في حلقة من برنامج بودكاست نماء، استضاف أحمد الجناحي المهندس سهيل علي بهزاد في حوار عن كيفية التعامل العملي مع المال سرد فيه تجربته الشخصية، وقدم نصائح حول أصول التعامل مع المال والتجارة، وكيف يمكن أن تتحول مفاهيم مثل الادخار، والاستثمار، وتجنب الديون، والزكاة إلى منظومة حياة تحفظ المال وتنميه.
فالمشكلة تبدأ حين يدخل الإنسان عالم التجارة بلا أساس مالي، وبلا معرفة، وبلا عادة ادخار، ثم يعتمد على الديون أو التسهيلات البنكية ليبني مشروعاً قد لا يصمد أمام أول اختبار، وقد لخص بهزاد هذه الفكرة حين قال إن التجارة تأتي في مرحلة لاحقة، أما البداية الحقيقية فهي من الصفر، أي الادخار أولاً، ثم الاستثمار، ثم التجارة لاحقاً.
يحمل علي بهزاد خلفية مختلفة عن الصورة النمطية للتاجر التقليدي، فقد نشأ في بيت كان والده يؤمن فيه بالمجال العلمي، ولذلك وجهه هو وأخويه إلى الدراسة العلمية، فأصبح مهندساً، ولم يكن أي منهم منخرطاً في التجارة العائلية قبل وفاة الوالد عام 1999، عندها وجدوا أنفسهم فجأة أمام شركات قائمة، ومسؤوليات مالية وإدارية وتجارية لم يكونوا قد تدربوا عليها من قبل.
من هذه النقطة تحديداً أخذت الحلقة بعدها الإنساني والعملي، فبهزاد لا يتحدث بوصفه مُنظراً مالياً، بل بوصفه شخصاً دخل التجارة اضطراراً، وتعلم من التجربة، ومن الأخطاء، ومن الاحتكاك بالموظفين والمناقصات والتسهيلات البنكية، ويروي أن أول ما واجهه هو واقع الاعتماد على البنك البريطاني والتسهيلات الربوية، وهو أمر شكل له صدمة بسبب الوازع الديني، ولذلك لم يكن هدفه الأول تطوير التجارة أو توسيعها، بل الخروج من هذا البنك الربوي.
وضرب الضيف مثلاً حين فسر معنى التسهيلات البنكية في عالم التجارة، بمناقصة قيمتها مليون ريال، يحتاج فيها التاجر إلى ضمان بنكي، ثم إلى تمويل لشراء البضاعة أو قطع الغيار، ثم ينتظر أشهراً حتى تسدد الجهة المستفيدة مستحقاته، وخلال هذه المراحل تكون الأموال في حقيقتها أموال البنك، لا أموال التاجر، ومعها تبدأ الفوائد الربوية التي قد تصل، بحسب المثال الذي ذكره، إلى 13 أو 14%.
ولكن يبقى السؤال مطروحاً، وهو كيف يدخل الشاب الحياة المالية بطريقة صحيحة؟ هنا يقدم بهزاد تصوراً متدرجا يبدأ من عادة بسيطة لكنها حاسمة، وهي اقتطاع 10% من الراتب منذ أول شهر عمل، ووضعها في حساب منفصل لا يُستخدم للنفقات اليومية، الفكرة ليست في حجم المبلغ فقط، بل في بناء العادة، فالادخار عنده ليس فائضاً مالياً يأتي بعد الإنفاق، بل قرار أولي يسبق الاستهلاك.
ويذهب بهزاد أبعد من ذلك حين يشرح أن هذه النسبة يجب أن تكون ديناميكية لا ثابتة، فإذا زاد الراتب زادت قيمة الادخار، فلا يبدأ الإنسان مثلا بادخار ألف ريال ثم يبقيها كما هي بعد ارتفاع دخله، بل يحافظ على النسبة نفسها، فتتسع قاعدة الادخار مع الوقت.
ولا يقدم الضيف الادخار بوصفه حرماناً، بل بوصفه تدريباً على الحرية، فمن لا يستطيع أن يقتطع 10% من دخله اليوم، قد يجد نفسه غداً عاجزاً عن اتخاذ قرارات مالية أكبر، ويستخدم لذلك مثالاً بسيطاً قريباً من حياة الشباب، فمصروف القهوة اليومية قد يساوي أو يتجاوز نسبة الادخار المطلوبة، ولذلك فإن المسألة ليست دائما في قلة الدخل، بل في نمط الإنفاق وترتيب الأولويات.
بعد مرحلة الادخار تأتي مرحلة الاستثمار، وهنا يرفض بهزاد القفز السريع إلى التجارة، فليس كل من جمع مبلغاً دخل السوق، وليس كل فرصة تبدو مربحة تستحق المغامرة، وهنا يوضح أن الإنسان بعد تكوين وديعة مناسبة يمكن أن يبدأ بالأسهم ذات العوائد المعقولة، ثم ينتقل تدريجياً إلى أدوات استثمارية أكبر عبر جهات موثوقة، مع التأكيد على اختياره الشخصي للمسارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
ولعل أكثر ما يميز الحلقة أنها تفرق بين الفرصة الاستثمارية والمصيبة المالية، فبهزاد يقدم قاعدة عملية لتقدير العروض الاستثمارية، فإذا جاءت صفقة تعد بأرباح ضخمة وغير منطقية، كأن يقال إن عائدها 500%، فهي ليست فرصة بل ورطة، بهذه البساطة يضعنا الضيف أمام معيار أولي للشك الصحي، فالأرباح المبالغ فيها غالباً تخفي خللاً ما.
وفي المقابل، لا يبيع الضيف وهماً وردياً عن التجارة، فهو يقول بوضوح إن التجارة ربح وخسارة، ومن يزعم أنه ربحان طوال عمره كذاب على حد تعبيره، والمشكلة ليست في الخطأ، بل في عدم التعلم منه، فالتاجر قد يخسر، وقد يتعثر، وقد يرتكب تقديراً خاطئاً، لكن الخطر الحقيقي أن يكرر الخطأ نفسه مرة بعد مرة دون مراجعة.
ومن المال والتجارة ينتقل الحوار إلى الزكاة، وهي محور أساسي في رسالة بودكاست نماء، وهنا يوضح بهزاد أن زكاة التجارة تختلف عن زكاة الأفراد، فالفرد قد يحسب ماله في نهاية الحول ويخرج زكاته، أما الشركات فلها حسابات أعقد ترتبط بالميزانية، والأصول، والالتزامات، والذمم، وطبيعة السنة المالية، ولذلك أشاد بدور صندوق الزكاة في تقديم دورات للمحاسبين والتجارة تعلمهم كيف يحسبون زكاة الشركات.
فالزكاة، كما يقول الضيف، ليست مالاً يخرج من السوق إلى فراغ، بل قوة تحرك السوق نفسه، وحين تصل الزكاة إلى الفقير أو المحتاج، فإنه ينفقها على حاجاته الأساسية، من طعام، وملابس، وسلع، وخدمات، وبذلك تعود الأموال إلى الدورة الاقتصادية، وتنتفع الدولة والمجتمع والتاجر نفسه.
وفي هذا التصور، تصبح الزكاة أكثر من واجب تعبدي، فهي آلية اجتماعية واقتصادية تمنع تجمد المال، وتعيد توزيعه، وتحمي المجتمع من اتساع الفجوة بين القادرين والمحتاجين ايضاً.
أما الصدقة، فيدعو بهزاد إلى أن تتجاوز المساعدة العابرة إلى الأثر المستدام، فهو لا يقلل من إطعام الفقير أو سقاية المحتاج، خصوصاً في حالات الطوارئ والكوارث، لكنه يحث على التفكير في المشاريع التي تحسن دخل الإنسان وتجعله قادراً على العمل، مثل توفير سيارة أجرة، أو مركب صيد صغير، أو دكان، أو أي مشروع تنموي يساعد المحتاج على الخروج من دائرة الحاجة المتكررة.
وبذلك قدم ضيف الحلقة وصفة عملية للشباب: تبدأ بالادخار، ثم تتطور إلى استثمار، وتحذر من التورط في الدين، وتدعو إلى أداء الزكاة، وإلى التفكير في الصدقات ذات الأثر.
إنها نصائح تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في العمق تمثل رؤية متكاملة للمال، فالمال ليس للإنفاق وحده، ولا للادخار وحده، ولا للمخاطرة العشوائية قطعاً، بل هو أمانة تحتاج إلى علم وعادة وانضباط وحق شرعي واجتماعي.




