الحديثُ عن المال حديث تُرهف له الآذان، وتنجذب إليه الأسماع، فشغف الناس بكل ما يتصل به لا يكاد يُحد، حتى لو لم يكن سوى صورة لكومة من النقود على طاولة عابرة، فالإنسان مجبول على حبه، لأنه عماد العيش وقِوام الحياة.
يقول الله تعالى في سورة آل عمران: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ”
ورغم حب المال الذي جُبل عليه البشر، إلا أن هذه الآية تليها مباشرة دعوة ربانية على صيغة سؤال متبوع بجواب قطعي، يقول الله تعالى فيها: “قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ”، ومن أبواب هذا الخير المفضي إلى رضوان الله بفضله فريضة الزكاة.
في بودكاست نماء، استضاف السيد أحمد الجناحي مساعد مدير إدارة شؤون الزكاة لخدمات الجمهور في دولة قطر، السيد يوسف بن حسن الحمادي، في حديث كشف كثيراً من ملامح العمل المؤسسي الذي ينهض بهذه الفريضة.
كان أول ما أكد عليه الحمادي في بداية الحلقة بابتسامة رضا هادئة لم تفارقه طوال اللقاء أن إيرادات إدارة شؤون الزكاة ارتفعت في عام 2025 وكذلك ارتفعت معها المصروفات على المستحقين للزكاة، متجاوزة في هذا العام وحده 300 مليون ريال قطري.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه كما قال الجناحي، هل يكفي هذا الرقم لتغطية جميع الطلبات؟
بكلمة واحدة واثقة قال الحمادي إن جميع الطلبات المقدمة في 2025 والمُرَحَّلة من 2024 حرفياً (تسكرت)، وبَيّن أن جميعها أُنجزت سواء بالقبول وتوصيل الزكاة لمستحقها، أو بالرفض لعدم الاستحقاق الشرعي مع إرسال رسالة توضح سبب عدم الاستحقاق.
كما لم يُرحل للعام التالي سوى حوالي 300 طلب مساعدة فقط قُدمت في أخر أسبوعين من السنة المالية 2025، من أصل حوالي 18 ألف طلب، وقد تم البت فيها بدورها سريعاً خلال شهر يناير 2026.
وفي معرض الرد على ما يُثار حول تشدد الإدارة في المستندات المرفقة المطلوبة، استعار الحمادي تشبيهاً بليغاً قائلاً: إذا كانت الكعبة قبلة المصلي، فإن المستحق الحقيقي للزكاة هو قبلة المزكي.
فالزكاة لا تبرأ الذمة بإرسالها إلى غير مستحق، إن لم يُبذل الجهد في التثبت من حاله، ومن هنا جاءت الإجراءات الدقيقة، أمانة أمام الله أولاً، وحفاظاً على مصداقية الإدارة أمام من أوكلوها في إخراج زكواتهم نيابة عنهم ثانياً.
وقد سعت الإدارة في عام 2025 إلى تبسيط هذه الإجراءات، فاختصرت مراحل الطلب من ست عشرة مرحلة إلى سبع، ضمن تكامل مؤسسي يوازن بين التيسير والتحقق، إذ إن الاستحقاق الظاهر مناط الحكم، والله أعلم بالسرائر.
وفي بيان ضوابط الاستحقاق، أشار الحمادي إلى ما ورد في الحديث النبوي الشريف، فقد أخرج شعيب الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار أنه عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عَديِّ بنِ الخِيارِ، قال: “حدَّثني رَجُلانِ من قَومي أنَّهما أتَيا النَّبيَّ ﷺ وهو يَقسِمُ الصَّدَقةَ، فسَأَلَا منها، فرَفَعَ البَصَرَ وخَفَضَه، فرَآهما جَلْدينِ قَويَّيْنِ، فقال: إنْ شِئتُما فَعَلتُ، ولا حَقَّ فيها لغَنيٍّ، ولا لقَويٍّ مُكتَسِبٍ”.
موضحاً أن الزكاة لا تجوز لمن يملك ما يسد حاجاته الأساسية، سواء من مال مدخر أو قدرة على الكسب، واستعرض أمثلة واقعية لطلبات رُفضت، كمن يملك مدخرات مصرفية، أو أصولاً مالية يمكنه تسييلها، أو سجلاتٍ تجارية تدر أرباحاً، أو ممتلكات تفوق حاجته الفعلية.
ومن المفارقات التي ذكرها، اتصالُ سيدة تسأل عن حكم أخذها زكاة والدها رغم كفايتها المالية، فجاء الجواب بأنها غير مستحقة، وعليها إخراج زكاة والدها لمن تنطبق عليه شروط استحقاقها الشرعية.
فالزكاة، كما شدد الحمادي، ليست هدية، بل فريضة وأمانة، ينبغي ألا تُفتت إلى مبالغ صغيرة تُوزع عشوائياً على البسطاء، بل تُوجه إلى من أُغلقت في وجوههم السبل، وعجزوا عن تأمين أساسيات الحياة لهم ولمن يعولون.
وبحسب ما أوضح، فإن نوع الاستحقاق يُحدد وفق الأصناف الثمانية الواردة في الآية 60 من سورة التوبة، التي يناقشها بودكاست نماء في عدة حلقات مع أصحاب الفضيلة من المشايخ.
وعن تساؤل الجناحي عن إمكانية تقديم إدارة شؤون الزكاة نصائح واستشارات مالية لشخص رُفض طلبه، بسبب سوء إدارته لأمواله وأملاكه، أجاب الحمادي أنه توجد في قطر جهات متعددة متخصصة في هذه الأمور، ولا يُنتظر من إدارة شؤون الزكاة أن تتفرغ لأعمال أخرى بخلاف الزكاة جمعاً وتوزيعاً وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى التوعية بها سواء للمزكي أو للمستحق.
ومن القضايا التي ترغب إدارة شؤؤن الزكاة في تسليط الضوء عليها ليست فقط شروط الزكاة وأحكامها، بل أيضاً التوعية الاستباقية بكيفية تجنب الوقوع في الديون، مثل شخص أثقل نفسه بديون ناتجة عن كماليات لا ضرورة لها، مثل حفر مسبح في بيته وما يترتب عليه من تكاليف صيانة وخلافه.
أو شخص يرغب في دخول عالم التجارة بدون علم أو خبرة فيقترض مبلغاً ثم يخسره بسوء تدبيره في هذه التجارة، ويصبح مديناً.
وعن بنود الـ 175 مليون ريال مساعدات التي قدمتها إدارة شؤون الزكاة للأسر المستحقة في 2025 قال الحمادي إنها تنقسم إلى مساعدات مقطوعة تعطى مرة واحدة لترفع أزمة، وبعدها يصبح الشخص غير محتاج، في مقابل مساعدات في حالات أخرى شهرية لمدة نصف سنة، ثم تعيد الإدارة التأكد من استحقاق الحالة بدراستها من جديد.
يعيب هذا النوع من المساعدات الشهرية أن البعض قد يتكل عليها ويكتفي بالزكاة، ولا يبحث عن مصدر دخل يغطي احتياجاته، لذلك بعد 6 شهور تقوم الإدارة بخفض المبلغ المقدم تدريجياً لتحفيز الشخص على البحث عن مصدر دخل يكفيه.
وعن كيفية تحديد المبلغ المستحق، قال الحمادي إن هناك تصنيفات وضعتها الإدارة هدفها تحقيق الحد الأدنى من الكفاية لمدة سنة، ويحدد مبلغ الحد الأدنى حسب الجنسية سواء قطري أو عربي أو أعجمي، كما أن هناك ربط بين إدارة شؤون الزكاة ومركز قطر للمعلومات الائتمانية، لمعرفة مقدار دخل كل حالة وما عليها من التزامات.
وعن سداد الإدارة في 2025 أكثر من 102 مليون ريال استفادت منها أكثر من 4800 حالة، قال الحمادي إن متوسط المساعدة للحالة الواحدة كان في حدود 20 ألف ريال لتغطية مصاريف دراسية في مدارس خاصة من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلةالجامعية، لأولئك الذين لا يستطيعون الالتحاق بالتعليم الحكومي من أصحاب الدخل المحدود.
ونوه الحمادي أن الإدارة لا تقوم بمتابعة المستوى التعليمي للمستفيدين لأنها ليست جهة منح دراسية، ودورها فقط تقديم مساعدة فصلية للمستحقين شرعاً، لا تقييمهم أكاديمياً.
وتساءل الجناحي عن بقية المصارف الثمانية، أجاب الحمادي أن المسميات المعاصرة قد تؤدي إلى إلتباس، لكن العبرة أن ضابط الاستحقاق للزكاة مرتبط في الإدارة دائماً بأحد الأصناف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة، مثال ذلك رسوم العلاج أو مصاريف التعليم تقع ضمن مصرف المساكين لمن عجز عن سدادها، بينما الفقير هو من لا يجد قوت يومه، وطبعا الغارمين بندهم واضح بنص القرآن.
وعن التفاوت بين حصة كل فئة من الزكاة، قال الحمادي إن التوجه يرتبط بالتوجه العام في البلد، لذلك إدارة شؤون الزكاة تعنى بأسر الداخل لأنها تقريبا الجهة الوحيدة المعنية بهم، بينما بعض مصاريف العلاج توجد لها صناديق في مستشفى حمد تتكفل بها.
الزيارات الميدانية تلعب دوراً هاماً في التوعية، لأنها زيارات تقوم بها الإدارة لأصحاب رؤوس الأموال لتذكيرهم بفريضة الزكاة وحضهم على أدائها، وأغلب الأفراد يؤدون زكواتهم في شعبان ورمضان وذي الحجة، بينما الشركات تؤدي زكواتها غالباً في نهاية السنة المالية.
ومن الإنجازات المهمة، إطلاق الإدارة على موقعها تطبيق حاسبة زكاة الشركات في مطلع 2026 وجرى العمل على تحضيرها منذ منتصف 2025، قبل ذلك كانت العملية الحسابية يدوية لتحديد ما يدخل في الوعاء الزكوي مع استيفاء الشروط الشرعية، خاصة أن إدارة الزكاة تابعة لوزارة الأوقاف المسؤولة عن العمل الشرعي الإسلامي والفتاوى، وأي خلاف فقهي يرد أمره للجنة الشرعية التابعة لسعادة وزير الأوقاف للبت فيه.
من أهداف إدارة شؤون الزكاة في 2026 صرف كل مبالغ الزكاة الواردة كما حدث في 2025، طبعاً بعد التأكد من استحقاق المستفيدين بما يبرئ شرعاً أمام الله سبحانه وتعالى ذمة المزكين وأيضاً ذمة العاملين في الإدارة كوكلاء عن هؤلاء المزكين.
ومن أهداف الأخرى للإدارة في 2026 التوعية بالزكاة للمزكي والمستحق على حد سواء، والتوعية بضرورة تجنب ديون شراء الكماليات، وهذا البودكاست جزء من هذه التوعية.
أيضاً تسعى الإدارة في 2026 إلى تسهيل الخدمات الذاتية المتعلقة بحساب الزكاة وأدائها، وتسعى كذلك في 2026 إلى أن تكون جميع خدماتها متاحة في أجهزة أمام الجمهور سواء للمزكين أو للمستفيدين المستحقين، مع الإبقاء على الخدمات التقليدية من خلال موظفي الإدارة مراعاة لكبار السن غير المتقبلين لأدوات التكنولوجيا الحديثة.
في الختام أضاف الحمادي أن هناك تفاصيل كثيرة متعلقة بالزكاة تأخذها الإدارة بعين الاعتبار تحتاج إلى بحث ودراسة ونقاشات فقهية وعلمية، سائلاً المولى عز وجل السداد والتوفيق لكل مزكي في وصول زكاته لمستحقيها لأن زكاته أمانة.




