في حلقة جديدة من برنامج بودكاست نماء الذي يقدمه أحمد الجناحي، استضاف البرنامج الدكتور سلطان إبراهيم الهاشمي أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة قطر للحديث عن نقطة تبدو بديهية لكنها في الحقيقة تحير الكثيرين، وهي التساؤل عن سبب وجود الفقر والغنى في العالم، ولماذا يولد بعض الناس في ظروف ميسورة بينما يعاني آخرون من ضيق الحال.
هذا السؤال، الذي يتكرر في أذهان الكثيرين، يفتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعة الحياة نفسها، حيث يجيب عليه الهاشمي بأن التفاوت في الأرزاق ليس خللاً ولا ظلماً وأن الضيق ليس بالضرورة عقاباً، وأن السعة ليست بالضرورة ثواباً، بل إن كلاً من الفقر والغنى يشكلان معاً جزءاً من نظام إلهي محكم، يقوم على الحكمة والرحمة.
في هذا السياق يؤكد الهاشمي على ضرورة إعادة تعريف المفاهيم التي يربطها الناس عادة بالقيمة، حيث يرى أن الغنى ليس بالضرورة دليل كرامة، كما أن الفقر ليس حصراً بهدف الإهانة ، بل إن كلايهما ابتلاء واختبار، قد يختلفان في طبيعتهما، ولكن يتشابهان في غايتهما، ألا وهو كشف مكنون النفس البشرية.
من خلال هذه النظرة لا يربط الضيف بين النجاح المادي والرضا الإلهي، وبذلك يتحرر الإنسان من المقارنة المستمرة بالآخرين، ليوضع أمام مسؤولية شخصية تتعلق بكيفية تعامله مع ما لديه، لا بما يملكه غيره.
من هنا يتضح أن الغنى قد يكون في بعض الأحيان اختباراً أشد من الفقر، لأن المال يحمل معه إغراءات خفية، ويمنح صاحبه قدرة على التأجيل والتسويف، وقد يدفعه إلى التراخي في أداء الواجبات أو الانغماس في الشهوات.
ثم يستشهد الهاشمي في الحوار بمثال واقعي لرجل ثري أُبلغ بأن زكاته تبلغ مبلغاً كبيراً، فقرر تأجيل إخراجها، لكنه توفي قبل أن يؤديها، وهو مثال يعكس خطورة التسويف، ويكشف كيف يمكن للمال أن يتحول من نعمة إلى فتنة.
هذه القصة لا تُطرح بوصفها حادثة فردية، بل كرمز لحالة نفسية شائعة، حيث يظن الإنسان أن الفرصة ما زالت متاحة، وأن الوقت بيده، في حين أن الحقيقة قد تكون مختلفة تماماً.
من هنا يربط البودكاست بين المال والزمن، وبين القدرة على العطاء وبين إدراك محدودية العمر، ليؤكد أن المبادرة إلى الخير ليست خياراً مؤجلاً، بل ضرورة عاجلة.
ومن أهم المحاور التي يناقشها البودكاست مسألة ملكية المال، حيث يطرح تصوراً مختلفاً جذرياً عن الفهم السائد، إذ يوضح أن الإنسان لا يملك المال ملكية مطلقة، بل هو مستخلف فيه، وأن المال في حقيقته هو مال الله، والإنسان مجرد وكيل عليه.
هذا المفهوم يغيير طريقة التفكير في الإنفاق والتملك، لأن الوكيل لا يتصرف وفق هواه، بل وفق ما أُمر به، وبناء على ذلك، فإن حرية الإنسان في استخدام ماله ليست مطلقة، بل مقيدة بضوابط شرعية وأخلاقية، تشمل تجنب الحرام، وعدم الإسراف، والالتزام بأداء الحقوق الواجبة .
هذا التقييد لا يُفهم بوصفه تضييقاً، بل كتنظيم يضمن تحقيق العدالة، ويمنع تحول المال إلى أداة للفساد أو الظلم.
في الوقت نفسه، يشير الضيف إلى ضرورة تصحيح فكرة شائعة مفادها أن الإسلام يدعو إلى الزهد بمعنى الفقر أو الابتعاد عن الدنيا، فيؤكد أن الشريعة لا تمنع الإنسان من أن يكون غنياً، بل تفتح له أبواب الكسب الحلال، وتشجعه على العمل والسعي، بشرط أن يكون ذلك ضمن إطار منضبط.
في هذا الإطار يستشهد الهاشمي بأمثلة من التاريخ الإسلامي، حيث كان بعض الصحابة من كبار الأثرياء، ومع ذلك كانوا من أعظم الزاهدين بسعة إنفاقهم لما يملكون، مما يدل على أن المشكلة ليست في المال ذاته، بل في كيفية اكتسابه وإنفاقه.
هذه الرؤية توازن بين الطموح المادي والالتزام الأخلاقي، وتمنح الإنسان مساحة لتحقيق النجاح دون أن يفقد البعد الروحي.
ومن النقاط المهمة التي ركز عليها الحوار أن الزكاة ليست نهاية الواجب المالي، بل هي الحد الأدنى، وأن هناك حقوقاً أخرى في المال لا تقل أهمية، مثل الإنفاق على الأسرة، ومساعدة المحتاجين، والإنفاق في حالات الطوارئ، والمساهمة في الأعمال الخيرية.
هذا التوسع في مفهوم المسؤولية المالية يعكس شمولية الشريعة، ويؤكد على أن التكافل الاجتماعي لا يتحقق فقط من خلال الزكاة، بل من خلال منظومة متكاملة من القيم والممارسات.
هنا تصبح الزكاة من وجهة نظر الهاشمي نظاماً اجتماعياً واقتصادياً متكاملاً، لا مجرد عبادة فردية، إذ يشير الهاشمي إلى أنها تساهم في تقليل الفوارق الطبقية، وتمنع تراكم الثروة في يد فئة محدودة، وتعزز روح التضامن بين أفراد المجتمع، وتحد من مشاعر الحقد الطبقي وما قد يترتب عليه من جرائم.
فالفقير عندما يشعر أن له حقاً في مال الغني، لا كصدقة بل كحق معلوم، فإن ذلك يخفف من مشاعر الحسد والغبن، ويخلق حالة من التوازن النفسي والاجتماعي، وفي المقابل، يدرك الغني أن ماله ليس ملكاً خاصاً بالكامل، بل هو مسؤولية، مما يدفعه إلى العطاء ويمنعه من الكِبر.
ومن اللافت في هذا البودكاست تأكيده على أن الزكاة لا تُقَدم فقط كوسيلة لسد الحاجات الأساسية، بل كأداة لتمكين الأفراد، حيث يمكن استخدامها لدعم المشاريع الصغيرة، أو تطوير المهارات، أو توفير وسائل الإنتاج، مما يساعد الفقير على الخروج من دائرة الحاجة، لذلك يعكس هذا البعد التنموي فهماً عميقاً لدور الزكاة، ويجعلها أداة فاعلة في بناء مجتمع منتج.
كما تناول الحوار مسألة السعي والعمل، ورفض فكرة الاستسلام للفقر بحجة أن الأرزاق مكتوبة، فيؤكد الهاشمي على أن الإنسان لا يعلم الغيب، وأن عليه أن يبذل جهده، لأن هذا الجهد نفسه قد يكون سبباً في تغيير حياته، ويشبه ذلك بحالة الطالب الذي يرفض دخول الامتحان لأنه يتوقع الرسوب، في حين أن النتيجة لا يمكن معرفتها دون المحاولة، هذا التشبيه يوضح أن التوكل لا يعني التواكل، وأن الإيمان بالقدر لا يلغي مسؤولية العمل.
ويطرح الهاشمي فهماً متوازناً للعلاقة بين القدر والسعي، حيث يجمع بين الإيمان بأن كل شيء مقدر، وبين الإيمان بأن الإنسان مسؤول عن أفعاله، هذا التوازن يمنع الإنسان من الوقوع في اليأس أو الغرور، ويجعله يعيش حالة من التوازن النفسي، حيث يعمل بجد، ويترك النتائج لله، وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون الفقر حالة مؤقتة قابلة للتغيير، وليس حكماً نهائياً لا مفر منه، كما يصبح الغنى حالة اختبار، وليس دليلاً على النجاح.
من هذا المنطلق يرى الهاشمي أن الزكاة يمكن أن تمثل نموذجاً اقتصادياً بديلاً، خاصة في ظل الأزمات العالمية، حيث تتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإذا التزم الأفراد والشركات بأداء الزكاة بشكل منظم، يمكن أن تسهم في معالجة كثير من المشكلات الاجتماعية، وتوفير شبكة أمان للفئات الضعيفة، و لا تُقدم الزكاة كحل نظري، بل كآلية عملية قابلة للتطبيق، إذا توفرت الإرادة والوعي.
وبذلك تتحول الزكاة من التزام سنوي إلى أسلوب حياة، ومن عبء مالي إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الفرد ومجتمعه، هذه الرؤية تجعل من الزكاة أداة لإصلاح الفرد والمجتمع في آن واحد، وتمنحها بعدًا حضاريًا يتجاوز حدود العبادة إلى مجال التنمية والعدالة.
فالمال ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الخير، والنجاح لا يُقاس بما نملكه، بل بما نقدمه، فالزكاة ليست مجرد فريضة، بل منظومة متكاملة تعيد تشكيل الوعي، وتبني مجتمعاً قائماً على العدل والتكافل وإتاحة الفرص للطموح الفردي دون أنانية طاغية على بقية أفراد المجتمع.




