كانت ولادة الهند وباكستان في منتصف القرن العشرين انفصالاً جغرافياً وقع في صيف عام 1947، وكانت للأسف الحلقة الأخيرة والأكثر دموية في مسار تاريخي طويل ومعقد بدأ قبل ذلك بأكثر من قرن.
ففي المسافة الزمنية والفكرية الممتدة بين مذكرة حول التعليم الهندي للبريطاني توماس بابينغتون ماكولي سنة 1835، وثورة الهند سنة 1857 المعروفة بثورة السيبوي المشتقة من الفارسية بمعنى جند المشاة، والتي أدى فشلها إلى سقوط آخر أباطرة المغول بهادر شاه ظفر.
ثم صدمة إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924، وصولاً إلى صعود محمد علي جناح وأبي الأعلى المودودي، كانت شبه القارة الهندية تتحول من عالم إمبراطوري عريق إلى مختبر هائل تصاغ فيه الدولة القومية الحديثة وتُطرح فيه الأسئلة الوجودية الحادة حول الدين، والهوية، والسيادة.
يصعب النظر إلى بهادر شاه ظفر، وماكولي، وجناح، والمودودي بوصفهم شخصيات تنتمي إلى قصص منفصلة، فهم يقفون، كل بطريقته، عند محطات مختلفة من سؤال واحد فرض نفسه بقسوة: ماذا يحدث لشعب حين تنهار السلطة السياسية التي عرفها لقرون، ويتولى مستعمر أجنبي إعادة تشكيل مؤسساته وتعليمه ولغته، ثم يرحل فجأة تاركاً وراءه جماعات مطالبة بأن تقرر من تكون، وتحت أي علم، وفي أي دولة تريد أن تعيش؟

عندما وُلد أبو الظفر سِراجُ الْدین محمد بُهادر شاه ظفر عام 1775، كان ينتمي إلى واحدة من أعظم الأسر الحاكمة في التاريخ.
فقد حكم المغول أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية منذ أن أسس بابر دولتهم في القرن السادس عشر، وبلغت الإمبراطورية في عهود أكبر وشاه جهان وأورنكزيب ذروة المجد والقوة.
لكن العالم الذي ورثه بهادر شاه لم يكن مثل عالم أجداده، فمنذ وفاة الإمبراطور أورنكزيب عام 1707، أخذت السلطة المركزية تتفتت، وفي المقابل، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تتحول تدريجياً من مؤسسة تجارية أجنبية إلى قوة عسكرية وسياسية جبارة تمتلك الأرض والجند.
فحين اعتلى عام 1837، كان اللقب الإمبراطوري أضخم بكثير من السلطة الحقيقية التي يملكها، ولم يبق له سوى القلعة الحمراء ومجال نفوذ محدود جداً في دلهي، لدرجة أن الشركة كانت تدفع له مخصصاته البالغة 90 ألف روبية شهرياً وتراقب البلاط بدقة عبر ممثلها السياسي، بل وتجرده تدريجياً من صلاحياته، كإلغاء العملة التي كانت تُضرب باسمه.
إلا أن فقدان القوة السياسية لم يؤد إلى اختفاء البلاط ثقافياً، فقد كان ظفر شاعراً رقيقاً يكتب بالأردية، واتخذ من كلمة ظفر أي النصر اسماً أدبياً، في مفارقة مبكية لرجل لم يذق طعم النصر العسكري قط.
احتضن قصره كبار شعراء دلهي مثل غالب وذوق، وبدا البلاط في سنواته الأخيرة وكأنه يعيش حالة من الإنكار الحالم، فالمركز السياسي القديم يموت، بينما يواصل إنتاج الشعر والفن محتضناً ذاكرة أمة بأكملها.
لم تقتصر السيطرة البريطانية على المدافع والاتفاقيات المجحفة، ففي عام 1835، أي قبل اعتلاء ظفر العرش بعامين، كتب اللورد توماس بابينغتون ماكولي مذكرته الشهيرة حول التعليم، والتي تُعد أعمق وثيقة تعبر عن الغزو الثقافي الاستعماري.
كان السؤال الإداري المطروح: أين تنفق الحكومة أموال التعليم؟ هل تستمر في تمويل التعليم باللغات العربية والفارسية والسنسكريتية، أم تتجه نحو الإنجليزية والعلوم الغربية؟
جاءت إجابة ماكولي متجاوزة للمسألة المالية لتصدر حكماً حضارياً بالإعدام على الثقافة الشرقية، وبكل غطرسة، كتب ماكولي كلمته الشهيرة: "إن رفاً واحداً من مكتبة أوروبية جيدة يساوي كامل الأدب المحلي للهند والجزيرة العربية".
لم يكن هدف ماكولي تعليم ملايين الهنود، بل صناعة نخبة هجينة تقود المجتمع نيابة عن المستعمر، وشرح هدفه بوضوح صارخ، من خلال "تكوين طبقة تكون وسيطاً مترجماً بيننا وبين الملايين الذين نحكمهم، طبقة من أشخاص هنود في الدم واللون، لكنهم إنجليز في الأذواق والآراء والأخلاق والعقل".
هنا، انتقل الاستعمار من احتلال الأرض إلى احتلال الوعي، لم تعد المسألة من يحكم الهند؟، بل بأي لغة يفكر المتعلم الهندي؟
أغلقت المدارس الدينية، وألغي الدعم عن العربية، وبدأ الشقاق العميق داخل الهوية الهندية، ليصبح التعليم هو الميدان الأول للصراع الحضاري.
تراكمت المظالم السياسية والاقتصادية والمخاوف الثقافية حتى انفجرت في مايو 1857 فيما عُرف بثورة الهند الكبرى عند الهنود والتمرد الهندي عند البريطانيين.
وقد ارتبطت الشرارة الأولى بقصة خراطيش بنادق إنفيلد التي شاع أنها مدهونة بشحم الأبقار والخنازير، وهو ما يستفز عقائد الهندوس والمسلمين معاً.

تمرد الجنود وقتلوا جنوداً بريطانيين، واندفعوا نحو دلهي مقتحمين القلعة الحمراء، وطلبوا من بهادر شاه ظفر أن يتزعم حركتهم.
لكن الإمبراطور الثمانيني لم يكن يملك جيشاً ولا جهاز دولة، ولم يكن يتمنى هذه المواجهة المفتوحة، لكن الثوار كانوا يبحثون عن رمز، كانوا يحتاجون إلى اسم يمنح تمردهم شرعية تاريخية تتجاوز كونهم مجرد جنود متمردين.
رضخ الإمبراطور وأصدر بيانات الجهاد، فصارت مأساة ظفر مزدوجة: لم يملك من القوة ما يكفي لرفض قيادة الثورة، ولم يملك من القوة ما يكفي لضبط فصائلها المسلحة.
بعد حصار لمدة سنتين، استعادت بريطانيا دلهي في سبتمبر 1857 بوحشية بالغة، بلغت ربط المتمردين على فوهات المدافع وتمزيق أجسادهم بقذائفها، وسلم بهادر شاه نفسه بعد ضمان حياته.
هنا برزت واحدة من أكثر فصول الاستعمار دموية وصلفاً، حيث أقدم النقيب هودسون على اعتقال أبناء الإمبراطور وحفيده، وجردهم من ملابسهم وقتلهم بدم بارد، واختلق قصة كاذبة عن مقاومة مسلحة ليصنع لنفسه مجداً شخصياً.
ثم جاءت المسرحية القضائية: محاكمة الإمبراطور في 1858، حيث يكشف كريبال تشاندرا ياداف في كتابه السيادة والرعية والعدالة الاستعمارية: إعادة النظر في محاكمة بهادور شاه، 1858عن التناقض الفج في هذه المحاكمة.
إذ كيف يمكن لشركة تدعى شركة الهند الشرقية أن تحاكم إمبراطوراً ذا سيادة، معترفاً بمركزه القانوني حتى الأمس القريب، بتهمة الخيانة؟
وقد تخبط البريطانيون حول شكل الإجراء، هل هي محكمة عسكرية؟ أم لجنة تحقيق؟ في النهاية، حُوكم ظفر بتهمة خيانة الشركة، في دلالة رمزية واضحة بأن النظام الاستعماري لا يحاكم رجلاً، بل يدفن نظاماً سياسياً وإمبراطورية استمرت لأكثر من ثلاثة قرون.
أُدين ظفر، ونُفي إلى رانغون في بورما ليقضي بقية أيامه سجيناً يكتب الشعر الحزين بقطع الفحم على الجدران بعد حرمانه من أي أوراق أو أقلام، وقد جمع ما تيسر من أشعاره في ديوان بعنوان كُلِّيّات ظفر.
فكان في آخر عمره في المنفى، لا يجد له ولا لعائلته إلا 11 روبية في اليوم تلقيها إليه الحكومة البريطانية، وتزيدها روبية واحدة في أحد أيام الأسبوع إمعاناً في إذلاله، إلى أن توفي عام 1862.
وقد أخفى البريطانيون مكان دفنه كي لا يتحول إلا مزار أو رمز يجمع حوله الهنود من جديد، ولم يُكتشف إلا صدفة بعد قرابة 130 سنة، في عام 1991 أثناء عمليات حفر لوضع مواسير الصرف قام بها بعض عمال البلدية.
بسقوط دلهي، أصبحت الهند رسمياً جوهرة التاج البريطاني، ووُضع المسلمون أمام جدار مسدود: ضاعت السلطة، فكيف نُبقي على الهوية؟
ما أدى إلى انشطار الرد الإسلامي الهندي إلى مسارين رئيسيين، من خلال التحصن والانعزال في مدرسة ديوبند التي أسسها علماء الأحناف في 1866 لتكون حصناً ثقافياً يحفظ العلوم الشرعية واللغة العربية، ورفضت ديوبند تعليم الإنجليزية والعلوم الغربية تماماً، خوفاً من مخطط الاستلاب الماكولي.
أما المسار الآخر فكان الاستيعاب البراغماتي في جامعة عليكره بقيادة السير سيد أحمد خان، الذي رأى أن بقاء المسلمين يتطلب التصالح مع الإنجليز، وإتقان لغتهم، وتعلم علومهم الحديثة للاندماج في مؤسسات الدولة الجديدة.
لم يكن الخلاف مجرد مناهج دراسية، بل كان تجسيداً لسؤال الهوية: كيف ندخل العصر الحديث دون أن نصبح مجرد نسخ مشوهة من المستعمر؟ وفي ظل تيار التغريب، نبتت حركات انحرافية برعاية بريطانية كالقاديانية والأحمدية لتعميق تمزيق الصف المسلم.
كان الرمز الأخير الذي يتعلق به مسلمو الهند هو الخلافة العثمانية، فشكل المسلمون جمعية إحياء الخلافة في الهند لدعم العثمانيين، لكن قرار مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء الخلافة رسمياً عام 1924 شكل صدمة زلزلت كيانهم.
في قلب هذا الزلزال، كان هناك صحفي ومفكر شاب يُدعى أبو العلاء المودودي بن أحمد حسن مودودي، أدرك أن الأزمة ليست سياسية فحسب، بل حضارية وعقائدية، وفي كتاباته، مثل كتاب مبادئ الإسلام والإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، قدم المودودي تحليلاً لتفكيك الفلسفات الغربية.
كان والده محام ناجح، لكنه قرر فجأة التضحية بالثروة باعتزال المحاماة لتجنب الدفاع عن ظالمين وبفرض تعليم منزلي صارم على ابنه بعيداً عن منظومة التعليم البريطانية، يتعلم فيه العربية والفارسية إضافة إلى الأردية، ثم مات مبكرا وترك ابنه يواجه فقراً مدقع، دفعه إلى تحدي الصعاب مبكراً.
لم يكتف المودودي برفض ماكولي، بل قارع الأسس الفكرية للغرب، ففند الداروينية معتبراً إياها محاولة لتبرير قانون الغابة الاستعماري بحجة البقاء للأقوى، وهاجم الماركسية لتقزيمها الإنسان واعتباره مجرد حيوان اقتصادي تقوده بطنه لا روحه ومبادئه.
وفي عام 1932 أسس المودودي مجلة ترجمان القرآن، وقد ترجمت بعض مقالاته إلى العربية منها كتاب الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة 1971.
وبالنسبة للمودودي، كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة دينية، بل هي إعلان ثورة سياسية تعني الحاكمية لله وحده، وترفض استعباد البشر للبشر، سواء عبر الاستعمار البريطاني أو عبر القوميات الحديثة العلمانية، لم يكن المودودي يدعو للتدين الفردي، بل لإعادة تصور الإسلام كنظام شامل للحياة.
مع اقتراب نهاية الاستعمار البريطاني في أربعينيات القرن العشرين، برز سؤال جديد: ماذا سيحدث لملايين المسلمين إذا تحولت الهند إلى ديمقراطية تحكمها أغلبية هندوسية تحمل نزعات قومية إقصائية؟
رأى محمد علي جناح زعيم رابطة مسلمي الهند أن الحل هو إقامة وطن سياسي منفصل يضمن للمسلمين حقوقهم وأمنهم، لتولد فكرة حركة باكستان، وكان جناح يطمح لدولة قومية حديثة يكون المسلمون أغلبية فيها، لكنها علمانية في توجهاتها القانونية.
بينما أسس أبو الأعلى المودودي الجماعة الإسلامية في لاهور عام 1941، وعارض في البداية مشروع تقسيم الهند ، متخوفاً من أن تأسيس دولة على النمط الغربي حتى لو ضمت أغلبية مسلمة سينتج دولة علمانية لا تُحكِم شرع الله، وكان يسأل: ما هو النظام الذي سيحكم هذا الوطن؟.
في صيف 1947، قرر البريطانيون الانسحاب السريع، وكُلف المحامي البريطاني سيريل رادكليف الذي لم يكن زار الهند من قبل برسم الحدود بين الهند وباكستان في خمسة أسابيع فقط، وتم الإعلان عن خط الحدود بعد الاستقلال بيومين.
بين ليلة وضحاها، وجد الملايين أنفسهم أقليات في دول يخشون فيها على حياتهم، وتحولت المخاوف إلى ذعر، والذعر إلى واحدة من أكبر وأبشع حركات النزوح في التاريخ البشري.
اندلعت مجازر طائفية مروعة في البنجاب والبنغال، وهوجمت قرى، وأُحرقت منازل، واغتُصبت عشرات الآلاف من النساء كأداة للإذلال الطائفي.
وتحولت القطارات المكتظة باللاجئين إلى قطارات الموت التي تصل محطاتها وعلى متنها جثث القتلى، حيث قُتل ما يزيد عن 600 ألف إلى مليون إنسان، ونزح أكثر من عشرة ملايين.
لكن بمجرد قيام باكستان واستقرار المودودي فيها، تغيّرت المعادلة، وخاض عبر الجماعة الإسلامية، كفاحاً سياسياً ودستورياً مريراً لفرض الطابع الإسلامي على الدولة الوليدة.
اصطدمت حركة المودودي بالأنظمة السياسية والعسكرية، وتعرض للاعتقال، بل وصدر بحقه حكم بالإعدام عام 1953 بسبب مواقفه المنتقدة للدولة في قضية كشمير والفتنة الأحمدية، ورفض أن يعتذر أو يلتمس الرحمة، فأندلعت المظاهرات المؤيدة له وخُفف الحكم لاحقاً، وذلك.
ومع ذلك، أثمر كفاحه الدستوري حين أُقر دستور عام 1956 الذي نص على جمهورية باكستان الإسلامية، مما اعتبره المودودي انتصاراً تاريخياً أدخل القوى الإسلامية في البنية السياسية للدولة الحديثة.
لاحقاً، تطورت الجماعة الإسلامية، وعاصرت انفصال بنغلاديش عام 1971 الذي رفضته، ثم تحالفت مع الجنرال ضياء الحق في مشروع أسلمة الدولة والجهاد الأفغاني ضد السوفييت.




