في حلقة غنية من برنامج ملح الكلام الذي تقدّمه الإعلامية هدى محمد، استضاف البرنامج المهندس محمد عبدالعزيز الدليمي، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركتي SkipCash وPayLater، في حوار تجاوز السرد الريادي المعتاد إلى نقاش أعمق حول الأبعاد القانونية والتنظيمية للتكنولوجيا المالية الرقمية في قطر، وما تحمله من فرص وتحديات في سياق التحول الاقتصادي والرقمي الذي تشهده الدولة.
أظهرت الحلقة أن التكنولوجيا المالية الرقمية لم تعد شأناً تقنياً أو تجارياً بحتاً، بل أصبحت مجالاً قانونياً متكاملاً تتداخل فيه اعتبارات التنظيم المالي، وحماية المستهلك، والامتثال الرقابي، والأمن السيبراني، والتوافق مع المبادئ الشرعية، وقد بدا واضحاً من الحوار أن أي مشروع ناجح في هذا القطاع لا يمكن أن يستمر دون فهم دقيق للإطار القانوني الذي يحكمه.
توقف النقاش عند الدور المحوري الذي يلعبه مصرف قطر المركزي في تنظيم هذا القطاع، ليس من خلال المنع أو التضييق، وإنما عبر تبني نموذج رقابي مرن يسمح باختبار الحلول الجديدة ضمن بيئة خاضعة للإشراف قبل منح التراخيص النهائية.
كما تطرقت الحلقة إلى مسألة حماية المستهلك بوصفها أحد الأعمدة القانونية الأساسية في أي منظومة مالية رقمية، فالانتقال إلى الدفع الإلكتروني وخدمات التقسيط والتمويل الرقمي يفرض التزامات قانونية مضاعفة على الشركات، تبدأ من وضوح الشروط التعاقدية ولا تنتهي عند مسؤولية المنصة في حال الخطأ أو النزاع.
وقد أكد الدليمي أن بناء الثقة مع المستخدم لا يتحقق بالواجهة التقنية وحدها، بل بوجود إطار قانوني عادل وشفاف يحمي الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
وفي السياق ذاته، برز البعد الشرعي بوصفه خياراً مؤسسياً تبنته الشركة، لا باعتباره توجهاً تنظيمياً مفروضاً على القطاع ككل، فقد أوضح الدليمي أن PayLater راعت منذ مرحلة التصميم الأولى لمنتجاتها المالية أن تكون تعاملاتها منسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية، انطلاقاً من قناعة مؤسسيها بأن الالتزام الشرعي يعزز ثقة المستخدمين ويمنح النموذج المالي استدامة اجتماعية وأخلاقية.
وتناول النقاش التحديات القانونية المرتبطة بحماية البيانات والأمن السيبراني، فشركات التكنولوجيا المالية تتعامل مع كم هائل من البيانات الحساسة، ما يجعلها خاضعة لمسؤوليات قانونية جسيمة تتعلق بالخصوصية ومنع الاختراقات وضمان سلامة البنية الرقمية.
وفي ضوء هذه المحاور، قدّمت الحلقة تصوراً ضمنياً لمستقبل قطر في مجال التكنولوجيا المالية، باعتبارها بيئة قادرة على الجمع بين التنظيم الرشيد والابتكار الذكي، فامتلاك بنية تشريعية مرنة، إلى جانب إرادة واضحة للتحول الرقمي، يفتح المجال أمام قطر لتكون مركزاً إقليمياً لتجربة الحلول المالية الجديدة، لا مجرد سوق استهلاكي للتقنيات المستوردة.
ختاماً، يمكن القول إن حلقة ملح الكلام مع المهندس محمد الدليمي قدّمت نموذجاً نادراً لحوار يربط بين الريادة والتشريع، وبين الابتكار والمسؤولية القانونية، فهي لم تطرح التكنولوجيا المالية الرقمية كقصة نجاح فردية فحسب، بل كمنظومة متكاملة تتطلب وعياً قانونياً عميقاً، يضمن أن يكون التطور المالي في خدمة الإنسان والمجتمع، لا على حسابهما.




