أفاض الدكتور علي شافي الهاجري، مساعد مدير إدارة شؤون الزكاة لخدمات الجمهور، أيَّما إفاضة في حديثه ضمن بودكاست نماء، الذي استضافه فيه أحمد الجناحي، حول بيان تجربة زكاة النخيل في دولة قطر، بوصفها نموذجاً حياً على قدرة الفقه الإسلامي على ملامسة الواقع، ومواكبة تحولاته، والانتقال بالحكم الشرعي من مدوناته النظرية وصوره التراثية إلى خدمة عملية ميسّرة، قادرة على الوصول إلى الجمهور بلغة العصر وأدواته.
فزكاة النخيل، كما بدت في هذا الحوار، ليست مسألة فقهية مجردة تقف عند حدود السؤال عن الوجوب أو عدمه، بل هي قضية تتقاطع فيها الدائرة الشرعية مع الدائرة المجتمعية، وتتصل فيها الخبرة المؤسسية بالتقنية الحديثة، فصاحب المزرعة أو البيت لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن في ثمار نخيله زكاة، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة مقدار هذه الزكاة، ووقت إخراجها، وطريقة أدائها، وهل تكون تمراً أو مبلغاً نقدياً، وكيف يمكن تقدير المحصول في زمن لم يعد فيه الخارص التقليدي، صاحب الخبرة في التقييم، حاضراً كما كان في الأزمنة السابقة.
ينطلق الهاجري من تصنيف عام للأموال الزكوية، مبيناً أن الأموال التي تجب فيها الزكاة يمكن تصورها في أربعة أبواب رئيسية: الذهب والفضة وما يقاس عليهما من الأوراق النقدية، وعروض التجارة، والزروع والثمار، وبهيمة الأنعام، ومن ثم، فإن موضوع الحلقة يقع ضمن الباب الثالث، أي باب الزروع والثمار، وهو باب واسع يحتاج إلى ضابط فقهي يحدد ما يدخل فيه وما يخرج عنه.
وهنا يوضح الهاجري أن الضابط، على حد وصفه، هو "كل ما يكال ويدخر"، وعند تنزيل هذا الضابط على الواقع الزراعي في قطر، تبرز النخلة بوصفها المثال العملي الأوضح والأقرب إلى حياة الناس، إذ إن الزروع الأخرى التي قد تدخل في هذا الباب، وفق هذا المعيار، ليست منتشرة في البلاد بالقدر ذاته، ولا تشكل حالة اجتماعية واقتصادية واسعة كما تفعل النخلة.
ومن هنا تتجلى خصوصية النخيل في السياق القطري، فالنخلة ليست مجرد شجرة مثمرة تمد الناس بالرطب والتمر، بل هي ذاكرة ممتدة في المكان، وجزء من هوية البيئة المحلية، وملمح من ملامح العلاقة المتوارثة بين الإنسان والأرض، ويشير الهاجري إلى أن كثيراً من الناس في قطر، حين يبنون بيوتهم، يفكرون أولاً في زراعة النخل، لا بوصفه مشروعا تجاريًا بالضرورة، بل لأنه جزء من العادة والوجدان والبيئة.
ولم يكن الاهتمام بالنخيل مقتصراً على الأفراد، فقد أولت الدولة، ممثلة بوزارة البلدية، هذه الشجرة عناية واضحة، سواء من خلال الرعاية الزراعية، أو تشجيع الزراعة، أو تنظيم المهرجانات المرتبطة بالرطب والتمور، وبذلك لا تبدو زكاة النخيل مسألة هامشية أو تفصيلية، بل تتصل بقطاع زراعي وتراثي واجتماعي حاضر في المجتمع القطري، وتلامس جانباً من حياة الناس وذاكرتهم اليومية.
ويلفت الهاجري إلى أن الاهتمام بزكاة النخيل ازداد بوضوح بعد ارتفاع الوعي المجتمعي بقيمة هذه الشجرة، ولا سيما في السنوات التي شهدت اهتماماً رسمياً ومجتمعياً أكبر بزراعة النخيل والاعتماد على المنتج المحلي، ومع هذا الوعي، بدأت إدارة شؤون الزكاة تتلقى اتصالات متزايدة من الجمهور، يسأل أصحابها عن مقدار زكاة أعداد معينة من النخيل لديهم، وهي أسئلة لم تكن شائعة كثيراً في السابق، لكنها بدأت تتردد مع اتساع الوعي، وازدياد ارتباط الناس بمزارعهم ونخيلهم وثمارهم، وهنا وجدت الإدارة نفسها أمام حاجة عملية واضحة، فالجمهور لا يريد جواباً نظرياً معقداً، بل يريد طريقاً سهلاً، ورقماً واضحاً، وآلية يطمئن بها إلى براءة ذمته.
في البداية، كما يشرح الهاجري، تعاملت الإدارة مع هذه الحالات بطريقة تقليدية قريبة من الأسلوب القديم، إذ كان بعض الباحثين يذهبون إلى المزارع، ويسألون أصحابها عن عدد النخيل وإنتاجه، ثم يحاولون تنزيل أقوال الفقهاء على الحالة المعروضة، غير أن هذه الطريقة لم تكن كافية ولا قابلة للتعميم، فبعض أصحاب المزارع يتعاونون ويملكون المعلومات، وبعض المزارع لا يوجد فيها إلا عمال لا يعرفون تفاصيل دقيقة عن الإنتاج، كما أن الاعتماد على السؤال والتقدير الفردي لا يصنع خدمة مؤسسية واسعة ولا يحقق معياراً موحداً يمكن أن يستفيد منه الجميع.
من هنا برزت الحاجة إلى دراسة أكثر ضبطاً، لا تتعامل مع كل حالة كأنها جزيرة منفصلة، بل تبني معياراً عاماً يستوعب الواقع القطري ويخدم المجتمع كله، وهذا الانتقال من التفكير الفردي إلى التفكير المجتمعي هو أحد المفاتيح الأساسية في تجربة زكاة النخيل، فالهاجري يؤكد أن إدارة شؤون الزكاة لا تنظر إلى المسألة بوصفها خدمة لشخص واحد أو مزرعة واحدة، بل باعتبارها مسؤولية عامة، حيث قال: "نحن نفكر على مستوى مجتمعي، لا على مستوى فردي، من أجل خدمة مختلف الشرائح"، فالزكاة، وإن كانت عبادة فردية من حيث التكليف، إلا أن تيسيرها، وتنظيم أدائها، وتوعية الناس بها، مسؤولية تتطلب جهداً عاماً ومؤسسياً.
ومن هنا جاءت فكرة التعاون مع جهة مختصة تمتلك الخبرة الزراعية والبيانات العملية، وهي وزارة البلدية، وكان السؤال المركزي الذي وجهته إدارة شؤون الزكاة إلى الوزارة واضحاً ومحدداً: ما عدد أصناف النخيل في قطر؟ وكم تنتج النخلة الواحدة من التمر لكل صنف؟ ولم يكن المطلوب معرفة إنتاج الرطب فحسب، بل معرفة إنتاج التمر تحديداً، لأن الزكاة في المحصلة تتعلق بما يخرج من الثمرة بعد تقديرها، وقد رحبت وزارة البلدية بالتعاون، وقدمت دراسة وبيانات تفصيلية عن أصناف النخيل وإنتاجها، لتظهر هنا قيمة التكامل بين المؤسسة الشرعية والمؤسسة الفنية، فإدارة شؤون الزكاة تمتلك التأصيل الفقهي، ووزارة البلدية تمتلك الخبرة الزراعية والبيانات الميدانية.
ولفهم أهمية هذا التحول، يعود الهاجري إلى الطريقة التقليدية في حساب زكاة النخيل، ففي السابق كان هناك شخص يُسمىَ الخارص، وهو رجل ذو خبرة طويلة بالنخيل، يدخل المزرعة حين تبدأ الثمار في النضج، وينظر إلى النخيل بعين الخبير، ثم يقدر مقدار المحصول، ولم يكن الخارص يعتمد على أدوات إلكترونية أو جداول حسابية، بل على خبرة متراكمة تكونت عبر المعايشة والممارسة أباً عن جد، وكان من خلال نظرته وتقديره يعرف هل بلغ المحصول النصاب أم لم يبلغه.
والنصاب في زكاة الزروع والثمار هو خمسة أوسق، استناداً إلى ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول ﷺ أنه قال: "...ليسَ فيما دونَ خمسِ أوسُقٍ صدقةٌ"، وبالمقاييس المعاصرة التي اعتمدتها الإدارة، يعادل ذلك نحو 653 كيلوغراماً من التمر، غير أن الخرص لم يكن مجرد تقدير للمحصول كاملاً، بل كان يحمل في داخله مراعاة شرعية ورحمة عملية بأصحاب المزارع، فالخارص يخصم من المحصول الثلث أو الربع، استناداً إلى ما رواه سهل بن أبي حثمة: "أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ قال: إذا خَرَصْتُم فخُذوا، ودَعوا الثُّلُثَ، فإنْ لم تَدَعوا أو تَجِدوا الثُّلُثَ، فدَعوا الرُّبُعَ".
وتكمن الحكمة في ذلك في أن صاحب النخيل قد يهدي من تمره، أو يتصدق، أو يأكل الناس منه، فضلاً عن أن بعض النخل قد يكون إنتاجه وفيراً، وبعضه قد يكون ضعيفاً أو دون المتوقع، لذلك لم يكن الحساب يقع على كامل الثمرة دون نظر إلى ظروفها، بل كان يتضمن قدراً من السماحة والواقعية، بما يعكس رحمة التشريع واتساعه لحياة الناس وتفاصيل معاشهم.
غير أن الإشكال المعاصر يتمثل في أن وجود الخارص الخبير في قطر اليوم أصبح نادراً جداً، فالخرص ليس مهارة تُكتسب في دورة قصيرة أو شهادة عابرة، بل خبرة تحتاج إلى سنوات طويلة من المعايشة، ومعرفة دقيقة بطبيعة الأرض والنخيل والمناخ والإنتاج، وقد فكرت الإدارة في الاستعانة بخراصين من دول أخرى، غير أن هذا الخيار لم يكن خالياً من الإشكال، فالخارص القادم من بيئة زراعية مختلفة قد لا يكون تقديره دقيقاً في البيئة القطرية، لأن الأرض، والظروف، والمناخ، وخصائص الإنتاج تختلف من بلد إلى آخر.
لذلك كان الحل الأنسب هو الاستفادة من الخبرة المحلية المؤسسية، ممثلة في وزارة البلدية ومهندسيها ودراساتها، وقد لخص الهاجري هذا التحول بقوله: "أخذنا جوهر الخرص وخمنا وقدرنا بناء على دراسة أصحاب الخبرة"، وهكذا لم تُلغَ روح الخرص، بل أُعيدت صياغتها بلغة مؤسسية معاصرة، تستند إلى البيانات والخبرة الفنية بدل الاعتماد على شخص بعينه.

من هنا ولدت فكرة حاسبة زكاة النخيل الإلكترونية. فالهاجري يقول: "بالنسبة لنا كإدارة شؤون الزكاة، كل معاملاتنا تقنية إلكترونية نقدية"، ومن ثم، فإن الحاسبة لم تكن مجرد أداة رقمية معزولة، بل جاءت ثمرة دراسة جمعت بين الفقه والواقع الزراعي وحاجة الجمهور، وقد اعتمدت على مجموعة من المعايير الواضحة: النصاب بالمقاييس الحديثة، ومتوسط إنتاج النخلة الواحدة، وخصم الثلث من الناتج مراعاة لما ورد في حديث الخرص، ثم احتساب مقدار الزكاة بنسبة 5%، لأن النخيل في قطر يسقى عادة بمؤونة ومعدات وآلات، فيكون الواجب نصف العشر، مع إتاحة حساب القيمة النقدية لمن أراد إخراج الزكاة نقداً.
وقد أوضحت الدراسة التي حصلت عليها الإدارة من وزارة البلدية أن في قطر أصنافاً متعددة من النخيل، غير أن الإدارة ركزت على الأصناف الشائعة لا النادرة، وذكرت الوزارة ثلاثة أصناف منتشرة انتشاراً عاماً، هي الخلاص، والشيشي، والخنيزي، أما الصنف الأكثر شيوعاً فهو الخلاص، وبناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الحكم للشائع لا للنادر، اعتمدت الإدارة الصنف الشائع في بناء المعادلة.
وقد تبين أن إنتاج نخلة الخلاص يتراوح بين 30 و60 كيلوغراماً من التمر، تبعاً لوفرة الإنتاج ومدى اهتمام صاحب المزرعة بالنخيل، ولتحقيق قدر من التوازن والإنصاف، أخذت الإدارة بالمتوسط، وهو 45 كيلوغراماً للنخلة الواحدة، وهذا المتوسط أصبح قلب المعادلة الإلكترونية، وعليه تدور طريقة الحساب.
ويضرب الهاجري مثالًا عملياً يبين سهولة الحاسبة: فإذا كان لدى شخص 100 نخلة مثمرة، فإن الحاسبة تضرب 100 في 45 كيلوغراماً، فيكون الناتج 4500 كيلوغرام، وبعد خصم الثلث يبقى 3000 كيلوغرام، ثم تحسب الزكاة بنسبة 5%، فيكون مقدارها 150 كيلوغراماً من التمر، وبما أن سعر الكيلو المعتمد في المعادلة هو 10 ريالات، فإن القيمة النقدية للزكاة تكون 1500 ريال، وبهذه الطريقة تصبح المسألة واضحة وسهلة، ويتحول السؤال الذي كان يوقع الناس في الحيرة إلى عملية حسابية ميسرة.
أما اعتماد سعر 10 ريالات للكيلوغرام، فيوضحه الهاجري بأنه لا يعني سعر التجزئة في الأسواق أو الجمعيات، حيث قد يباع الكيلو بـ 20 أو 25 ريالاً، بل المقصود السعر الذي يبيع به صاحب المزرعة للجمهور، أو السعر الذي يقدر في إطار المهرجانات والجهات المختصة، وقد استفادت الإدارة هنا أيضاً من بيانات وزارة البلدية وخبرتها في مهرجانات الرطب والتمور، حيث تتوافر معرفة عملية بأسعار البيع المناسبة لأصحاب المزارع.
وتطرق الهاجري كذلك إلى سؤال فقهي مهم: هل يجوز إخراج زكاة الزروع والثمار بالقيمة النقدية بدلاً من إخراجها من جنسها؟ وقد أوضح أن الأصل عند الفقهاء أن تُخرج الزكاة من جنس المال الزكوي، فالزروع والثمار تخرج من جنسها، وبهيمة الأنعام من جنسها، وهكذا، غير أن إدارة شؤون الزكاة في قطر، بحكم طبيعة عملها الإلكتروني والنقدي، لا تستقبل التمور عيناً، لأن ذلك يتطلب تخزين، وترتيبات لوجستية غير متاحة ضمن النظام الحالي.
لذلك أخذت الإدارة بقول فقهي معتبر يجيز إخراج القيمة النقدية عند الحاجة أو المصلحة الراجحة، ومع ذلك، فإنها لا تمنع صاحب النخيل من إخراج زكاته تمراً بنفسه للفقراء، بل تترك له الخيار: إما أن يخرجها بالكيلوغرام من التمر بنية الزكاة، وإما أن يخرجها نقداً عبر إدارة شؤون الزكاة، وهنا تتضح فلسفة الخدمة التي تقدمها الإدارة، فالحاسبة لا تصادر اختيار المزكي، بل تبصره بما عليه، فإذا أراد أن يعطي الفقراء تمراً، عرف عدد الكيلوغرامات المطلوبة، وإذا أراد دفع القيمة، عرف المبلغ الواجب، والمهم في الحالتين أن تُؤدىَ الزكاة بنية صحيحة، وأن تصل إلى مستحقيها.
ومن الجوانب المهمة التي أثارتها الحلقة أن الزكاة لا تسقط بالتقادم، فقد ذكر الهاجري حالة رجل لديه نحو 150 نخلة، منها 100 منتجة، وعندما حسب الزكاة عبر الحاسبة ظهرت 1500 ريال للموسم الحالي، فسأل الرجل عن السنوات العشرين الماضية، فأجابه الهاجري بأن الزكاة لا تسقط بالتقادم، وأن عليه أن يقيس السنوات الماضية قدر استطاعته حتى يُبرئ ذمته، وهذه مسألة بالغة الأهمية لأصحاب المزارع والبيوت الذين لم يكونوا يعلمون أن في نخيلهم زكاة، أو كانوا يظنون أن الحكم لا يطالهم ما داموا لا يمارسون نشاطاً تجارياً كبيراً.

وفي ختام الحوار، وجه الهاجري رسالة خاصة إلى أصحاب المزارع وأصحاب البيوت والفلل التي فيها نخيل، دعاهم فيها إلى الاهتمام بهذا الجانب، ومعرفة وقت إخراج الزكاة في موسم الرطب، عند بداية نضج الثمرة، فحين يرى صاحب النخيل الثمر أمام عينيه، ويفرح بما رزقه الله، ينبغي أن يتذكر أن في هذا الزرع حقاً لله. والمطلوب منه يسير: أن يعرف عدد النخيل المثمر، ويدخل الحاسبة، ويسأل عند الحاجة، ثم يخرج الزكاة بما يبرئ ذمته.
كما أوضح الهاجري رقماً عملياً مهماً لأصحاب المنازل، وهو أنه إذا بلغ عدد النخيل المثمر 15 نخلة فأكثر، بدأ حساب الزكاة، لأن 15 نخلة وفق متوسط 45 كيلوغراماً للنخلة تقترب من النصاب المعتمد أو تتجاوزه، لذلك ينبغي لمن لديه 15 نخلة مثمرة أو أكثر أن ينتبه إلى هذا الباب، وألا يظن أن الزكاة لا تخص إلا المزارع الكبيرة، فقد يكون لدى بعض المنازل 20 أو 30 نخلة، وهذه قد تبلغ النصاب وتجب فيها الزكاة.
وتكشف تجربة حاسبة زكاة النخيل في قطر عن نموذج مهم في الاجتهاد المؤسسي المعاصر، فقد بدأت المسألة من سؤال الجمهور، ثم من صعوبة تطبيق الطريقة التقليدية، ثم من غياب الخارص الخبير، ثم من الحاجة إلى بيانات زراعية دقيقة، ثم من التعاون مع وزارة البلدية، ثم من بناء معادلة إلكترونية سهلة، وهذا المسار كله يبين أن الفقه ليس معزولاً عن الواقع، وأن النوازل المعاصرة تحتاج إلى باحثين شرعيين يفهمون النص، ويعرفون الواقع، ويتعاونون مع أهل الاختصاص.
وما جرى في زكاة النخيل يمكن أن يكون ملهماً لدراسات أخرى في أبواب فقهية معاصرة، سواء في الزروع أو غيرها، شريطة ألا يتم القياس بطريقة عشوائية، بل عبر دراسة كل حالة بحسب طبيعتها وخصائصها، فلكل واقع أسئلته، ولكل بيئة معطياتها، والاجتهاد الرشيد هو الذي يجمع النص إلى الواقع، والحكم إلى المصلحة، والمعرفة الشرعية إلى الخبرة الفنية.
إن الرسالة الكبرى التي يحملها هذا الحوار أن الزكاة أمانة، وأن إيصالها مسؤولية، والنخيل، بما له من حضور عميق في البيئة القطرية، ليس خارج هذه المسؤولية، فالثمرة التي يفرح بها صاحبها، والتمر الذي يهديه ويوزعه ويبيعه، فيه حق يجب الانتباه إليه متى بلغ النصاب، ومن هنا يوصي الهاجري أصحاب المزارع والبيوت في قطر قائلاً: "أوصيهم ألا ينسون حق الله في هذا المال من أموال زكوية وهو النخيل."
وفي هذا التذكير معنى يتجاوز الحساب والأرقام، فإخراج الزكاة لا ينقص المال، بل يفتح له باب البركة، ويطهر الذمة، ويجعل الفرح بالثمر فرحاً موصولاً بالشكر والعمل، ومن هنا فإن حاسبة زكاة النخيل ليست مجرد خدمة إلكترونية، بل أداة وعي وتيسير، تجمع بين الحكم الشرعي والواقع الزراعي، وبين التراث الفقهي والتقنية الحديثة، وبين حق الله ومعطيات العصر.




