spot_imgspot_img
بيتأخبارزكاة الفطر: وقتها وشروطها

زكاة الفطر: وقتها وشروطها

في حلقة من بودكاست نماء الذي تنتجه إدارة شؤون الزكاة في دولة قطر ناقش مقدم البرنامج السيد أحمد الجنابي واحدة من أكثر القضايا التي تشغل المسلمين في أواخر شهر رمضان من كل عام، وهي زكاة الفطر على وجه التحديد.

بدأت الحلقة بمناقشة أوجه الاختلاف بين زكاة الفطر وزكاة المال، فزكاة الفطر مرتبطة بوقت محدد ضيق، كما أنها متعلقة بالبدن لا بالمال، ولذلك يُنظر فيها إلى الأفراد الذين يعولهم المسلم داخل أسرته إضافة إلى نفسه هو شخصياً.

وضح الهاجري أن وقت وجوب زكاة الفطر يتحدد بغروب شمس آخر يوم من أيام رمضان، وأن هذا الارتباط بالزمن هو من أسباب كثرة الأسئلة، فكلما اقترب العيد بدأ الناس يشعرون بقصر الفترة الزمنية المتاحة لأداء هذه العبادة.

وقد توقف ضيف الحلقة عند الحكمة الشرعية من مشروعية زكاة الفطر، مؤكداً على أنها ليست مجرد إجراء مالي، بل عبادة جابرة، إذ أنها تطهر الصائم من اللغو والرفث وتسد النقص في أداء العبادات.

ولم يكتف الهاجري بهذا البعد التعبدي، بل شدد على المقصد الاجتماعي، فعن عبد الله بن عمر في  السنن الكبرى للبيهقي أنه قال  “أمرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نُخْرِجَ زَكاةَ الفِطرِ عَن كلِّ صغيرٍ وَكَبيرٍ وحرٍّ ومَملوكٍ صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ قالَ : وَكانَ يُؤتَى إليهِم بالزَّبيبِ والأقِطِ فيقبلونَهُ منهم وَكُنَّا نؤمَرُ أن نُخْرِجَهُ قبلَ أن نخرجَ إلى الصَّلاةِ فأمرَهُم رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يُقسِّموهُ بينَهُم، ويقولُ : أغنوهم عَن طوافِ هذا اليومِ”.

هنا انتقل الهاجري بزكاة الفطر من مجرد واجب ديني إلى شعيرة تجبر الصيام وتنشر الفرح بين المسلمين، وبالتالي الوقت جزء من هذه المعاني، لأن تأخيرها يحرم الفقير من أثرها في لحظة العيد المركزية.

وفي سياق الحديث عن شروط زكاة الفطر، ميز الهاجري بين زكاة المال وزكاة الفطر، فالأولى لها نصاب ووقت معلوم، بينما الثانية يكفي أن يكون لدى المسلم ما يزيد عن قوت يومه وحوائجه الأساسية ليلة العيد لتكون بذلك واجبة عليه، وبذلك فهي واجبة على جميع المسلمين تقريباً، لأن من لا يجد قوت يومه هو الاستثناء.

ثم أجاب الهاجري عن سؤال شائع، من يدفع مقدار زكاة الفطر في أول رمضان للجمعية أو لجهة رسمية ليُريح رأسه، هل يكون قد أخرجها؟

هنا فرق بين الإخراج والتوكيل، فالذي يحدث في هذه الحالة هو توكيل الجهة موثوقة لتخرجها في وقتها الشرعي، وبذلك تبرأ ذمة الشخص، بينما تبقى مهمة الأداء في الوقت الشرعي مسؤولية الجهة الموكلة.

وعندما طرح الجنابي سؤالاً حول تأخير إخراج زكاة الفطر إلى ما بعد صلاة العيد، استند الهاجري إلى ما أخرجه الدارقطني في سننه، عن عبدالله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال “زكاةُ الفطرِ طُهْرَةٌ للصائمِ من اللغوِ والرفثِ وطُعْمَةٌ للمساكينِ من أدَّاها قبلَ الصلاةِ فهيَ زكاةٌ مقبولةٌ ومن أدَّاها بعد الصلاةِ فهيَ صدقةٌ من الصدقاتِ”

ووضح أن هذا الحديث النبوي يحمل من وجهة نظره معنى التحذير والتشديد على الالتزام بالوقت الشرعي، لا أنه يشكك في وجوبها، مؤكدا على أن من يتعمد التأخير وهو قادر يكون آثماً، أما من تأخر بسبب النسيان أو الغفلة، فقد تناول بعض العلماء إمكانية القضاء، مع التأكيد على أن الوقت جزء من الامتثال التعبدي، مثلها مثل بقية العبادات الموقوتة التي تؤدى في أوقات محددة.

وقد ذكر الهاجري أن إدارة شؤون الزكاة في دولة قطر درست النصوص المختلفة وتوصلت إلى أن مقدار زكاة الفطر يعادل تقريباً 2.5 كيلوجرام من الأرز للفرد، وقدّم مثالاً حسابياً مبسطاً عن أسرة مكونة من أربعة أفراد، وبالتالي يجب على عائلها إخراج عشرة كيلوجرامات.

ثم طُرح للنقاش السؤال الأكثر جدلاً: هل تخرج زكاة الفطر مالاً أم طعاماً؟

وضح الهاجري أن جمهور أهل العلم يقرر إخراجها طعاماً كما دلت على ذلك النصوص، بينما مذهب أبي حنيفة يجيز إخراج القيمة مراعاة لمصلحة الفقير الذي قد تكون النقود أنفع له.

ثم اقترح الهاجري مخرجاً عملياً يخرج الناس من الحرج ومن الوقوع بين قولين، وهو أن يدفع المكلف القيمة إلى جهة موثوقة، لتقوم هي نيابة عنه بشراء الطعام وإخراجه للمستحقين في الوقت الشرعي، وبذلك تتحقق براءة الذمة على وجه يوافق النصوص ويطمئن من يحتاط للخروج من الخلاف.

وفي هذا السياق أكد الهاجري أن الإدارة حين تستقبل المال لا تعني أنها تجعل القيمة هي الأصل، بل تستقبل مبلغاً محدداً عن كل فرد ثم تخرجه للمستحقين الذين لا يجدون قوت يومهم طعاماً، وشدد على أن ذلك يتم دون رسوم إدارية، لتصل الزكاة كاملة إلى مستحقيها.

وفي جانب يتعلق بمن تُخرج عنه زكاة الفطر داخل البيت، قرر الهاجري أن الضابط هو من تلزمك نفقته، مثل الزوجة والأبناء والوالدين إذا كان في دائرة الإعالة.

أما من لا تلزم نفقته كالخادم أو السائق ممن لهم رواتب واستقلال مالي فلا تجب على رب الأسرة عنهم، لكن يمكن أن يُخرج عنهم بعد الاستئذان بوصفه تعاوناً لا إلزاماً، وأشار إلى أن العبرة ليست بكون الشخص موجوداً في المنزل فقط، بل بكون نفقته لازمة للمكلف بزكاة الفطر، حتى لو كان مسافراً.

وفي الحديث عن المستحقين، لفت الهاجري إلى أن الصورة العامة عن انتشار النعمة لا ينبغي أن تحجب وجود فئات داخل المجتمع تعاني ضيقاً حقيقياً، بل إن بعضهم قد لا يجد قوت يومه.

وتحدث عن صور مثل الغارم الذي تتعطل حساباته فيضيق عليه الأمر، مؤكداً على أن إدارة شؤون الزكاة لديها قوائم بالمحتاجين بعد دراسة حالة متأنية.

ومع ذلك، لم يتحفظ الهاجري على الإخراج المباشر لمن يريد أن يطرق أبواب الناس ويبحث بنفسه، وقال إن من رأى على شخص ظاهر الفقر وأخذ الزكاة فهو محتاج، مع التوصية بأدب العطاء حتى لا يتحول الإحسان إلى كسر خاطر.

وعندما انتقل النقاش إلى نقل زكاة الفطر خارج البلد، خصوصا مع كثرة الأزمات في فلسطين والسودان واليمن وغيرها، قرر الهاجري أن الأصل والأفضل إخراجها لفقراء البلد، مذكرا بأن زكاة الفطر مختصة بالبدن فتكون في مكان المزكي غالبا، مع الاعتراف بوجود خلاف فقهي في مسألة النقل.

كما تطرق الهاجري إلى سؤال تسعير القيمة التي تعتمدها الجهة الرسمية، موضحاً أن الإدارة تخاطب الجهات الرسمية المعنية بتسعير الأصناف المختارة، وتبني القيمة على متوسطات الأسعار، مع مراجعة سنوية تضمن العدالة والواقعية، وأشار إلى أن استقرار مبلغ زكاة الفطر خلال السنوات الماضية مرتبط بتوفر الأرز ودعمه.

وفي فقرة لافتة، دعا الهاجري الجمهور إلى تجربة إخراج زكاة الفطر بأيديهم، لا لأن التوكيل غير مستحب، بل لأن الشعور التعبدي يختلف عندما يشتري الإنسان الكمية ويتحرى المستحقين ويرى أثر الشعيرة في وجوه الناس، مقارنة بمن يكتفي بضغطة زر.

مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية