ازداد مؤخراً الحديث عن الحوكمة، والاستدامة، والأثر الاجتماعي القابل للقياس وهي مفاهيم باتت مألوفة في بيئة العمل الخيري المعاصر.
هنا، يأتي بودكاست نماء الذي تنتجه إدارة شؤون الزكاة في دولة قطر ليطرح سؤالاً قديماً بصياغة جديدة: هل الزكاة مجرد عبادة فردية يؤديها المسلم ثم يمضي، أم أنها نظام مؤسسي متكامل ينبغي أن يُدار تحت إشراف الدولة؟
افتتح مقدم الحلقة السيد أحمد الجناحي حواره مع الدكتور عبدالله النعمة المستشار والخبير في تنمية القطاع الإنساني بالإشارة إلى خبرته الطويلة في العمل الخيري، فما كان من الدكتور النعمة إلا أن نسب الفضل كله لله، وحمده على الستر، فأي عمل بشري مهما أوتي من إتقان لا يخلو من أخطاء، ولن يصل أبداً إلى الكمال.
وقد استهل حديثه بإشارة لافتة تتعلق بثقافة العمل المؤسسي في المجال الخيري، مفادها أن المؤسسات ينبغي أن تُعيد النظر في طريقة كتابة تقاريرها السنوية، بحيث تركز على عيوبها وإخفاقاتها وأخطائها بدلاً من الاكتفاء بسرد إنجازاتها، فالإنجازات، مهما بدت لامعة، قد يشوبها قدر من التقييم الذاتي المتحيز، أما الاعتراف بالنقائص فهو الذي يوجه البوصلة نحو التطوير الحقيقي ويمنح المؤسسة قدرة على التعلم من أخطائها.
هذه الرؤية تستند إلى خبرة الدكتور النعمة الممتدة لأكثر من عشرين عاماً في العمل مع مؤسسات يابانية، حيث يُبادر العاملون فور وقوع مشكلة ما إلى الاجتماع لمعالجتها باعتبارها أولوية قصوى، ثم يعقب ذلك اجتماع آخر لتقييم أسباب المشكلة وكيفية منع تكرارها ومدى نجاعة الحلول المطروحة، ومع تراكم هذه التجارب، تتحول الاجتماعات إلى أوراق عمل وأدبيات مؤسسية تشكل ذاكرة معرفية تُحصن المؤسسة ضد الوقوع في الأخطاء ذاتها مستقبلاً.
ينتقل الحوار بعد ذلك إلى سؤال جوهري حول طبيعة الزكاة، وما إذا كانت عبادة فردية كما يظن البعض، هنا، يشير الدكتور النعمة إلى أن آية الزكاة في سورة التوبة “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” تحمل دلالة معرفية عميقة، إذ أطلقت على الزكاة اسم الصدقات.
فإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية نظرية المعرفة الإبستمولوجية، فإن المال في الأصل مال الله، والبشر مجرد مستخلفين فيه، غير أن بعض الأغنياء يتحسسون من مصطلح مستحقي الزكاة وكأن المال ملكية مطلقة لهم، لا أمانة مؤقتة ابتلاهم الله بها ليختبر تصرفهم فيها.
وبهذا المعنى، فإن الزكاة ليست مجرد واجب يأثم تاركه، بل ركن من أركان الإسلام التي لا يصح إسلام المرء بدونها، وهو ما يفسر موقف الخليفة أبي بكر الصديق حين قاتل مانعي الزكاة.
ومن هنا، يُطرح التساؤل حول ما إذا كان ذلك يدل على أن الزكاة عبادة تُجبى قسراً في إطار مؤسسي، ليجيب الدكتور النعمة بأن الزكاة نشأت منذ عهد النبي ﷺ ضمن إطار تنظيمي، حيث كان يرسل العمال لجبايتها وتوزيعها، واستمر هذا الدور في عهد الدول اللاحقة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مسؤولية فردية مع تعقد مهام الدولة عبر الزمن.
واليوم، يعود بفضل الله الطابع المؤسسي للزكاة تدريجياً، وهذه من المبشرات التي تنبئ عن أن الإسلام ككل بات يعود.
ويتطرق الحوار إلى خصوصية الزكاة مقارنة بغيرها من العبادات، كالصلاة مثلاً، في اتسامها بجانب مؤسسي واضح، فيُبين الدكتور النعمة أن النص القرآني عد العاملين عليها من مصارف الزكاة، بما يعني أن وجود جهاز إداري لجمعها وتوزيعها جزء من بنيتها الشرعية.
فالزكاة التي تُؤدى بشكل فردي قد تعاني من محدودية في الحجم والتأثير، إذ لا يستطيع الفرد دائماً تحديد المستحقين بدقة، وقد يتحول دفع الزكاة إلى مجرد إبراء للذمة، لا إلى أداة لإحداث تغيير اجتماعي فعلي، بينما العمل المؤسسي، يتيح استهدافاً أدق واستدامة أطول وأثراً أعمق داخل المجتمع.
ويؤكد الدكتور النعمة أن الزكاة ليست نظاماً مالياً شرعياً معزولاً، بل جزء من منظومة متكاملة تشمل الصدقات والأوقاف والقرض الحسن، إضافة إلى منظومة القيم الأسرية والتعليمية، بحيث يؤدي أي خلل في أحد هذه الأجزاء إلى التأثير في فعالية الزكاة.
وفي سياق تعزيز الثقة بمؤسسات الزكاة، يبرز عامل الشفافية كأحد أهم عناصر الحوكمة، لا سيما في ظل جيل شاب بات يطالب بالأرقام والإحصائيات وإمكانية قياس الأثر والفعالية.
ومع ذلك، يحذر الدكتور النعمة من فهم الشفافية باعتبارها كشفاً مطلقاً لكل التفاصيل، إذ ينبغي حماية خصوصية مستحق الزكاة صوناً لكرامته، كما ينبغي حماية خصوصية المزكي حماية له من شبهة الرياء، فالشفافية الحقيقية هي القابلية للقياس لا التعري المعلوماتي.
ويستعرض الحوار بعض التجارب الدولية الناجحة في مأسسة الزكاة، مثل التجربة الماليزية التي تُجبى فيها الزكاة من رواتب العاملين عبر مؤسسات الولايات السبع، والتجربة الكويتية التي يُخصص فيها قانوناً 1٪ من أرباح الشركات لصندوق الزكاة، مما يحقق فائضاً مالياً مستمراً.
كما تلعب الأبحاث الأكاديمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في توجيه الموارد وتحديد أولويات التدخل للقضاء على الفقر.
أما دولة قطر، فتتبنى نهج التعلم من التجارب الأخرى واستلهام ما يناسب مجتمعها دون استنساخ كامل للنماذج القائمة، مع التحفظ على استقطاع الزكاة مباشرة من الرواتب لما قد يترتب عليه من ردود فعل سلبية.
وفي ختام الحوار، يؤكد الدكتور النعمة أن مواكبة التقنيات الحديثة أمر لا مفر منه، غير أن أنسنة هذه التقنيات تظل أولوية، لأن الجانب الإنساني لا يمكن تعويضه من خلال التكنولوجيا، بل يتجلى في مشاركة الأفراد مع مؤسسات الزكاة في توزيعها، وكفالة الأيتام وزيارتهم.
كما يشير إلى أن حصر أداء الزكاة في وزارة واحدة قد لا يكون الخيار الأمثل، بل ينبغي أن تتكاتف الجهود بين مختلف المؤسسات لتحقيق استدامة هذه الفريضة وتنميتها، بما يعيد تقديم الزكاة ليس فقط كعبادة فردية، بل كنظام مالي واجتماعي متكامل قادر على إحداث أثر تنموي مستدام.




