spot_imgspot_img
بيتأخبارمصارف الزكاة الثمانية وتطبيقاتها المعاصرة

مصارف الزكاة الثمانية وتطبيقاتها المعاصرة

في حلقة جديدة من بودكاست نماء الذي يقدمه أحمد الجنابي، استضاف البرنامج الخبير الشرعي الدكتور عيسى ناصر السيد رئيس وحدة الجودة بإدارة شؤون الزكاة، ودار حول مصارف الزكاة الثمانية، وكيفية تطبيقها على احتياجات المجتمع المعاصر، في ضوء الخبرة الميدانية المتراكمة داخل جهاز الزكاة في دولة قطر.

استهل الجنابي الحوار بالتوقف عند الجانب البحثي في فقه الزكاة، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن من خلالها للباحث أن يستلهم من موقعه العملي موضوعات تستحق الدراسة والمعالجة، وأشار السيد إلى أن رسالته للدكتوراه تناولت بالفعل الإشكالات العملية في إدارة شؤون الزكاة، بما يعكس قناعته بأن الفقه لا ينبغي أن يبقى حبيس التنظير، بل لا بد أن يتصل بحاجات الناس وقضايا المجتمع.

وهنا أوضح أن العمل الميداني يفتح أبواباً واسعة أمام الباحث، لأن كثيراً من بعض الإشكالات المعاصرة قد لا تفهم بوضوح في العرض النظري التقليدي، بل تتكشف عبر الاحتكاك المباشر بالناس، ومتابعة الحالات الواقعية، ورصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

ثم انتقل الحوار بعد ذلك إلى أصل مهم من أصول فقه الزكاة، وهو قوله تعالى من سورة التوبة: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”، حيث توقف الجنابي متسائلاً عند وصف القرآن للزكاة بالصدقات.

وبيّن السيد أن المقصود هنا هو الصدقة الواجبة، أي الزكاة المفروضة، وليست الصدقة المندوبة بالمعنى العام، مؤكداً أن النص القرآني نفسه قيّدها وحددها بوصفها فريضة من الله، وبذلك ميّزها عن وجوه الإحسان الأخرى التي قد تُعطى لغير المسلمين أو تصرف في أبواب البر العامة خارج إطار الزكاة الواجبة.

ومن أبرز المحاور التي تناولها الحوار مسألة ترتيب مصارف الزكاة الثمانية، هل تعطى بالتساوي؟ وهل يبدأ بالفقراء قبل غيرهم؟ وهنا شدد رئيس وحدة الجودة بإدارة شؤون الزكاة على أن الأمر في جوهره عملي، تحكمه الحاجة والمصلحة، لا مجرد الترتيب اللفظي في الآية. فمصارف الزكاة، كما أوضح، لا توزع وفق قاعدة جامدة، وإنما بحسب ما يقتضيه الواقع.

فإذا كانت حاجة الغارمين في بلد ما أشد، أمكن توجيه الدعم إليهم أكثر، وإذا كانت الحاجة أشد لدى الفقراء والمساكين، قُدمت هذه الفئات، وبهذا المعنى تصبح الزكاة أداة استجابة مرنة لاحتياجات المجتمع، لا مجرد قسمة حسابية ثابتة.

وفي شرحه للفارق بين الفقير والمسكين، تطرق السيد إلى الخلاف الفقهي المعروف بين المذاهب في تحديد الأشد حاجة منهما، مبيناً أن بعض المذاهب ترى الفقير أشد حالاً من المسكين، فيما ترى مذاهب أخرى العكس، لكن النتيجة النهائية واحدة، وهي أن الفئتين كلتيهما داخلتان في دائرة الحاجة والاستحقاق.

ثم ربط هذا التأصيل الفقهي بالتطبيق العملي داخل دولة قطر، حيث أشار إلى أن تقدير حد الكفاية لا يتم بمعزل عن البيئة الاجتماعية ومستوى المعيشة وطبيعة المجتمع، وأن إدارة شؤون الزكاة تنظر في هذه الاعتبارات عند دراسة الحالات، بما يضمن توجيه المال إلى من يستحقه فعلاً وفق معايير واقعية لا شكلية.

وقد توقف الحوار طويلاً عند مصرف العاملين عليها، باعتباره من المصارف التي تكشف عن البعد المؤسسي في تشريع الزكاة، فقد أوضح الضيف أن الشريعة، حين جعلت للعاملين على الزكاة نصيباً منها، إنما أرادت ضمان استمرارية الجهاز الزكوي نفسه، حتى يتمكن من جمع الأموال وتنظيمها وإيصالها إلى مستحقيها.

حيث استعرض التطور التاريخي لجباية الزكاة، من السعاة الذين كانوا يُبعثون لجمع الزكاة في صدر الإسلام، إلى الصورة الحديثة المتمثلة في الأجهزة الإدارية والتنظيمية المعاصرة. وأكد أن مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الآية الكريمة من سورة التوبة ليست من شؤون الأفراد، بل هي من شؤون العمل المؤسسي الذي تديره الجهات المختصة تحت إشراف الدولة.

أما مصرف المؤلفة قلوبهم، فقد تناولته الحلقة من زاويتين: تاريخية ومعاصرة. فمن الناحية التاريخية، بيّن السيد أن هذا المصرف ارتبط في عهد النبي باستمالة بعض كبار القوم أو اتقاء شرهم أو تقريبهم من الإسلام، مشيراً إلى أن هذا الباب كان من مقتضيات السياسة الشرعية في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية.

أما من الناحية العملية اليوم، فأوضح السيد أن هذا المصرف لم يعد من المصارف المتداولة بكثرة كالفقراء والمساكين، لكنه لا يزال قائماً من حيث الأصل متى وجدت علته، وذكر مثالاً لذلك ما قد يقدم من أموال الزكاة لبعض الداخلين الجدد في الإسلام ممن تكون أوضاعهم المعيشية صعبة، بحيث يُعانون من تحديات اجتماعية أو اقتصادية مترتبة على إسلامهم، فيُدعمون من باب التأليف والتثبيت.

وفي حديثه عن مصرف في الرقاب، أوضح الضيف أن صورته التاريخية المباشرة ارتبطت بفك الأسرى أو إعانة من كان في الرق أو القيد، وأن هذا المعنى تراجع حضوره في العصر الحديث بسبب التغيرات الكبيرة المعاصرة على مستوى السياسة الدولية.

ومع ذلك أشار إلى أن باب الاجتهاد في فهم بعض التطبيقات المعاصرة يبقى محل نظر فقهي، وإن كانت الصورة الأصلية التي نزل بها النص لم تعد متحققة على النحو الذي كانت عليه في الأزمنة الأولى، وهنا بدا واضحاً حرص الضيف على التمييز بين ما هو أصل ثابت في النص، وبين ما هو مجال للاجتهاد بحسب وجود العلة أو غيابها.

كما خصص اللقاء مساحة مهمة للحديث عن الغارمين، باعتبارهم من أكثر الفئات شيوعاً في الواقع المعاصر، وبيّن السيد أن الغارم ليس كل من كان عليه دين، بل هو تحديداً من أثقلته الديون وعجز فعلاً عن سدادها، بحيث أصبحت تهدد استقراره أو تعرضه للملاحقة والسجن، أما من لديه دخل كافٍ يمكنه من الوفاء بالتزاماته المالية، فلا يعد غارماً بالمعنى الشرعي المستحق للزكاة.

وأكد أن إدارة شؤون الزكاة تدرس سبب الدَين نفسه، فلا يكفي مجرد وجود التزام مالي للحكم بالاستحقاق، بل يُنظر إلى ما إذا كان الدَين ناشئاً عن حاجة ضرورية، كالعلاج أو المسكن أو الضروريات الأخرى، أم عن إنفاق على كماليات لا تستوجب الاستحقاق للزكاة.

هذا الفهم يعكس توازناً بين الرحمة بالمحتاج، وبين صيانة أموال الزكاة من التوسع غير المنضبط في الصرف.

وفي تناوله لمصرف في سبيل الله، أشار السيد إلى أن الفقهاء المتقدمين كثيراً ما قصروا هذا المصرف على الجهاد والدفاع عن الدولة الإسلامية، لكن التطبيق المعاصر في إدارة شؤون الزكاة في قطر يميل إلى الأخذ بمعناه الأوسع في بعض الصور، بحيث يشمل بعض أوجه الخير العامة ذات الصلة الواضحة بخدمة الدين والمجتمع الإسلامي، مثل بناء المساجد أو المراكز الإسلامية أو دعم بعض الأعمال الدعوية، شريطة أن يتم ذلك بعد دراسة منضبطة، وألا يؤدي التوسع في هذا الباب إلى إهدار الأولويات أو مزاحمة المصارف الأكثر إلحاحاً في المجتمع المسلم.

ولم يغفل الحوار مصرف ابن السبيل، حيث أوضح الضيف أنه يشير إلى المسافر المنقطع الذي فقد وسائله وماله وتعذر عليه الوصول إلى بلده أو استكمال رحلته، وأشار إلى أن هذا المصرف قد يبدو محدود الحضور اليوم، لكنه لا يزال قائماً في بعض الحالات، ومنها من تنقطع به السبل فعلاً ولا يجد حتى ما يعود به إلى بلده.

كما لفت إلى أن بعض صور اللجوء والنزوح يمكن أن تندرج تحت أكثر من مصرف بحسب الحالة، فقد يكون الشخص فقيراً أو مسكيناً أو ابن سبيل، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أن مصارف الزكاة ليست عناوين جامدة، بل محددات شرعية تُفهم في ضوء الواقع والحاجة.

ومن الجوانب اللافتة في هذا اللقاء حديث الضيف عن التحديات الإجرائية والإدارية التي تواجه العمل الزكوي، وفي مقدمتها مسألة التحقق من استحقاق الحالات، لذلك أشار إلى أهمية الربط الإلكتروني والآلي بين الجهات المختلفة، بما يخفف العبء عن المستفيدين، ويختصر عليهم مشقة جمع المستندات والتنقل بين المؤسسات، ويمنح جهاز الزكاة قدرة أكبر على التثبت من البيانات المالية والمعيشية بدقة وسرعة.

وبدت هذه النقطة ذات دلالة خاصة، لأنها تكشف أن تطوير العمل الزكوي اليوم لا يقتصر على الجانب الفقهي وحده، بل يتطلب كذلك بنية مؤسسية حديثة، تستفيد من التقنية في تحسين الجودة وتيسير الخدمة وصون كرامة المحتاج.

وفي جانب آخر من الحوار، شدد الضيف على أن الزكاة تمثل في جوهرها نظاماً متكاملاً للضمان الاجتماعي، إذ لا يقتصر أثرها على إعانة فرد هنا أو أسرة هناك، بل يمتد إلى حماية المجتمع ككل من آثار الفقر والعجز والتفكك.

فالزكاة، كما قال السيد، تسد حاجات الناس، وتمكن الأسر من أداء دورها، وتحد من التدهور الاجتماعي، بل وتساهم في الوقاية من الانحراف والجريمة، لأن المحتاج إذا وجد من يكفيه ويصون كرامته، استقرت حياته وأمكنه أن يؤدي دوره في المجتمع بصورة سليمة، ومن هنا يرى أن الزكاة  مشروع مجتمعي متكامل، لا مجرد عبادة مالية منفصلة عن مقاصد العمران والاستقرار.

كما تطرق اللقاء إلى مسألة نقل الزكاة خارج البلد، موضحاً أن في المسألة خلافاً فقهياً معروفاً، وأن زكاة المال ترتبط في الأصل ببلد المال، بينما زكاة الفطر تتبع البدن، أي مكان وجود الشخص وقت وجوبها. وبيّن الدكتور عيسى أن هذه المسائل تحتاج إلى فقه دقيق، لكنها في جميع الأحوال تؤكد أن الزكاة لا تنفصل عن التنظيم الإداري، وأن توجيهها ينبغي أن يكون أقرب إلى الموضع الذي تتحقق فيه الحاجة وتظهر فيه المصلحة.

وفي ختام الحلقة، وجه السيد رسالة مباشرة إلى كل من يجد في نفسه حاجة حقيقية، داعياً إياه إلى التقدم والاستفادة من الجهاز الزكوي الذي أُسس من أجل خدمة المستحقين، وأكد على أن الله شرع الزكاة، وأن الدولة وفرت لها جهازاً قائماً منذ عام 1992، ليكون باباً للعون والستر والدعم.

https://youtu.be/aLKLBeM5Zi8
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية