تشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقال على موقعها بعنوان حادث تشيرنوبيل: الأسئلة الشائعة إلى أن مفاعل الوحدة الرابعة، وهو من طراز المفاعلات عالية الطاقة ذات القنوات المهدأة بالغرافيت، حيث يُوضع كل تجميع للوقود النووي في أنبوب منفرد بقطر 8 سم، يسمى قناة، ويُسمح بتدفق مياه التبريد حوله.
لكن المحطة وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية خرجت عن السيطرة أثناء اختبار مخطط له عند مستوى منخفض من القدرة، في سلسلة أحداث جمعت بين خلل التصميم وسوء التشغيل وضعف الاستعداد المؤسسي للطوارئ.
كان الاختبار يهدف إلى معرفة ما إذا كانت التوربينات، تستطيع بعد انقطاع الكهرباء مواصلة الدوران لثوان تكفي لتوليد طاقة مؤقتة تُشغل مضخات التبريد إلى حين عمل مولدات الديزل الاحتياطية.
ظاهرياً، بدا الأمر اختباراً محدوداً، لكنه في الواقع اقترب من قلب الأمان النووي نفسه، لأن تبريد المفاعل ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل الحاجز الفاصل بين التفاعل المسَيطَر عليه والانفلات الحراري، وبحسب الرابطة النووية العالمية، كان الحادث نتاج مزيج من تصميم مفاعل لا يتحمل أي أخطاء، وإجراءات تشغيلية خطرة، وعدم إلمام كاف لدى المشغلين بخصائص المفاعل في ظروف القدرة المنخفضة، إضافة إلى غياب ثقافة السلامة الاحترازية.
في تلك الليلة، انخفضت قدرة المفاعل إلى مستوى شديد التدني على نحو غير مقصود، ثم حاول المشغلون رفعها مجدداً عبر سحب عدد كبير من قضبان التحكم، إذ تعمل هذه القضبان على امتصاص النيوترونات وكبح التفاعل المتسلسل، لكنها في تشيرنوبل أصبحت جزءاً من سلسلة الانهيار.
فقد اجتمعت قدرة منخفضة، وتراكم للزينون الذي يخنق التفاعل، وتدفق تبريد غير كاف، بحيث إن وجود الفقاعات البخارية داخل قنوات التبريد لم يكن يخفف التفاعل، بل قد يزيده.
وعندما ضغط المشغلون زر الإيقاف الطارئ، لم تؤد قضبان التحكم أثرها الكابح فوراً على عكس ما كان متوقعاً، بل ساهمت أطرافها الغرافيتية في زيادة مفاجئة للنشاط النووي في اللحظات الأولى، فارتفعت القدرة على نحو انفجاري.
عند الساعة الواحدة وثلاث وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل تقريباً، وقع الانفجار، لكنه لم يكن انفجاراً نووياً بالمعنى العسكري، بل انفجاراً بخارياً وحرارياً مزق بنية المفاعل ورفع غطاءه الثقيل، ثم أعقبه حريق في الغرافيت واندفاع كميات كبيرة من المواد المشعة إلى الجو.
كانت إحدى أسباب الكارثة أن المفاعل لم يكن محاطاً ببناء احتواء قوي على النمط المستخدم في كثير من التصاميم الغربية، ما جعل الطريق مفتوحاً أمام الوقود النووي والمواد المشعة إلى البيئة، فقُتل عاملان في الساعات الأولى، ثم بدأت مأساة رجال الإطفاء والعاملين الذين اقتربوا من الموقع وهم لا يعرفون تماماً حجم الإشعاع الذي يواجهونه.


تذكر لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذري أن 134 من العاملين وأفراد الطوارئ تعرضوا لجرعات عالية وأصيبوا بمرض إشعاعي حاد، وأن 28 منهم توفوا خلال الأشهر الثلاثة الأولى.
غير أن فهم كارثة تشيرنوبل لا يكتمل إذا حُصر في صورة الانفجار وحدها، فالكارثة الأشهر في العصر النووي تحولت، عبر السنوات، إلى مزيج معقد من الحقائق العلمية والأساطير الشعبية والمخاوف النفسية، وكثيراً ما تُعرض كارثة تشيرنوبل في الخطاب العام بوصفها جرحاً إشعاعياً أبدياً، وتُستحضر أنصاف أعمار طويلة جداً لبعض النظائر لتأكيد فكرة أن الكارثة ستبقى بلا نهاية.
لكن مراجعة البيانات تكشف أن الأزمة الصحية الحادة لم تصنعها بالدرجة الأولى النظائر الأطول عمراً، بل اليود-131، وهو نظير قصير العمر نسبياً يبلغ نصف عمره نحو ثمانية أيام، لكنه كان شديد الخطورة في الأيام والأسابيع الأولى، لأنه دخل سريعاً إلى السلسلة الغذائية عبر الحليب، ثم تراكم في الغدة الدرقية، خصوصاً لدى الأطفال.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، حدثت زيادة كبيرة في سرطان الغدة الدرقية بين من كانوا أطفالاً أو مراهقين وقت الحادث وعاشوا في المناطق الأكثر تلوثاً في بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا، وكان السبب الأساسي هو التعرض لليود المشع في الأيام الأولى بعد الانفجار.
وتضيف البيانات التي أوردتها المنظمة أن عدد حالات سرطان الغدة الدرقية المسجلة حتى عام 2005 بين من كانوا دون الثامنة عشرة وقت الحادث بلغ 6848 حالة، وهو رقم يوضح أن الأثر الصحي الأكثر إثباتاً كان محدداً عمرياً وبيولوجياً، لا موزعاً بالتساوي على كل السكان.
كانت المأساة هنا ليست في الإشعاع وحده، بل في إدارة المعلومة والغذاء. فلو وصلت التحذيرات سريعاً إلى المزارعين، ولو مُنع استهلاك الحليب الملوث في الوقت المناسب، ولو وُزعت أقراص اليود المستقر على نحو منظم، لكان من الممكن تخفيف جزء مهم من الجرعات التي تلقاها الأطفال.
وتلفت المقارنة مع بولندا إلى أن التحرك السريع في الوقاية باليود أسهم في خفض جرعات الغدة الدرقية هناك إلى مستويات محدودة، بينما بقيت الإجراءات في المناطق السوفيتية المتأثرة بطيئة وناقصة، خصوصاً في السلاسل الخاصة بتوريد الحليب.
لكن الوجه الأكثر اتساعاً للكارثة كان نفسياً واجتماعياً، وذلك بالنسبة لملايين البشر، خاصة وأن الحادث تزامن مع سنوات الانحدار الأخيرة للاتحاد السوفيتي، ثم مع تفككه، فاختلط الخوف من الإشعاع بالخوف من انهيار الدولة والاقتصاد وشبكات الحماية الاجتماعية.
وقد خلصت دراسة بعنوان إرث الصحة العقلية لكارثة تشيرنوبيل لمدة 30 عاماً إلى أن أحد أعظم آثار تشيرنوبل الممتدة كان في الصحة النفسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة.

تكمن إحدى أهم دروس تشيرنوبل: إن إدارة الخوف لا تقل أهمية عن إدارة الجوانب المادية، فالناس لا يعيشون داخل تقارير علمية، بل داخل شائعات وذكريات ومعلومات متأخرة وقرارات إجلاء وأسماء أمراض وصور أطفال مرضى.
وحين تتأخر الدولة في قول الحقيقة، يصبح الفراغ الإعلامي مفاعلاً آخر ينتج الخوف، ولذلك يصعب فصل الأثر الإشعاعي عن الأثر السياسي والاجتماعي، فالكارثة وقعت داخل نظام كان يميل إلى السرية، وكان يخشى الاعتراف بالفشل، ففقد الناس الثقة لا في المحطة النووية فقط، بل في السلطة التي كان يفترض أن تحميهم.
ولم يعرف العالم الخارجي بالحجم الحقيقي للحادث من إعلان سوفيتي شفاف، بل من أجهزة رصد أوروبية التقطت مستويات غير طبيعية من الإشعاع، ولقد فضحت الرياح ما حاولت السياسة إخفاءه.
في البيئة القريبة من المحطة، ظهرت آثار مروعة وفورية، فقد تحولت أشجار صنوبر في منطقة شديدة التلوث إلى لون بني محمر بعد تعرضها لجرعات عالية من الإشعاع، فيما عُرف لاحقاً باسم الغابة الحمراء، وكانت هذه المنطقة شاهداً حياً عليه.
غير أن النظائر قصيرة العمر التي تسببت في الأذى الفوري تلاشت خلال أشهر، بينما بقي السيزيوم-137، بنصف عمر يبلغ نحو ثلاثين عاماً، الهاجس البيئي الأبرز على المدى الطويل.
والمهم هنا أن بقاء السيزيوم وخطورته لا يتحددان بعمره الإشعاعي فقط، بل بما يسمى الحساسية الإيكولوجية الإشعاعية، عبر نوع التربة، ومحتواها من الطين، وغناها أو فقرها بالعناصر الغذائية، ووجود المواد العضوية، وطبيعة حركة المياه.
في الترب الغنية بالمعادن الطينية، يمكن للسيزيوم المشع أن يثبت بين طبقات المعادن، فيصبح أقل قابلية للانتقال إلى جذور النباتات، أما في الترب الفقيرة غذائياً، مثل بعض المستنقعات، فإن نقص البوتاسيوم يجعل النباتات تمتص السيزيوم بسهولة أكبر.
وفي الغابات، تعمل الطبقات العضوية الكثيفة على أرضية الغابة كخزان طويل الأمد للسيزيوم، وهذا ما يفسر بقاء الفطر والتوت البري أكثر تلوثاً من كثير من المحاصيل الزراعية.
وفي البحيرات المغلقة قليلة التدفق، يعاد تدوير السيزيوم داخل تيارات الماء بدل أن يتخفف سريعاً، وبهذا المعنى، لم تكن كارثة تشيرنوبل كارثة واحدة متجانسة، بل فسيفساء بيئية، فهناك منطقة قد تصبح أقل خطورة بفعل خصائص تربتها، وأخرى تبقى حساسة لعقود بسبب طبيعتها الهيدرولوجية والعضوية.
ومن التعقيدات العلمية التي كشفتها الكارثة أن التساقط الإشعاعي لم يكن نوعاً واحداً، فالعناصر المتطايرة، مثل اليود والسيزيوم، شكلت جسيمات دقيقة حملتها الرياح لمسافات بعيدة، بينما سقطت قرب المحطة جسيمات ساخنة أثقل، هي في جوهرها تجمعات دقيقة من أكسيد اليورانيوم، أي شظايا مجهرية من الوقود النووي نفسه، هذه الجسيمات، بسبب كثافتها العالية، لم تسافر بعيداً، لكنها تركت داخل المنطقة القريبة إرثًا طويل الأمد.
أما رجال الإطفاء والعمال الأوائل، فقد جسدوا الوجه الأكثر مباشرة للفداء الإنساني في الكارثة، فقد تعرض 134 من عمال الطوارئ لإشعاع حاد، مات منهم 28 شخصاً خلال الأشهر الأولى، نتيجة انهيار جسدي مباشر، مثل تضرر نخاع العظم، أو تلف شديد في الجلد بسبب جرعات بيتا، أو حروق إشعاعية كانت عاملاً حاسماً في الموت.
ولقد أدى الحادث إلى إجلاء واسع النطاق وإعادة توطين مئات الآلاف انتُزعوا من بيوتهم، ومدارس، ومزارعهم، تاركين خلفهم ذكريات لا يمكن نقلها بحافلات الإجلاء.
سياسياً، جاءت كارثة تشيرنوبل في لحظة حرجة من عمر الاتحاد السوفيتي، وكان ميخائيل غورباتشوف يتحدث آنذاك عن الغلاسنوست، أي الشفافية والانفتاح، لكن الحادث كشف أن بنية السرية القديمة لا تزال قوية، فالاعتراف تأخر، والمعلومات وصلت ناقصة، والتحذيرات لم تكن في مستوى الخطر.
وحين تفشل الدولة في قول الحقيقة في لحظة تهدد حياة الناس، فإنها لا تخسر معركة إعلامية فقط، بل تخسر جزءاً من شرعيتها الأخلاقية، لذلك رأى كثيرون أن كارثة تشيرنوبل لم تكن سبباً وحيداً لانهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها ساهمت في تسريع أزمة الثقة بين المجتمع والدولة، فقد جعلت المواطن يرى أن الخطر قد يكون في الهواء والحليب والتربة، وأن السلطة التي تحتكر المعلومة قد تحرمه من أبسط وسائل حماية نفسه.
على مستوى الصناعة النووية، أصبحت كارثة تشيرنوبل نقطة تحول عالمية، فقبلها، كان الخطاب النووي في دول كثيرة يقدم الطاقة النووية بوصفها رمزاً للتقدم العلمي ومصدراً ضخماً للكهرباء.
بعدها، أصبح السؤال الأخلاقي حاضراً بقوة، فمن يضمن أن ثقافة السلامة أقوى من شهوة الإنتاج؟ ومن يراجع التصميمات؟ وهل الجهات الرقابية مستقلة فعلاً؟ لقد عززت الكارثة مفهوم ثقافة السلامة، أي أن الأمان لا يتكون من أجهزة ولوائح فقط، بل من سلوك مؤسسي كامل يسمح بالتحذير، ويكافئ الصراحة، ولا يعاقب من يوقف عملية خطرة.
وبعد عقود، لم تنته كارثة تشيرنوبل، فالمفاعل المدمر غُطي أولاً بما عُرف بالساركوفاغ، وهو هيكل خرساني ومعدني بُني على عجل لعزل الخطر، ثم شُيد لاحقاً الحاجز الآمن الجديد، وهو قوس هندسي ضخم وُضع فوق البنية القديمة بهدف احتواء المواد المشعة وتسهيل التفكيك المستقبلي.
ووفق تقرير في أسوشيتيد برس عادت تشيرنوبل إلى الواجهة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم بعد تعرض منطقة الحاجز الآمن الجديد لهجوم بطائرة مسيرة في فبراير 2025، من دون تسجيل إطلاق إشعاعي كبير وفق التقارير، لكن الحادث ذكّر العالم بأن المنشآت النووية لا تعيش خارج السياسة والحرب.




