spot_imgspot_img
بيتالمحاكم والقضاءالشيك بين الوفاء والضمان

الشيك بين الوفاء والضمان

يقوم البنك المركزي في كل دولة بطباعة النقود وفق سياسة نقدية تشرف عليها الدولة للتحكم في مستويات التضخم والحد منها، وتصل النقود إلى أفراد المجتمع على شكل رواتب أو نظير معاملات مالية بينهم.

ولعقود، كان المرء يسدد ما عليه من التزامات مالية نقداً عادة، لكن اختُرعت أداة مالية أخرى تقوم محل النقود، لا يمكن سرقتها لأنها لا تُصرف إلا لمن كُتبت باسمه، وكأن الفرد يطبع أمواله الخاصة ولكن بشكل قانوني، هذه الأداة هي الصك المصرفي أو الأمر بدفع مبلغ من المال، وتم التعارف علي تسميتها بالشيك.

يعود أقدم تاريخ صريح لظهور الشيك إلى القرن التاسع الميلادي، الموافق للقرن الثاني الهجري، في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، يقول منصور العساف في مقال له على جريدة الرياض أن في تلك الفترة كان رجل الأعمال المسلم يستطيع أن يدفع شيكاً في كانتون بالصين مسحوباً على حسابه في بغداد في إطار نظام مصرفي متقدم نسبياً يسمح بالتحويلات والوفاء عن بُعد.

أما في أوربا فيقول العساف أن فكرة الشيك وأوراق الدفع دخلتها عبر تطور التعاملات المصرفية هناك في مرحلة متأخرة مقارنة بالعالم الإسلامي، فالتعاملات بالشيك المصرفي بين التجار والموسرين في أوروبا بدأت في أواخر القرن الثامن عشر، وأن أوراق البنكنوت مثّلت في بداياتها نوعاً من الشيك المصرفي؛ إذ كانت إيصالات إيداع لدى الصيارفة تُتداول، ويُدفع بموجبها مبلغ من وحدات النقد القانوني لحامل الورقة عند الطلب.

كما يذكر أن بنك البندقية عام 1587 كان له دور ريادي في هذا النمط من الصرف، بما يُظهر انتقال الفكرة إلى أوروبا في سياق الممارسات المصرفية الإيطالية ثم الأوروبية الأوسع.

بشكل عام، يهدف الشيك إلى تجنب حمل الأموال خوفاً من السرقة مثلاً أو بسبب ضخامة المبلغ وصعوبة حمله، أو لتعذر وصول من عليه التزام مالي إلى البنك لسحب المبلغ المطلوب سداده للطرف المستحق.

هنا قد تحدث كارثة مالية تنسف الثقة في الشيكات، وتجبرنا على العودة إلى مربع التعامل النقدي الفوري يداً بيد، عندما تنتشر الشيكات بدون رصيد كاف دون عقاب رادع، فذهبت أغلب التشريعات العربية إلى عقوبة السجن على من يصدر بسوء نية شيكاً بدون رصيد كاف في حسابه.

يصبح الشيك مرتجعاً حتى لو كان معظم المبلغ متوفراً في حساب صاحبه، إلا في دولة قطر التي أصدرت تعديلاً بموجب قانون رقم 1 لسنة 2024 على المادة 585 من قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة، يلزم البنوك بدفع الجزء المتوفر من قيمة الشيك إذا كان الرصيد أقل من المبلغ المدون، ما لم يرفض حامل الشيك هذا الإجراء، مع إثبات الدفع الجزئي على ظهر الشيك وتسليم شهادة بذلك.

هذا التعديل يسعى إلى تحقيق عدة أهداف في آن واحد، فهو يقلل من عدد الشيكات التي تعود بدون صرف كلي، ويعزز وظيفة الشيك كأداة وفاء حتى في حال عدم كفاية الرصيد بالكامل، ويفتح المجال أمام حامل الشيك لاستخدامه والاستفادة من الشهادة كبينة على المبلغ المتبقي، سواء أمام القضاء المدني أو في إجراءات التنفيذ.

في هذا السياق، يأتي القانون القطري متسقاً في الأصل مع التصور الكلاسيكي للشيك، لكنه في الوقت ذاته يتفاعل مع التحديات ذاتها التي واجهتها الأنظمة الإقليمية، من حيث انتشار الشيكات المؤجلة والشيكات المستخدمة كضمان في الإيجارات والمعاملات التجارية، وارتفاع أعداد الشيكات المرتجعة بصورة لافتة، ما استدعى تعديلات على قانون التجارة تستهدف تعزيز وظيفة الشيك كأداة وفاء، وتقليل الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية وحدها كوسيلة للردع.

في الوقت ذاته، لم يَمس المشرع بالمادة 357 من قانون رقم (11) لسنة 2004 بإصدار قانون العقوبات، فبقي التجريم قائماً في حالات سوء النية، ما يضع النموذج القطري بين الأنظمة التي أبقت على التجريم كاملاً وتلك التي ذهبت إلى حد إلغاء أغلب صور التجريم لصالح التنفيذ المدني.

كما تحدد المادة رقم 581 من  قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة مواعيد تقديم مضبوطة، فيوجب تقديم الشيك المسحوب والمستحق الدفع في قطر خلال ستة أشهر، والمسحوب خارجها والمستحق الدفع فيها خلال ثمانية أشهر، على أن يؤدي انقضاء هذه الآجال إلى سقوط بعض الحقوق الصرفية للحامل وإن بقي الحق الأصلي قائماً.

بذلك يكرس المشرع القطري الطبيعة النقدية للشيك، ويربط الحماية الصرفية والجزاءات الإضافية بالالتزام بهذه المواعيد، في انسجام مع الرؤية التشريعية التي تجعل الإطار الزمني جزءاً من ضمان المصداقية.

لا يميّز قانون التجارة القطري في بنائه الشكلي بين شيك الوفاء وشيك الضمان، بل يعتمد معياراً موضوعياً وشكلياً واحداً: متى استوفى الصك البيانات الإلزامية للشيك وسُحب على بنك وكان واجب الوفاء عند الاطلاع، عُد شيكاً وتطبَّق عليه الأحكام المقررة.

هذا يعني أن وصف الأطراف للشيك بأنه ضمان في عقد الإيجار أو غيره لا يغيّر من طبيعته القانونية ما دام يستوفي شروط الشيك، ولا يُخرجه من نطاق الحماية الصرفية والجزائية إن تحققت باقي الأركان.

غير أن الممارسة العملية في قطر، كما تعكسها التقارير الصحفية وبيانات مركز قطر للمعلومات الائتمانية، تشير إلى توسع كبير في استخدام الشيكات المؤجلة كسندات للدفع في الإيجارات والمعاملات التجارية، بما يخلق طبقة من المخاطر الائتمانية.

وينص القانون في قطر صراحة على عقوبة السجن على شيك بدون رصيد لا تكون واجبة إلا إذا كان السلوك بسوء نية، ما يترك للقضاء مساحة لتقدير الحالات التي يكون فيها العجز عن الوفاء نتيجة ظروف اقتصادية طارئة بعيداً عن قصد الاحتيال، في انسجام مع التحليل الفقهي الذي يربط سوء النية بقصد الإضرار والتدليس وليس بمجرد العجز.

إضافة إلى ذلك، تحريك الدعوى الجزائية يكون في الغالب بناء على شكوى من المستفيد خلال مهلة معينة، وتظهر الخبرة العملية في قطر أن التسوية وسداد قيمة الشيك يمكن أن يقودا إلى وقف التنفيذ أو انقضاء الدعوى، ما يعكس توجهاً عملياً لتغليب استرداد الحق على استمرار عقوبة السجن.

يظل في قطر الشيك المؤرخ بتاريخ لاحق مشمولاً بأحكام الشيك من حيث وجوب الوفاء عند الاطلاع من تاريخ الاستحقاق المدون، ولا يعترف القانون صراحة بتمييز بين شيك مؤجل وشيك حال سوى من خلال تاريخ الإصدار أو الاستحقاق الذي يبدأ منه حساب مواعيد التقديم.

إلا أن الواقع المعاملاتي يكشف عن استخدام واسع للشيكات المؤجلة في الإيجارات والأقساط، بحيث يوقع المستأجر أو المدين سلسلة من الشيكات تغطي عدة أشهر أو سنوات، فيعرّض نفسه لمسؤولية جنائية محتملة عن كل ورقة إذا اختل الرصيد أو سحبه أو منع الدفع بسوء نية.

يقول محمد طلبة في مقال له على موقع صحيفة العرب إن بيانات مركز قطر للمعلومات الائتمانية أظهرت أن عدد الشيكات المرتجعة في الربع الثالث من عام 2023 بلغ نحو 52 ألف شيك بزيادة تقارب 10% عن الفترة نفسها من 2022، مع تسوية بعض هذه الشيكات لاحقاً بعد سداد قيمتها، وهو ما يشير إلى حجم المشكلة وتشابهها في الجوهر مع الظواهر التي رصدتها الدراسات المقارنة في دول أخرى.

في قطر، تتوافر بنية مصرفية متقدمة ومنظومة معلومات ائتمانية تديرها الجهات المختصة، حيث يرصد مركز قطر للمعلومات الائتمانية الشيكات المرتجعة ويؤثر في قدرة العملاء المستقبلية على الحصول على تسهيلات وقروض ودفاتر شيكات جديدة، وهو ما يُعد أداة ردع غير جزائية ذات أثر عملي كبير.

ورغم ذلك، ما زال الاعتماد على الشيك في الإيجارات والمعاملات التجارية واسعاً لأسباب ثقافية وعملية، منها سهولة إثبات الدين والطابع الملموس للورقة التي تحمل قوة تنفيذية وجنائية، هذا يجعل توصيات الوقاية التي انتهت إليها الدراسات الإقليمية أكثر إلحاحاً في السياق القطري، من ضرورة تجنب استعمال الشيك لضمان التزامات طويلة الأجل، والتحقق من الرصيد قبل إصدار الشيك، وعدم توقيع شيكات على بياض، والالتزام بالمواعيد القانونية لتقديم الشيك للبنك، إلى مراجعة البدائل التعاقدية والمصرفية المتاحة في كل حالة.

ومن ثم، تبرز التجربة القطرية كنموذج وسط يحاول الموازنة بين حماية الثقة في الشيك كأداة وفاء قوية وبين تجنّب الإفراط في استخدام العقوبة السجنية، مع فتح المجال أمام تطور تدريجي نحو مزيد من الاعتماد على الآليات المدنية والمصرفية والائتمانية لإدارة مخاطر الشيكات في المستقبل.

يُعد الشيك في التشريعات العربية الحديثة من أهم أدوات التعامل المالي، ويُنظر إليه كأداة وفاء تقوم مقام النقود في المعاملات التجارية والمدنية، وتصفه الدراسات الإقليمية بأنه أهم الأوراق المالية التي تحتل مرتبة مكافئة للنقود في الوفاء الفوري، بمجرد الاطلاع عليه في البنك.

غير أن الممارسة العملية في عدد من الدول العربية كشفت عن انحراف تدريجي في استعمال الشيك من أداة وفاء عاجلة إلى أداة ضمان آجلة، مع ما يترتب على ذلك من تضخم للجرائم المرتبطة بالشيكات وتنام للمخاطر الاقتصادية، ما دفع المشرعين إلى إعادة النظر في منظومة الحماية القانونية، بين تشديد وتجريم من جهة، وفتح قنوات مدنية وتنفيذية بديلة من جهة أخرى.

يُبرز بعض الباحثين، مثل احمد رزاق نايف في ورقته الإطار الزمني للشيك بين حماية الثقة الائتمانية وضمان استقرار الإجراءات في ضوء التشريع العراقي، إذ يقول إن البنية الزمنية للشيك بوصفها الضامن الأكبر لمصداقيته كأداة وفاء، والمانع الأبرز من انحرافه إلى أداة ائتمان تزعزع الثقة المالية في الأسواق.

هذا الإطار النظري يعكس رؤية تشريعية ترى في الشيك صكاً نقدياً أكثر منه أداة ائتمانية، بحيث يكون إدخال عنصر الأجل أو ربطه بالتزامات مستقبلية خروجاً عن طبيعته القانونية.

فشيكات الوفاء هي التعبير الحقيقي عن الشيك عندما تُستخدم للدفع الفوري وتسوية ديون آنية مستقرة، أما شيكات الضمان فهي تلك التي تُستخدم لتأمين تنفيذ التزامات مستقبلية، مثل أقساط سلعة، أو إيجار شهري، أو أثمان العقود المؤجلة، خلافاً لوظيفته الأساسية كأداة وفاء، وقد رصدت الدراسات في عُمان مثلاً أن الدفع بأن الشيك محل الدعوى هو شيك ضمان لا وفاء أصبح من أكثر الدفوع إثارة أمام المحاكم الجزائية. 

ومن أنواع الشيكات، ما يعرف بالشيك المُسَطَّر، وهو شيك يُوضع عليه خطان متوازيان على وجهه، وعادة يكون التسطير في أعلى الشيك أو عبره، والغرض من ذلك هو منع صرف الشيك نقداً مباشرة من البنك للمستفيد، بحيث يجب إيداع قيمته في حساب بنكي أولاً قبل صرفها، و يستخدم هذا الأسلوب لزيادة الأمان وتقليل احتمالات الاحتيال أو صرف الشيك من شخص غير مستحق، كما يضمن وجود سجل مصرفي واضح لعملية التحصيل.

وينقسم الشيك المسطر إلى نوعين، إما أن يكون التسطير عاماً، حيث يكتفى بوضع خطين متوازيين فقط، ما يعني ضرورة إيداع الشيك في أي بنك دون صرفه نقداً، أو قد يكون التسطير خاصاً، حيث يُكتب فيه اسم بنك معين بين الخطين، وفي هذه الحالة لا يُقدم الشيك إلا لهذا البنك فقط لتحصيل قيمته.

وتُظهر الأبحاث الخاصة بالشيك المسطر والشيك المؤجل أن التسطير أو النص على أجل معين يحوّل الشيك عملياً إلى أداة ائتمان وأجل، ويعيد تعريف علاقته بالزمن من الاستحقاق الفوري إلى الالتزام المؤجل، مع ما يترتب على ذلك من تعقيدات في الإثبات والتنفيذ وتجريم الامتناع عن الوفاء.

فيما يتعلق بالجرائم المرتبطة بالشيكات، تُبين الدراسات أن التشريعات العربية تجرِّم في الغالب أفعالاً متقاربة، مثل إصدار شيك دون مقابل وفاء كافٍ، أو إصدار أمر غير مشروع قانوناً للبنك بعدم صرف قيمة شيك معين، أو التوقيع بسوء نية على الشيك بصورة تخالف التوقيع المعتمد.

تضيف بعض الأنظمة متطلبات إجرائية خاصة، فوفقاً لدراسة مصطفى عبد الباقي حول طبيعة الشيك في ظل الأوامر العسكرية في الضفة الغربية/فلسطين، لا تقوم الجريمة إلا بعد توجيه المستفيد إخطاراً لصحاب للسحاب أي لصاحب الشيك يمنحه مهلة محددة لتوفير الرصيد، ما أدّى، بحسب الدراسة، إلى إضعاف قوة الردع وتشجيع إصدار شيكات مؤجلة بلا تغطية، لعلم مصدر الشيك بأن قيام الجريمة مرتبط بسلسلة إجراءات قد يُتلاعب بها.

أما على مستوى الركن المعنوي، فيشير التشريع إلى أن سوء النية مفهوم يتجاوز مجرد العلم بعدم وجود رصيد إلى انصراف نية الساحب أي صاحب الشيك إلى التدليس على المستفيد واستغلال الثقة التي يمنحها النظام القانوني للشيك كأداة وفاء معادِلة للنقد.

في الكويت، يقول فاضل نصر الله عوض وآخرين في دراسته حول الحماية الجنائية للشيك في الكويت، أظهرت أزمة سوق المناخ أن التعامل المفرط بالشيكات الآجلة في سوق الأوراق المالية كان أحد العوامل الأساسية في اهتزاز الثقة، إلى جانب هروب رؤوس الأموال، قبل أن تتدخل الدولة بتجميد الدعاوى الجنائية وتشكيل لجان لتسوية الحقوق دون تحميل المتعاملين خسائر كاملة. هذه النماذج تؤكد أن الشيك المؤجل لا يوفر حماية حقيقية للدائن، بل ينقل الشيك إلى مجال مخاطرة ائتمانية عالية تقوّض الطابع النقدي للورقة التجارية وتزعزع الثقة في النظام المالي.

بلغت أزمة سوق المناخ في الكويت في عام 1982 ذروتها، وباتت تُعد من أخطر الأزمات المالية في تاريخ الخليج، حيث كان سوق المناخ سوقاً موازية يتم فيها تداول أسهم الشركات غير المدرجة خارج البورصة الرسمية، ومع ازدهار الاقتصاد الكويتي في أواخر السبعينيات، انتشرت المضاربة في هذا السوق بشكل واسع، خاصة مع السماح بالبيع والشراء عبر شيكات مؤجلة الدفع من دون تغطية مالية حقيقية، ومع ارتفاع الأسعار بشكل كبير، بدت الأرباح هائلة لكنها كانت في الواقع أرباحًا ورقية قابلة للانهيار في أي لحظة.

انهارت الثقة تدريجياً عندما عجز بعض المتعاملين عن سداد الشيكات المستحقة، فتتابعت التعثرات المالية كقطع الدومينو، وبلغت قيمة الشيكات غير المسددة مليارات الدنانير، وأُغلق السوق فعلياً، وتعرض الآلاف لخسائر فادحة.

تدخلت الدولة لمعالجة التداعيات، وشُكّلت لجان لتسوية الديون على سنوات، كما تم تشديد القوانين والرقابة على الأسواق المالية لاحقاً، وقد أبرزت هذه الأزمة مخاطر المضاربة غير المنظمة والاعتماد على التزامات مالية غير مغطاة، لما يشكله ذلك من تهديد حقيقي للاقتصاد.

وقد حرم الإسلام بيع ما لا يملكه الإنسان، كأن يبيع الشخص بضاعة ما لشخص آخر قبل أن يشتريها ويكون مسؤولاً عنها، سواء بثمن عاجل أو آجل، منعاً للمضاربة في الأسعار، حيث أخرج النسائي في سننه أن عبدالله بن عمرو قال “نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن سلفٍ وبيعٍ، وعن شرطين في بيعٍ واحدٍ، وعن بيعِ ما ليس عندَك، وعن ربحِ ما لم يضمنْ”.

ومن حيث الوقاية من الشيكات المرتجعة، توصي دراسات بأن تُترك المعاملات الائتمانية متوسطة وطويلة الأجل لأدواتها الطبيعية مثل الكمبيالة والسند لأمر، باعتبارهما مصممين أصلاً كأدوات ائتمان وأجل، وأن يُقتصر دور الشيك على الوفاء الفوري قدر الإمكان، مع استخدام خطابات الضمان والاعتمادات المستندية في المعاملات التجارية الكبرى، حيث يلعب البنك دور الضامن ويعاد توزيع المخاطر بصورة أكثر كفاءة. كما تُبرز أهمية وسائل الدفع الإلكترونية والتحويلات المصرفية والبطاقات في توفير أمان أعلى وشفافية أكبر وسجلات رقمية قابلة للتتبع، بما يقلل من فرص الاحتيال ومن الحاجة إلى زجّ حرية الأفراد في السجون بسبب شيكات.

تذكر دراسة صالح حسين أحمد الباكري أن “الكمبيالة والسند لأمر أولى بالتسطير من الشيك باعتبارهما أدوات ائتمان وأجل”، وبخصوص خطابات الضمان والاعتمادات المستندية، تشير دراسة سميحة مصطفى القليوبي إلى “أثر اتفاق التحكيم على العلاقات القانونية بين أطراف خطاب الضمان المصرفي والاعتماد المستندي”، وبخصوص الإطار الزمني للشيك تؤكد دراسة أحمد رزاق نايف أهمية “الإطار الزمني للشيك كركيزة أساسية لضمان استقرار المعاملات وتحقيق العدالة الائتمانية”.

الكمبيالة هي أداة تجارية مكتوبة تتضمن أمراً صريحاً من شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه بأن يدفع مبلغاً معيناً من المال إلى شخص ثالث يسمى المستفيد في تاريخ محدد أو عند الاطلاع عليها، وبذلك تحتوي الكمبيالة عادة على ثلاثة أطراف: الساحب الذي يُصدر الكمبيالة، والمسحوب عليه المطلوب منه الدفع، والمستفيد الذي يحصل على المبلغ.

أما السند لأمر فهو تعهد كتابي مباشر يصدره شخص يلتزم فيه بدفع مبلغ محدد من المال لشخص آخر في تاريخ معين أو عند الاطلاع، وهنا يوجد طرفان فقط: المحرر أو المدين الذي يلتزم بالسداد، والمستفيد أو الدائن الذي يستحق المبلغ.

الفرق الجوهري بينهما أن الكمبيالة تعد أمراً بالدفع موجهاً لطرف ثالث، بينما السند لأمر هو تعهد مباشر بالدفع من المُحرِر نفسه، كما أن الكمبيالة تضم غالباً ثلاثة أطراف، بينما السند لأمر يقوم بين طرفين فقط، وتُستخدم كلتاهما في المعاملات التجارية لتوثيق الديون وتنظيم المدفوعات المؤجلة، وتُعتبران من الأوراق التجارية ذات القوة القانونية الخاصة في معظم التشريعات.

على مستوى الاتجاهات الإصلاحية، تُظهر تجارب الإمارات ومصر وعُمان وغيرها ميلاً إلى نقل جزء من عبء تنظيم الشيك من القانون الجنائي إلى قوانين المعاملات التجارية والتنفيذ المدني، مع التركيز على تجريم الأفعال الاحتيالية المحددة والإبقاء على حجية الشيك كسند تنفيذي، في الإمارات مثلاً، أعيد النظر في تجريم الشيك بدون رصيد لصالح نظام يركز على التنفيذ المدني المباشر مع حصر التجريم في صور الغش، بينما في مصر انتقلت جريمة الشيك من قانون العقوبات إلى قانون التجارة الجديد مع إعادة ضبط نطاقها.

القاضي الدكتور محمد حسن الهيل، قاضي بمحكمة التمييز، يوضح أن الشيك الذي يتم التأشير عليه من قبل البنك بعدم وجود رصيد كاف أو بوجود رصيد جزئي يُعد سنداً تنفيذياً

يكشف التحليل بين الممارسات الإقليمية والتشريع القطري أن الشيك يعيش توتراً بنيوياً بين طبيعته كأداة وفاء نقدية وبين جاذبيته كأداة ضمان وائتمان، وهي جاذبية غذتها سهولة اللجوء إلى الجزاء الجنائي كسلاح تفاوضي وردعي، التجارب الفلسطينية والكويتية والعُمانية وغيرها تُظهر أن تحويل الشيك إلى أداة ائتمانية مؤجلة يضاعف المخاطر على الدائنين ويزعزع الثقة في النظام المالي.

بينما تسعى التعديلات القطرية الحديثة إلى إعادة ضبط العلاقة بين الحماية الصرفية والجزائية وإدارة المخاطر المصرفية من خلال الدفع الجزئي والتتبع الائتماني دون التخلي عن التجريم في حالات سوء النية، ومن ثم، تبرز التجربة القطرية كنموذج وسط يحاول الموازنة بين حماية الثقة في الشيك كأداة وفاء قوية وبين تجنّب الإفراط في استخدام العقوبة السجنية، مع فتح المجال أمام تطور تدريجي نحو مزيد من الاعتماد على الآليات المدنية والمصرفية والائتمانية لإدارة مخاطر الشيكات في المستقبل.

إن علاقة المال بالزمن علاقة جوهرية لا يمكن الفصل بينها، فالقيمة المالية لا تبقى ثابتة، بل تتأثر بعوامل مثل التضخم، وتقلب الأسواق، وتغيّر القدرة الشرائية، إضافة إلى مخاطر التعثر وعدم السداد، لذلك فإن المعاملات المالية الآجلة سواء كانت ديوناً أو أقساطاً أو عقود بيع مؤجل يجب أن تُدار بحذر شديد، ووفق ضوابط واضحة تحمي الطرفين وتمنع الاستغلال والغرر. 

فكل التزام مالي يمتد عبر الزمن يحمل في جوهره درجة من المخاطرة، ولا تتحقق العدالة والاستقرار الاقتصادي إلا حين تُضبط هذه المعاملات بقواعد دقيقة تضمن الشفافية، وتحدد المسؤوليات، وتمنع تضخم الديون أو تداولها بشكل يضر بالأفراد والمجتمع.

Yousif Al Hamadi
Yousif Al Hamadihttp://www.qawl.com
مستودع أفكار لا تنتهي، بعضها وجد السبيل إلى أرض الواقع والآخر لا يزال، جميعها في ميدان الإعلام، مدعياً أنه أصبح فوق مستوى التأهيل.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية