في بودكاست نماء، استضاف أحمد الجناحي الدكتور عبد السلام أبو سمحة، الأستاذ المشارك في الحديث النبوي الشريف بجامعة قطر، للحوار حول مفهوم العبادة ووقتها بشكل عام، والزكاة وحولها بشكل خاص.
فحين يُقسِم القرآن الكريم بالعصر والفجر والضحى والليل والنهار، فإن المسألة تتجاوز حدود البلاغة وجمل التعبير إلى بناء وعي كامل بقيمة الزمن في حياة الإنسان، فالوقت في الرؤية الإسلامية ليس فراغا عابرا يملؤه الإنسان بما شاء، ولا مساحة هامشية تقع خارج دائرة المسؤولية، بل هو وعاء العمر، وميدان الاختبار، وسجل العمل، والميزان الذي تظهر فيه جدية الإنسان في علاقته بربه ونفسه ومجتمعه.
يرى الدكتور أبو سمحة أن الوحي يخاطب أمة تحتاج إلى إعادة بناء علاقتها بالزمن، فالعرب قبل الإسلام لم يكونوا أمة مؤسسات منظمة بالمعنى الحضاري الواسع، ولم يكن الوقت في حياتهم يمثل قيمة إدارية أو إنتاجية كبرى، فجاء الإسلام لينقلهم من حالة العيش العفوي غير المنظم إلى حالة الأمة صاحبة الرسالة، التي تعرف قيمة الوقت.
من هنا يصبح القَسم بالزمن في العديد من الآيات والسور القرآنية تنبيهاً حضارياً قبل أن يكون مجرد لفتة بيانية، ويضع الإنسان أمام حقيقة أن الزمن ليس محايداً، فكل لحظة تمر إما أن تكون في رصيد الإنسان أو عليه، وكل يوم يمضي إما أن يقربه من معنى وجوده أو يضيف إلى خسارته.
في قلب هذا التنبيه تأتي العبادات المفروضة، وكلها موقوتة، فالصلاة وهي عماد الدين، لم تترك لاختيار الإنسان، بل رُبطت بمواقيت محددة، هذا الارتباط تدريب يومي للمسلم على الانضباط والنظام، فالمسلم الذي يعرف أن عليه أن يستيقظ للفجر، وأن يقف في منتصف يومه للظهر، وأن يراجع نفسه في العصر، وأن يختم نهاره بالمغرب والعشاء، يتعلم أن حياته ليست سائبة، وأن يومه ينبغي أن يكون موزعاً على محطات من تجديد العهد.
وهنا، العبادة لا تعزل الإنسان عن الحياة، بل تعيده إليها أكثر ارتباطاً بها وانتظاماً، فالصلاة ليست حركات بلا أثر، والصوم ليس امتناعاً جسدياً مجرداً عن الطعام والشراب والشهوات، والزكاة ليست انفاقا ماليا خال من المعاني، فكل عبادة في الإسلام تحمل أثراً روحياً وسلوكياً، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم يربي التقوى وضبط النفس، والزكاة تطهر المال والنفس، ولذلك فإن ربط العبادة بالوقت هو في جوهره ربط للسلوك الإنساني بالنظام والانضباط.
يؤكد الدكتور أبو سمحة أن الوقت في الصلاة جزء من العبادة نفسها، فالمسلم يستطيع أن يتنفل متى شاء، لكن الصلوات المفروضة لها أوقات محددة، ومع ذلك فإن التحديد ليس قاسياً ولا مرهقاً، إذ لم تلزم الشريعة الإنسان بالدقيقة والثانية، بل جعلت لكل صلاة وقتاً واسعاً يراعي أحوال الناس، فكل فرض له بداية ونهاية، هذه المرونة تكشف عن توازن دقيق في التشريع، يراعي الضبط بلا حرج، والتنظيم بلا اختناق، والمسؤولية بلا عنت.
ومن أهم ما يلفت النظر كما يقول ضيف الحلقة التمييز بين النظام الشمسي والنظام القمري في العبادات، فالصلاة عبادة يومية، ولذلك ارتبطت بالشمس، لأن الشمس هي الأقدر على ضبط إيقاع اليوم، مما يجعل الصلاة منسجمة مع حركة الليل والنهار، فالإنسان يعيش يومه بالشمس، فيعمل بالشمس، وينام ويستيقظ وفق إيقاع الضوء والظلام، ومن ثم جاءت الصلاة متصلة بهذا النظام الكوني اليومي.
أما العبادات الموسمية، كصوم رمضان والحج، فقد ارتبطت بالنظام القمري في بداياتها ونهاياتها، فيأتي في جميع فصول السنة صيفاً وشتاء وربيعاً وخريفاً، فدخول رمضان وخروجه يكونان برؤية الهلال أي بالشهور القمرية، وكذلك الحج .
غير أن تفاصيل الأداء داخل هذه العبادات القمرية تعود إلى النظام الشمسي، فالإفطار في رمضان يكون بغروب الشمس، والإمساك يكون بطلوع الفجر، ومناسك الحج ترتبط في كثير من تفاصيلها بالزوال والغروب والليل والنهار، وهكذا يعيش المسلم بين نظامين كونيين، لا ينغلق على واحد منهما، بل يتعامل مع الكون كله باعتباره كتاب الله المنظور، كما وصفه الدكتور أبو سمحة.
وقد توقف الدكتور أبو سمحة عند عبارة شائعة يقولها بعض الناس وهي "أريد أن أقتل الوقت"، هذه العبارة تكشف خللاً عميقاً في الوعي، فالوقت ليس عدواً حتى يقتل، بل نعمة تسأل عنها، والفراغ ليس شيئاً ينبغي التخلص منه، بل فرصة للتعلم والبر والعمل، وهذه الساعات التي يقضيها الإنسان بلا هدف أمام الهاتف أو في اللهو الفارغ ليست مجرد وقت ضائع، بل جزء من العمر الذي لن يعود.
الوقت الذي يمضيه الإنسان مع والديه لن يعود، وفترة الدراسة لن تعود، وبدايات العمل لن تعود، وسنوات الشباب لن تعود، لذلك فإن استثمار الوقت ضرورة إنسانية وحضارية، والأمة التي تضيع أوقات شبابها تضيع طاقتها ومستقبلها، والأفراد الذين لا يتعلمون تنظيم أوقاتهم مبكراً يصعب عليهم أن يصنعوا أثرا حقيقيا في حياتهم ومجتمعاتهم.
هذا التداخل بين تنظيم الوقت الشمسي والقمري في العبادة يحمل دلالة حضارية ومعرفية، فقد أسهمت الحاجة إلى معرفة المواقيت، ورصد الأهلة، وتحديد القبلة، وحساب الشهور، في تنشيط العقل العلمي عند المسلمين، ودفعتهم مبكراً إلى تطوير علوم الفلك والرياضيات والجغرافيا.
العبادة هنا لم تكن خصما للعلم، بل كانت دافعا إليه، فالمسلم يحتاج إلى معرفة حركة الشمس ليصلي، وإلى تتبع القمر ليصوم ويحج، وإلى الحساب الدقيق ليزكي، وبذلك صار الدين قوة منظمة للعقل، لا مجرد علاقة وجدانية معزولة عن الواقع.
وفي هذا السياق تأتي الزكاة بوصفها عبادة مالية موقوتة، لكنها تختلف عن الصلاة والصيام والحج في طبيعتها، فالصلاة واجبة يومياً على كل مسلم مكلف، والصيام واجب في شهر محدد على عموم المكلفين القادرين، والحج واجب في زمن محدد لمن استطاع إليه سبيلا.
أما الزكاة فهي من وجهة نظر الدكتور أبو سمحة مرتبطة بالمال والنصاب والحول، وليست واجبة على جميع المسلمين في اللحظة ذاتها، بل لكل إنسان حوله الخاص بحسب تاريخ امتلاكه للنصاب، فمن بلغ ماله النصاب بدأ حساب الحول، فإذا مضى عليه عام قمري كامل وجبت الزكاة.
وهنا تظهر عبقرية الحول في بناء الوعي المالي، ففكرة مرور عام على المال ليست تفصيلاً فنياً بسيطاً، بل هي طريقة لتعليم المسلم المحاسبة السنوية قبل ظهور الموازنات الحديثة، فحين يبلغ المال النصاب، يبدأ الإنسان في مراقبة ماله، ماذا دخل، وماذا خرج، وما الذي بقي، وما الذي نما، وما الذي نقص، ثم في نهاية الحول يصبح مطالباً بجرد حسابه المالي، هذه العملية تسبق من حيث الجوهر، فكرة الميزانية السنوية التي تعتمدها المؤسسات والشركات والدول.
ولذلك يرى الدكتور أبو سمحة أن الحول سبق كثيرا من فلسفات المحاسبة الحديثة، فكل مؤسسة محترمة اليوم تضع ميزانية، وتراجع إيراداتها ومصروفاتها، وتحسب فوائضها وخسائرها، لكن الزكاة علمت الفرد المسلم منذ قرون أن يفعل ذلك في حياته الشخصية، فالمسألة ليست أن يكون الإنسان بخيلاً أو أسيراً للأرقام، بل أن يكون واعياً بمداخله ومخارجه، قادراً على إدارة ماله بمسؤولية، ومدركاً أن في ماله حقا لغيره إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول.
ومن المعاني المهمة في الزكاة أنها لا تنظر إلى المال بوصفه ملكية فردية مطلقة بلا تبعات، فالمال في الإسلام أمانة، والفقير له فيه حق معلوم، لذلك يميز الدكتور أبو سمحة بين الدَين الذي يقترضه الإنسان من الناس والدين المترتب على عدم إخراج الزكاة، فالدين العادي يشهد عليه الناس، أما حق الفقراء فيشهد عليه الله، وهذه عبارة شديدة الدلالة، لأنها تنقل الزكاة من خانة العمل الخيري الاختياري إلى خانة الحق الواجب، فالمستحق للزكاة ليس متسولاً ينتظر فضل الغني، بل صاحب حق في مال بلغ النصاب وحال عليه الحول.
ومن هنا، يؤكد ضيف الحلقة على خطورة التهاون في حساب الزكاة، فبعض الناس قد يظنون أن الأمر واسع إلى درجة الإهمال، أو أن تأخير الزكاة لا يحتاج إلى عناية، لكن الحقيقة أن الزكاة إذا وجبت صارت دينا في الذمة، فإذا أراد الإنسان أن يؤخر إخراجها إلى رمضان مثلا طلباً لفضل الزمان أو لحاجة يراها، فعليه أن يكون واعياً بأنها لم تعد مالاً خالصاً له، بل باتت حقاً في ذمته لمستحقي الزكاة، لذلك من الحكمة أن يخبر أهله أو يكتب في وصيته إن خشي أن يدركه الموت قبل إخراجها، لأن الأمر متعلق بحقوق بشر.
ونوه الدكتور أبوسمحة أن في الحوار إلى مسألة مهمة تتعلق بالحساب القمري والميلادي، فالأصل في الزكاة أنها تحسب بالحول القمري، كون أن السنة الهجرية أقصر من السنة الميلادية بنحو أحد عشر يوماً، وقد يبدو الفرق يسيراً في سنة واحدة، لكنه يتراكم عبر السنوات، خصوصاً في الشركات والمؤسسات ذات الأموال الكبيرة، فإذا اعتمدت شركة الحساب الميلادي دون مراعاة الفرق، فقد ينشأ تراكم كبير في الزكاة على المدى الطويل، لذلك أشار الدكتور أبو سمحة إلى أن جهات الفتوى والمختصين في الزكاة وضعوا معادلات للتعامل مع الشركات التي تعتمد ميزانياتها على السنة الميلادية، بحيث لا يضيع حق مستحقي الزكاة بسبب اختلاف التقويم.
وفي مسألة الرواتب الشهرية، يرى الدكتور أن الحول لا يعني أن يحسب الإنسان لكل مبلغ صغير يدخل عليه حولاً مستقلاً بطريقة تربكه وتشل حياته، فإذا بلغ المال النصاب، بدأ الحول، ثم تضاف إليه المدخرات والفوائض التي تأتي بعد ذلك بدون حول مستقل لكل مبلغ إضافي فوق النصاب، وفي نهاية الحول يحسب الإنسان ما لديه من مال ويخرج زكاته.
كما تناولت الحلقة مسألة تغير جنس المال، كأن يملك الإنسان ذهباً أو نقداً ثم يشتري به عقاراً، هنا تصبح النية حاسمة، فإن اشترى العقار للسكن أو لحاجة أسرته، فلا زكاة عليه، أما إن اشتراه للتجارة والبيع والربح، دخل في عروض التجارة، وقيم عند الحول وأُخرجت زكاته، أما إن كان العقار للتأجير، فالأصل أن الزكاة تتعلق بالإيراد المتبقي المتراكم إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، لا بأصل العقار عند كثير من أهل العلم.




