في غضون أسبوع واحد فقط، في منتصف يونيو 2026، هبطت في الولايات المتحدة طائرتان تقل كل واحدة منهما رجلاً مقيد اليدين بالأصفاد، وذلك بعد فترة هروب خارج البلاد.
الأول اسمه إبراهيم خلدون حلمي، رجل أعمال أمريكي من أصول عربية، مقيم في ولاية فلوريدا متهم بتدبير خطة احتيال بقيمة 3.7 مليار دولار عبر شركتي خدمات طبية، والثاني هربرت ليون كيمبل، المتهم بتحويل مركز اتصال في الفلبين إلى مكتب لعمليات احتيال في المجال الطبي تجاوزت قيمتها 1.2 مليار دولار.
الرجلان لا يعرف أحدهما الآخر، ولم تجمعهما شراكة إجرامية من قبل، لكن قصتهما تكشفان عمليات احتيال استهدفت نحو خمسة مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، عبر أحد أكثر البرامج الحكومية حساسية: التأمين الصحي لكبار السن والمعاقين المعروف باسم ميديكير.
يُعدَّ برنامج ميديكير وفقاً لمراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية الأمريكية برنامج التأمين الصحي الفيدرالي الرئيسي في الولايات المتحدة، ويُعد أحد أكبر برامج الرعاية الصحية الحكومية في العالم، وقد أُنشئ في 1965، عندما وقّع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون التشريع الذي أسس برنامجي ميدكير (Medicare) وميديكيد (Medicaid).
ويستهدف البرنامج بصورة أساسية الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر ممن يستوفون شروط الجنسية أو الإقامة، ولكن في عام 1972 توسعت دائرة المستفيدين لتشمل فئات من الأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بالفشل الكلوي في مراحله النهائية أو التصلب الجانبي الضموري.
بينما يُعدّ برنامج ميديكيد برنامجاً مشتركاً بين الحكومة الفيدرالية والولايات يستهدف أساساً فئات معينة من أصحاب الدخل المحدود.
ووفق أحدث بيانات مراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية الأمريكية المنشورة في 2026، وصل عدد المسجلين في برنامج ميديكير إلى نحو 70 مليون شخص، ونسبة من تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر تزيد عن 90% من مجموع المستفيدين.
ويُموَّل برنامج ميديكير من مصدرين ائتمانيين رئيسيين لدى وزارة الخزانة الأمريكية: من ضرائب الرواتب التي يدفعها الموظفون وأصحاب العمل والعاملون لحسابهم الخاص، وجزء آخر يُمول من الأموال التي يخصصها الكونغرس ومن أقساط المستفيدين، وقد بلغ إجمالي إنفاق ميدكير في عام 2024 أكثر من ألف ومئة مليار دولار.
بالعودة إلى قصتي احتيال الرجلين اللتين تعرض لهما برنامج ميديكير، فالقصتان مختلفتان تماماً في التفاصيل التقنية، لكنهما تتقاطعان في كل شيء آخر تقريباً: بداية من الأسلوب الذي تقدم فيه شركات ومعدات طبية فواتير وهمية لميديكر بأسماء مرضى لا يعرفون شيئاً عما يجري، والنهاية في القصتين هروب إلى الخارج، ثم مطاردة دولية، ثم عملية تسليم بالتنسيق بين حكومات مختلفة.
لماذا ميديكير تحديداً؟

قبل الدخول في تفاصيل القضيتين، يستحق هذا السؤال وقفة، لماذا يتكرر استهداف ميديكير تحديداً في قضايا احتيال بمليارات الدولارات؟
الإجابة تكمن في بنية البرنامج نفسه الذي يتسم بنظام فوترة ضخم مركزي يغطي عشرات ملايين المستفيدين، ويقبل مطالبات من مزودي خدمات ومعدات طبية مُسجلين، وغالباً ما تُصرف المدفوعات بسرعة نسبية بالمقارنة مع حجم التدقيق الفعلي على كل مطالبة على حدة.
هذا يعني أن من يملك شركة مُسجلة رسمياً، وقائمة مرضى تبدو مقنعة على الورق، يمكنه توليد فواتير بمليارات الدولارات قبل أن تُكتشف حيلته.
في تصريح أدلى به في 26 فبراير 2026، قدّر الدكتور محمد أوز، الطبيب الأمريكي من أصول تركية الذي ظهر ضيفاً مراراً وتكراراً في أكثر من 60 حلقة من برنامج أوبرا وينفري، وفق مقال لإميلي سانت مارتن في صحيفة لوس أنجلوس تايمز بعنوان: أوبرا وينفري تضع الدكتور فيل والدكتور أوز على الخريطة، وهي الآن تتحدث عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إليه، قَدّر أوز حجم الاحتيال والهدر وسوء الاستخدام في الإنفاق الصحي الأمريكي بنحو 300 مليار دولار سنوياً.
جاء تصريح أوز، بصفته مدير مراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية الأمريكية، خلال بث مباشر من البيت الأبيض، بعدما قدّمه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس.
وتضع هذه الأرقام قضيتَي إبراهيم حلمي وهربرت كيمبل، على الرغم من ضخامة المبالغ المرتبطة بهما، في سياق مشكلة أوسع بكثير تتجاوز القضيتين إلى نطاق واسع من الاحتيال والهدر وسوء الاستخدام داخل منظومة الرعاية الصحية الأمريكية.
وقد ركز أوز بصورة خاصة على الاحتيال في المعدات الطبية المعمرة التي يغطيها برنامج ميديكير، مثل الكراسي المتحركة ودعامات تقويم العظام، وشرح أن بعض المحتالين يسرقون أرقام المستفيدين ويقدمون فواتير لمعدات لم تُرسل أصلاً، ما يسمح بإنشاء شركات تكاد لا تمتلك مخزوناً أو موظفين، لكنها تربح ملايين الدولارات من الفواتير الوهمية، وأشار إلى قضية احتيال جديدة موخراً بلغت فيه طلبات دعامات تقويم العظام الوهمية نحو ألف ومائة مليون دولار.
إبراهيم خلدون حلمي

وفقاً لمكتب المفتش العام في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، يبلغ إبراهيم خلدون حلمي رجل الأعمال الأمريكي 58 عاماً، ويقيم في مدينة ديلراي بيتش بولاية فلوريدا، ولم يكن شخصية معروفة إعلامياً قبل هذه القضية.
أما أسلوب الاحتيال الذي تبناه، فوفقاً للائحة الاتهام الصادرة عن المحكمة الفيدرالية في الدائرة الجنوبية لولاية فلوريدا، سيطر حلمي وشركاؤه على شركتَي ABRH Care, Inc، وSunshine Senior Solutions, LLC، وحولوهما إلى واجهتين لا تقدمان أي خدمة حقيقية لأي زبون، بل تعملان فعلياً كصندوق بريد لاستقبال شيكات ومراسلات بينهما وبين ميديكير وميديكيد وبرنامج المزايا الصحية للموظفين الفيدراليين (FEHB) وشركات تأمين خاصة أخرى.
كانت الفواتير تُقدم بأسماء مرضى، لم يطلب كثير منهم أي خدمة قط، أو لم يستلموا شيئاً على الإطلاق، أو لم يكونوا على قيد الحياة من الأساس، وذلك عن معدات طبية معمرة مثل كراسي متحركة، وقساطر بول، ودعامات ركبة، وأجهزة مراقبة مستمرة لمستوى الغلوكوز، و ضمادات جروح.
بلغ إجمالي المطالبات المالية المزيفة المقدمة لميديكير، بحسب ما أدلى به في مؤتمر صحفي بتاريخ 23 يونيو 2026 مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) كاش برامود باتيل نحو 3.7 مليار دولار، لكن اللافت أن ما تم تحصيله فعلياً وإيداعه في حسابات الشركتين لم يتجاوز 5.7 مليون دولار فقط، هذا الجزء الضئيل جداً من المبلغ المُطالَب به، هو ما لجأ حلمي إلى تحويل جزء كبير منه لاحقاً إلى كيان خاص في هونغ كونغ، مع تحويلات أخرى إلى شركات وهمية في الصين وإندونيسيا.
وقد أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي باتيل عن عملية القبض بنفسه عبر حسابه على منصة إكس، ونسب الفضل فيها إلى مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) في ميامي، ووزارة العدل، والسلطات التركية، والسفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك، وقال باتيل في تصريحه: "حلمي متهم بواحدة من أكبر عمليات النصب على ميديكير في التاريخ، إذ أنه دبر خطة احتيال ضخمة بقيمة 3.7 مليار دولار للاحتيال على البرنامج، وكان هارباً منذ مايو 2025... لكننا أمسكنا به."
وأضاف باتيل، واصفاً العملية بأنها جزء من جهد أوسع تقوده فرقة عمل البيت الأبيض بقيادة جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب: "أي فاعل إجرامي يسرق من دافع الضرائب الأمريكي سيُقبض عليه، بغض النظر عن المكان الذي يحاول الاختباء فيه."
لسنوات، نجح حلمي في الإفلات من الرقابة، ببساطة لأنه استخدم عشرات الشركات ذات المظهر الشرعي لتفادي المؤشرات التي عادة ما تُفعل عمليات تدقيق ميديكير التلقائية، مثل تزويد مطالباته المالية بأسماء تجارية حقيقية، ومعدات طبية حقيقية، وسجلات مرضى تبدو واقعية على الورق.
لكن الفقاعة بدأت تنكشف حين ظهرت مراجعات تقييم سلبية من أفراد على مواقع التواصل الاجتماعي تستنكر رسائل من ميديكير تزعم استلامهم لمعدات لم يطلبوها ولم تصلهم أصلا من شركة Sunshine Senior Solutions، أي أن شكاوى وتعليقات عامة على الإنترنت كانت من أولى الشرارات التي لفتت الأنظار إلى الشركة، وأيضاً بالتوازي مع تحقيق فيدالي أوسع كان يتقصى الشبكة الإجرامية العابرة للحدود التي تنتمي إليها هذه الشركات، وحين شعر حلمي أن قبضة التحقيق بدأت تضيق حوله، اختار الحل الأخير: الفرار، وغادر الولايات المتحدة في مايو 2025، قبل أن تتمكن السلطات من اعتقاله.
بقي حلمي فاراً لمدة تزيد قليلاً عن عام، قبل أن تتمكن السلطات التركية من تعقبه واعتقاله في مدينة كيرينيا، في الجزء الشمالي من قبرص الخاضع للإدارة التركية، بينما اكتفت بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) الرسمية بالإشارة إلى تركيا بشكل عام.
وبعد الاعتقال، نفذت وحدة الاستجابة للحوادث الحرجة (CIRG) التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ما يعرف بعملية نقل شخص من دولة أجنبية، وهي آلية رسمية لتسليم مشتبه به من دولة أجنبية إلى القضاء الأمريكي، وأعادته إلى جنوب فلوريدا في 19 يونيو 2026 على متن طائرة خاصة، حيث جرى تصويره وهو يرتدي زي احتجاز أزرق فاتح اللون، معصوب العينين ومقيد اليدين، ومحاطاً بعملاء فيداليين على أرض مدرج المطار.
مثُل حلمي أمام المحكمة الفيدرالية في ميامي في 22 يونيو 2026، ووُجّهت إليه تهم تشمل الاحتيال في مجال الرعاية الصحية والاحتيال الإلكتروني، والتآمر على غسل الأموال، وقرر القاضي احتجازه على ذمة المحاكمة لحين صدور الحكم النهائي.
حكم سابق في قضية مشابهة
وفقاً لموقع وزارة العدل الأمريكية، صدر في قضية مشابهة حكم نهائي بتاريخ 26 فبراير 2026 على رينالدو ويلسون، البالغ من العمر 57 عاماً، بالسجن 7 سنوات وإلزامه بدفع قرابة 28 مليون دولار تعويضات، بعد تورطه في الاحتيال على برنامج ميديكير عبر شركتين للمعدات الطبية عن بُعد، كان يديرهما في بايون بولاية نيوجيرسي بين عامي 2017 و2019.
جاء في الحكم أنه اعتمد في خطته الإجرامية على دفع عمولات غير قانونية لمقدمي خدمات طبية مقابل توقيع أوامر لدعامات تقويم عظام لم يكن المستفيدون من ميديكير بحاجة إليها.
بعد ذلك، كانت هذه الأوامر الموقعة تُباع إلى شركات تسويق، ثم يعاد بيعها غالباً إلى شركات توريد دعامات تقويم العظام، التي تستخدمها بدورها لتقديم مطالبات إلى ميديكير.
كما عمل ويلسون وشركاؤه على إقناع المستفيدين بقبول أكبر عدد ممكن من الدعامات، إذ وقع مقدمو الخدمات العاملون مع شركاته أوامر لأربع دعامات أو أكثر لأكثر من 3 آلاف مستفيد، بينما صدرت لأكثر من 40 مستفيداً أوامر بعشر دعامات أو أكثر.
وحاول ويلسون أيضاً إخفاء نشاطه من خلال إنشاء شركة جديدة للخدمات الطبية عن بُعد باسم إحدى عضوات كنيسته، بعدما أقنعها بأنها فرصة استثمارية وأخذ منها 20 ألف دولار، ثم جعلها تفتح الشركة والحسابات المصرفية باسمها قبل أن يسيطر عليها بنفسه.
وقد قدم ويلسون وشركاؤه أكثر من 56 مليون دولار من المطالبات الكاذبة إلى برنامج ميديكير، دُفع له منها فعلاً أكثر قرابة 28 مليون دولار، وكان ويلسون قد أقر بالذنب في مارس 2021 بتهمتي التآمر لارتكاب الاحتيال الإلكتروني والاحتيال في مجال الرعاية الصحية.
اتفاق المحكمة الذي نقضه المحتال هربرت كيمبل صاحب دعامات العظام الوهمية من مانيلا
وُلد هربرت ليون كيمبل في مدينة شيكاغو عام 1966، وهو رجل أعمال أمريكي عمل في مجال التسويق الهاتفي الدولي، وأدار بين عامي 2011 و2019 مراكز اتصال قائمة بشكل أساسي في الفلبين شكلت المحرك التسويقي لواحدة من أضخم عمليات الاحتيال على ميديكير في تاريخ الولايات المتحدة، وفي وقت القبض عليه عام 2026، كان قد بلغ الستين من عمره.
كانت آلية كيمبل أشبه بخط تجميع متكامل للاحتيال، تبدأ الحلقة بإعلانات تلفزيونية وعبر الإنترنت تستهدف كبار السن المسجلين في ميديكير، وتعدهم بدعامات طبية مجانية لعلاج آلام الظهر والركبة والكتف والمعصم، وحين يتصل أحد المستفيدين برقم مجاني ظاهر في الإعلان، يخضع لفحص سريع للتأكد من أهليته في ميديكير، ثم يُقنَع، أحياناً بالإلحاح، وأحياناً بالتلويح بفقدان حقه في ميديكير إن رفض، بأنه بحاجة إلى دعامة، بل وغالباً ما يُدفَع لطلب أكثر من دعامة واحدة في المكالمة نفسها.
بعد ذلك، تُحوَّل المكالمة إلى شركة خدمات طبية عن بُعد، حيث يُصدر طبيب أو ممرض ممارس وصفة طبية دون أي اعتبار حقيقي للحاجة الفعلية، وفي كثير من الحالات لم تتجاوز مدة الاستشارة ثلاث دقائق، وقد اعترف كثير من هؤلاء الأطباء لاحقاً بأنهم كانوا يتقاضون أجراً مقابل كل وصفة طبية يوقعونها، وصُوِرت في الفواتير على أنها رسوم خدمات طبية عن بُعد، بينما كانت في الحقيقة عمولات غير مشروعة.
بعدها، كانت مؤسسة كيمبل تُعيد تعبئة هذه الوصفات كعملاء مؤهلين وتبيعها لشركات معدات طبية مشهورة ولها أفرع عديدة في أنحاء الولايات المتحدة، التي بدورها كانت تطالب ميديكير بمبالغ قد تتجاوز 1000 دولار عن الدعامة الواحدة، وكانت حصيلة هذا المخطط بأكمله قرابة ألف ومئتين مليون دولار من الفواتير المزيفة.
انكشف مخطط كيمبل في إطار تحقيق فيدرالي، وقد اختار التعاون المبكر مع المحققين، واعترف بالذنب في أبريل 2019 بتهم التآمر على خداع الولايات المتحدة، وتقديم مطالبات كاذبة، والاحتيال البريدي والإلكتروني، والاحتيال في مجال الرعاية الصحية، وتقديم عمولات غير مشروعة.
بل إن بعض التسجيلات الصوتية التي وفّرها كيمبل نفسه للمحققين استُخدمت لاحقاً كأدلة في قضايا أخرى ضد أطراف متورطة في الشبكة، وكجزء من اتفاقه الأول مع المدعي العام، وافق على دفع 40 مليون دولار كتعويضات، مقابل توصية بعدم فرض عقوبة سجن - نظراً لتعاونه الواسع مع السلطات.
لكن القصة لم تنته عند الاعتراف بالذنب، فوفقاً لموقع وزارة العدل الأمريكية تخلف كيمبل أكثر عن حضور جلسة النطق بالحكم أكثر من مرة، ما دفع المحكمة الفيدرالية في مدينة كولومبيا بولاية كارولاينا الجنوبية إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه بتهمة التخلف عن المثول أمام القضاء.
وقد تبين لاحقاً أن كيمبل كان يختبئ في الفلبين طوال ما يقارب عامين، ولذلك أدرجه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) على قائمة جديدة أطلقها في يونيو 2026 بعنوان أكثر المحتالين المطلوبين، مع رصد مكافأة قدرها 150 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى مكانه.
لم يمرّ أسبوع واحد على إدراج اسمه في تلك القائمة حتى ألقت وحدة البحث عن الهاربين التابعة لمكتب الهجرة الفلبيني القبض عليه، في 11 يونيو 2026، داخل أحد الكازينوهات في مدينة باسيغ ضمن منطقة مانيلا الكبرى.
رُحِّل كيمبل من الفلبين في 18 يونيو 2026، وأعيد إلى الولايات المتحدة، حيث مثل أمام المحكمة الفيدرالية في كولومبيا يوم 22 يونيو 2026 - أي في اليوم نفسه الذي مثل فيه إبراهيم حلمي أمام محكمة أخرى في ميامي، على بُعد آلاف الأميال، في تزامن لافت بين أول قضيتين على قائمة أكثر المحتالين المطلوبين.
بعد إعادته، اعترف كيمبل رسمياً بالذنب مجدداً وفق شروط جديدة تأخذ في الحسبان فراره، وينص الاتفاق المحدث على عقوبة سجن تتراوح بين 15 و20 عاماً، إضافة إلى ما يقارب 200 مليون دولار كتعويضات، مع 9 ملايين دولار إضافية مستحقة عند النطق بالحكم النهائي، وهو مبلغ أكبر بكثير من التعهد الأول البالغ 40 مليون دولار، في انعكاس مباشر لكونه فر من العدالة لسنوات.
وقد علق مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي باتيل في منشور له في حسابه على إكس قائلاً، خلال ما يزيد قليلاً على أسبوعين (يقصد إبراهيم خلدون حلمي)، أُلقي القبض على ثاني شخص من قائمة أكثر المحتالين المطلوبين في قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) التي يقود جهودها نائب الرئيس فانس وفريق عمل البيت الأبيض للقضاء على الاحتيال.
وقد أُلقي القبض على هربرت ليون كيمبل في الفلبين، وقد أعيد الآن إلى الولايات المتحدة، بعد أن ظل هارباً منذ عام 2024، عقب اتهامه بخطط احتيال في مجال الرعاية الصحية بقيمة 1.2 مليار دولار استهدفت برنامج ميديكير، وكان الضحايا من كبار السن خاصة، خلال الفترة من 2014 إلى 2019.
خيوط مشتركة
القبض على حلمي وكيمبل، في غضون أيام قليلة من بعضهما البعض، لم يكن حدثاً عشوائياً، بل جزءاً من حملة أمريكية أوسع لمكافحة الاحتيال على برامج الرعاية الصحية الحكومية، تقودها فرقة عمل البيت الأبيض للقضاء على الاحتيال، وقد أثمرت هذه الحملة خلال أسبوعين فقط في يونيو 2026 عن اعتقال أول اثنين من قائمة أكثر المحتالين المطلوبين التي أطلقها مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ويُعدَّ ملف الاحتيال على ميديكير في الولايات المتحدة معقداً سياسياً بقدر تعقيده جنائياً، إذ أنه خلال فترتَي رئاسة دونالد ترمب، مَنح عفواً أو خفّف عقوبات لأكثر من 70 شخصاً أُدينوا في قضايا احتيال، وذلك فق تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز.
من بينهم فيليب إسفورميس، الذي كانت قضيته بقيمة 1.3 مليار دولار تُعتبر حتى وقت قريب أكبر قضية احتيال فردية في تاريخ الرعاية الصحية الأمريكية، قبل أن يُخفف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكم في عام 2020 في قرار رئاسي بمنح الرأفة التنفيذية جاء فيه "ليكن معلوماً أنني، دونالد ج. ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبالنظر إلى ما تقدم، وإلى أسباب أخرى متعددة وجيهة وكافية دفعتني إلى ذلك، أمنح بموجب هذه الوثيقة الرأفة للمذكور فيليب إسفورميس، أخفف عقوبة السجن البالغة 240 شهراً المفروضة على المذكور فيليب إسفورميس إلى المدة التي قضاها بالفعل في السجن، وأُبقي مدة السنوات الثلاث المتبقية من الإفراج الخاضع للإشراف، بجميع شروطها، سارية ونافذة دون تغيير، وكذلك الرصيد غير المدفوع، إن وُجد، من التزامه بدفع تعويضات قدرها 5,530,207 دولارات، وجميع المكونات الأخرى للعقوبة".
هذا التفصيل يمنح قضيتي حلمي وكيمبل بُعداً إضافياً، فبينما تُطارد السلطات الفارين حول العالم بأقصى قوة، يبقى مصير من يُدانون في نهاية المطاف رهناً بعوامل قد تتجاوز حجم الجريمة نفسها.





