في حلقة خاصة من برنامج ملح الكلام، استضافت الإعلامية هدى محمد الأستاذ الدكتور حسن عبد الرحيم السيد، العميد السابق لكلية القانون بجامعة قطر، وعضو مجلس محكمة قطر الدولية، في لقاء حمل بعداً قانونياً وثقافياً، سلط الضوء فيه على قضايا دستورية تمس كل مواطن ومواطنة.
كانت الحلقة رحلة فكرية ممتعة في أعماق النص الدستوري، لكنها لم تتوقف عند حد التنظير، بل انطلقت لتطرح السؤال الأهم: كيف نجعل من الدستور نبضاً حيّاً في حياتنا اليومية؟
بدأ اللقاء باستعراض مشروع الدكتور السيد الثقافي الذي جاء في كتابه وقفات دستورية (2008) الذي يضم سلسلة مقالات نشرها خلال عقدين من الزمن في صحيفة الشرق القطرية تحت عنوان ثلاث دقائق قانون.
هذا المشروع، كما أوضح، هو جزء من خدمة المجتمع التي تُعدُّ إحدى المهام الأساسية لأعضاء هيئة التدريس، ويهدف إلى تبسيط المفاهيم القانونية بلغة سلسة تتيح لغير المتخصصين فهم أساسيات النظام الدستوري.
وعند مناقشة معنى كلمة دستور، بيّنَ الدكتور السيد أنه ليس مجرد وثيقة، وأضاف أن أصلها فارسي، إذ أصبح المصطلح يشير إلى مجموعة القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة الحديثة، وتنظم السلطات العامة، وتكفل الحقوق والحريات.
كما تناول النقاش جمود بعض مواد الدستور، كتلك المتعلقة بنظام الحكم والدين الرسمي في البلاد والتي تكتسب حماية خاصة في بعض الدول، وأوضح أن إجراءات تعديل هذه المواد أكثر شدة وصعوبة من إجراءات تعديل القوانين العادية.
من جانب آخر، ناقشت الحلقة المادة الأولى من الدستور القطري التي تؤكد على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعات الدولة، كما أوضح الدكتور السيد أن هذا النص يُفسّر وفقاً للمذكرة التفسيرية للدستور، ليشمل المبادئ الشرعية قطعية الثبوت والدلالة، مؤكداً في الوقت نفسه على أن النظام القانوني في قطر يستمد مواده من مصادر متنوعة، بشرط ألا تتعارض مع هذه المبادئ الأساسية.
وشدد على أن احترام القانون هو من مظاهر السيادة، وأن لكل دولة الحق في وضع قوانينها الداخلية، وعلى الجميع – مواطنين ومقيمين – احترام هذه القوانين.
ومن النقاشات المهمة التي أثارتها الحلقة، العلاقة بين القرآن والدستور، فبينما يستخدم البعض عبارة دستورنا القرآن، أوضح الدكتور السيد أن القرآن الكريم أوسع وأشمل من أن يُقارن بدستور وضعي؛ فهو منهج حياة يشمل العقيدة والعبادات والمعاملات، أما الدستور بالمفهوم القانوني فيركز على نظام الدولة وتنظيم السلطات وحقوق الأفراد.
كما تطرقت الحلقة إلى قضية مشاركة المرأة في السلطة القضائية وذلك في ضوء مقال قديم للدكتور السيد بعنوان تقلّد المرأة منصب القضاء بين القبول والرفض، مؤكداً على أنه لا يوجد نص قانوني يمنع المرأة من الترشح أو التعيين في السلك القضائي، وأن التحديات التي واجهتها كانت ثقافية واجتماعية بالأساس، مشيراً إلى أن التجربة القضائية أصبحت أكثر مؤسسية، مما يفتح المجال أمام مشاركة المرأة بشكل أكبر.
وفي ختام اللقاء، ناقش الدكتور السيد تجربة تأسيس جمعية المحامين القطرية، وأهمية الانتقال من مكاتب المحاماة الفردية إلى العمل الجماعي عبر إنشاء شركات قانونية كبيرة تغطي اختصاصات مختلفة، واعتبر أن هذا النموذج يمكن أن يعزز جودة العمل القانوني، ويضمن استمرارية الشركة، على عكس الشائع في المكاتب الفردية، كما قد يخفف من التكاليف على الموكلين.
إن الدستور لا يعيش في الأدراج، بل في العقول والسلوك، بهذه الفكرة ختم الدكتور السيد اللقاء، داعياً كل مواطن إلى أن يكون شريكاً في تفعيل النصوص، لا مجرد متفرج على ما يُشرّع باسمه.
حلقة ملح الكلام لم تكن مجرد نقاش أكاديمي، بل دعوة مفتوحة لفهم أعمق لوثيقة أساسية تُرسم على ضوئها ملامح الحياة العامة في دولة قطر.




