي جاء في ثمانٍ وأربعين مادة موزعة على أربعة فصول مجرد نص قانوني، بل كان بمثابة إعلان عن دخول المحاماة مرحلة احترافية محمية بموجب القانون، ومقننة بوضوح غير مسبوق.
في فصله الأول، وضع القانون أسس قيد المحامين، وحدد من يحق له الانضمام إلى صفوف المهنة، وفق شروط دقيقة تحدد الجنسية، والمؤهلات العلمية، وسنوات التدريب والخبرة، ولم يعد من الممكن لأي شخص أن يترافع أو يُمثّل الغير أمام المحاكم ما لم يكن مقيداً في الجداول الرسمية للمحامين.
ثم انتقل إلى الفصل الثاني، حيث رسم ملامح أخلاقيات المحامي وواجباته، فالمهنة ليست مجرد دفاع في قاعة المحكمة، بل التزام بالشرف والسرية واحترام القانون والابتعاد عن أي سلوك يشين سمعة المهنة أو يُضعف ثقة الناس بها.
أما أتعاب المحامي، فقد أفرد لها القانون الفصل الثالث، محدداً طرق احتسابها، وحقوق المحامي في تحصيلها، وحتى إمكانية اللجوء إلى المحكمة لتقديرها إذا لم يوجد اتفاق، كما منح المحامي حق حبس المستندات لحين سداد الأتعاب، وأقر امتيازاً له على الأموال الناتجة عن القضية.
وفي الفصل الرابع والأخير من هذا القانون، وُضِع سيف المساءلة التأديبية فوق رأس كل من يخل بواجباته، من الإنذار إلى الشطب النهائي، ولم يدع القانون ثغرة للمخالفة تمر دون حساب، محدداً آلية التحقيق والتأديب، وحقوق الدفاع والطعن، لضمان مهنية عالية وانضباط صارم.

قانون رقم (10) لسنة 1996 بإصدار قانون المحاماة
في خطوة مفصلية على طريق تنظيم مهنة المحاماة، صدر في قطر قانون رقم (10) لسنة 1996 بإصدار قانون المحاماة، ليكون علامة فارقة في مسيرة التشريعات القانونية.
هذا القانون لم يأتِ فقط بديلاً عن قانون 1980، بل حمل معه رؤية متقدمة لمهنة أرادت الدولة أن تُؤسِّس لها هُوية واضحة واحترافية أكبر، وحيث أنه جاء في مرحلة تأسيسية، فقد اقتصر تركيزه على الإطار العام للمهنة من حيث القيد والواجبات والتأديب.
بينما توسع قانون 1996 وشدّد على التفاصيل التنظيمية، وبدأ أولاً بـإغلاق باب القيد في “الجدول المؤقت”، في محاولة لإنهاء مرحلة انتقالية كانت سائدة منذ الثمانينيات، كما ألزم المحامين القدامى بإعادة القيد وفقاً للشروط الجديدة، وأدخل لأول مرة نظام “المحامين تحت التدريب”، ليؤسس بذلك ممراً إجبارياً إلى المهنة لا يُمكن تجاوزه إلا بخبرة فعلية.
ولم يتوقف عند ذلك، فقد أعاد القانون الجديد تعريف مهنة المحاماة بوضوح بأنها مهنة حرة مستقلة، تشارك في تحقيق العدالة، وحدد بالتفصيل ما يُعدّ من أعمالها، من الحضور أمام المحاكم، إلى صياغة العقود، وتقديم الاستشارات القانونية.
وإدراكاً لحاجة البيئة القانونية إلى رقابة داخلية، أنشأ القانون لجنة قبول المحامين، وهي لجنة متعددة التخصصات يرأسها وزير العدل نفسه، لتتولى مهمة القيد، وإقرار جداول المحامين، والنظر في التظلمات، كما أوجد جدولاً لشركات المحاماة لأول مرة، وأعطى غطاءً قانونياً لتنظيم هذه الكيانات.
أما من ناحية الأدوار، فقد نظّم القانون الجديد العلاقة بين المحامي والموكل، وحدد واجبات دقيقة تشمل الحفاظ على سرية المهنة، وتجنب تعارض المصالح، وعدم الإعلان أو التسويق الذاتي، وحتى الرداء الرسمي للمحامي أصبحت له مواصفات خاصة تقررها اللجنة.
ربما الفارق الأبرز بين قانوني 1980 و1996 كان في مستوى الاحترافية والانضباط؛ فقد انتقل التشريع من كونه قانوناً للمهنة إلى كونه نظاماً مهنياً متكاملاً يحيط بالمحامي من يوم تدريبه إلى يوم تقاعده أو شطبه، ويحدد بدقة علاقة المحامي بالقضاء والمجتمع والجهات الرسمية.

قانون رقم (23) لسنة 2006 بإصدار قانون المحاماة
ومع دخول الألفية الجديدة، أصبح واضحاً أن هذا القانون قد مهد الطريق أمام قانون رقم (23) لسنة 2006 بإصدار قانون المحاماة، الذي بُنيّ على أسس قانون 1996 وأضاف مفاهيم أكثر حداثة في ضوء تطور المجتمع القانوني القطري.
أعاد القانون الجديد تعريف شروط القيد في جداول المحامين، فلم يعد الاكتفاء بالمؤهل القانوني كافياً، بل أضيفت اختبارات تحريرية ومقابلات شخصية لقياس مستوى الجدارة، وضُبطت درجات المحامين وفقاً لمحاكم المرافعة، فتم تقسيمهم إلى جداول خاصة بالمحاكم الابتدائية والاستئناف والتمييز، هذا التصنيف الدقيق ألغى مبدأ القيد المفتوح الذي كان معتمداً في قانون 1996، واستبدله بهيكلة تتيح التدرج المهني السليم.
كما أدخل القانون نقلة نوعية في نظام التدريب، حيث أصبح إلزامياً على المحامي تحت التدريب أن يجمع بين الجانب العملي داخل أحد المكاتب، والدراسة النظرية في مركز الدراسات القانونية والقضائية، مما يعزز من جودة المخرجات المهنية، ولم يغفل القانون عن دعم المحامي خلال هذه المرحلة، حيث تم النص على صرف مكافآت شهرية للمحامين المتدربين وفقاً لضوابط محددة.
وعلى صعيد المكاتب، أتاح القانون لأول مرة ترخيص مكاتب المحاماة العالمية ذات الخبرات المتخصصة، مانحاً إياها فرصة مزاولة المهنة داخل البلاد بشروط صارمة وضوابط واضحة، مما يعزز من التبادل القانوني الدولي ويغني السوق القانوني المحلي بتجارب متنوعة.
أما لجنة قبول المحامين، فقد أعيد تشكيلها لتضم قضاة وأعضاء نيابة ومحامين وأكاديميين، وأُنيطت بها اختصاصات واسعة في القيد والتصنيف والرقابة المهنية، في حين أُعيد تنظيم المساءلة التأديبية بشكل يضمن العدالة والشفافية، مع وضع مدد زمنية تُمحى عقبها العقوبات التأديبية في حال حسن السلوك.
وقد أصبح المحامي في ظل هذا القانون يتمتع بحصانات قانونية أوسع، تضمن له الحماية أثناء أداء مهامه، وتُجرّم التعدي عليه أثناء عمله، وتحمي مكتبه من الحجز والتفتيش إلا وفقاً لضوابط دقيقة، مما يعزز من استقلاليته وثقته في أداء دوره داخل المنظومة القضائية.

جمعية المحامين القطرية
أُسست جمعية المحامين القطرية كجمعية مهنية وفقاً لأحكام القانون رقم (12) لسنة 2004 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة، وقد حدد نظامها الأساسي أهدافها في متابعة شؤون المحامين، وتحسين المستوى المهني، وتنظيم الأنشطة الاجتماعية والثقافية.
وقد أوجدت الجمعية مظلة مؤسسية جمعت المحامين تحت كيان واحد، مما عزز من مكانتهم وأضفى طابعاً رسمياً منظماً على عملهم، في وقت كانت فيه المهنة تفتقر إلى جسم مهني يمثلها بصورة موحدة.
لعبت الجمعية دوراً محورياً في ترسيخ هُوية المحامي كشريك حقيقي في تحقيق العدالة، لا كمتقاضٍ عارضٍ أو صاحب مصلحة، وأصبحت منبراً للتعبير عن هموم المحامين ومشاكلهم اليومية، ووسيطاً فاعلاً بينهم وبين الجهات الحكومية والتشريعية، وهو ما انعكس على تحسين بيئة عملهم وتعزيز استقلاليتهم المهنية.
كما ساهمت الجمعية في بناء ثقافة قانونية جديدة داخل المجتمع القانوني نفسه، بعد أن شرَعت في تنظيم ندوات وفعاليات ومؤتمرات، وشجعت على إعداد الدراسات والأبحاث التي تعالج قضايا المهنة وتستشرف مستقبلها.
لم تقتصر الإضافة على الجانب المهني البحت، بل امتدت إلى تقديم خدمات اجتماعية وثقافية لأعضائها، ما عزز روح الانتماء والتعاون فيما بينهم.
ومن الناحية الأخلاقية، كانت الجمعية مرجعية في تحديد السلوك المهني للمحامي، فوضعت ضوابط صارمة تمنع التورط في مضاربات مالية أو أعمال سياسية، أو أي نشاط قد يسيء إلى كرامة المهنة.
الأثر الأهم للجمعية كان في قدرتها على تمكين المحامين الشباب، لا سيما أولئك الذين تحت التدريب، وتوفير بيئة داعمة لتطورهم المهني، مما ساعد في تخريج جيل قانوني أكثر تأهيلاً وانضباطاً.
كل هذه الأبعاد جعلت من جمعية المحامين القطرية أكثر من مجرد جمعية مهنية، بل باتت كياناً فاعلاً ومؤثراً في تشكيل حاضر ومستقبل المحاماة في البلاد.
يمكن وصف مهنة المحاماة في قطر بأنها مهنة ذات رسالة سامية تتجاوز حدود الوظيفة التقليدية، إذ أنها تمثل التزاماً أخلاقياً واجتماعياً، وتهدف إلى تحقيق العدالة وصون الحقوق وحماية الحريات، فالمحاماة ليست معزولة عن منظومة العدالة، بل تُعد جزءاً لا يتجزأ منها، وشريكاً فاعلًا إلى جانب القضاء، وليست خصماً أو طرفاً.
لا تقتصر المحاماة في قطر على الترافع أمام المحاكم فقط، بل تشمل تقديم الاستشارات القانونية، والمشاركة في إعداد التشريعات، وتعزيز الوعي القانوني في المجتمع، مما يجعلها مهنة ديناميكية متطورة، وهو ما أضفى عليها هيبة ومكانة رفيعة تعكس أهميتها في النظام القانوني والاجتماعي للدولة.
إن المحاماة في قطر اليوم تمثل ضمير العدالة ولسان القانون، بما تحمله من موقف نبيلة تنبض بالوعي والعقل والمسؤولية.