spot_imgspot_img
بيتالطفلظاهرة التنمر وأثرها حين يتحول الاختلاف إلى أذى

ظاهرة التنمر وأثرها حين يتحول الاختلاف إلى أذى

مصاباً بالتقزم، وُلِد الطفل المنتمي إلى إحدى قبائل سكان أستراليا الأصليين كوادِن بايلز في 2010، لكنه بسبب شكله المختلف كقزم، كان يعاني منذ صغره من نظرات الناس وتصويرهم له، كما تعرض في المدرسة لتنمر متكرر وسخرية مهينة.

وقد تأثرتُ جداً، كما تأثر الملايين حول العالم، بمقطع الفيديو الذي نشرته والدته عنه في 2020  وهو يبكي بحرقة بعد عودته من المدرسة بسبب كم التنمر الذي يتعرض له يومياً من زملائه في المدرسة.

والدة طفل أسترالي ترفع الوعي حول التنمر في فيديو انتشر على نطاق واسع

شخصياً تعرضت مراراً في طفولتي من زملاء الدراسة في مصر للتنمر في شكل سخرية أو ألقاب كوميدية متنوعة تُطلق عليّ، غالباً إما بسبب حجمي الصغير أو بسبب إنطوائي الخجول وسلوكي المهذب.

كنت أتغلب على محاولات الانتقاص هذه مني باستراتيجية نفسية دفاعية تُفسِر هذا التنمر بأنه وليد نفوس شريرة حاقدة، أقابلها في قرارة نفسي ببغض خفي واستعلاء داخلي تصاحبهما ثقة كبيرة في النفس كأنها حائط صد عال لا يسمح بمرور هذه الخروقات.

كان هناك دائماً بجوار هؤلاء المتنمرين من يتطوع للعب دور البطل المنقذ لي، الأمر الذي كنت أجاريه من باب حفظ الجميل، لا من باب شعور حقيقي بالحاجة إلى حماية.

المؤكد، أنني لم ألجأ أبداً للصدام البدني في الدفاع عن نفسي، ربما نتيجة لتربيتي في بيئة نسائية صرفة، بين أم وجدة وأخت، في ظل غياب نموذج ذكوري أقتدي به، بسبب اليتم المبكر في سن السادسة.

لكن ما أدهشني في حوار مع صديق قطري هو ما كان يتعرض له في المدرسة من تنمر زملائه عليه، لا بسبب نقص ما كان يعاني منه، بل بسبب تميزه، المتمثل في وسامته وتفوقه الدراسي وإنجازاته المحلية والدولية في رياضة السباحة.

وخلافاً لاستراتيجيتي الكامنة، كان صديقي هذا – كما حكى لي – يقابل ذلك بفعل عملي ظاهر، لا بموقف نفسي باطن، فلا يتردد للحظة في ضرب من يتنمر عليه ضرباً مبرحاً يطرحه أرضاً، بل ويغيبه عن المدرسة لعدة أيام طريح الفراش.  

تقول سوزان تشينري وريبِكا آرمسترونغ في مقال لهما على موقع سي بي سي بعنوان لا تنادوني بلطيف: الطفل كوادِن بايلز المصاب بالتقزم ووالدته ياراكا يرويان حقيقة التحول إلى انتشار فيروسي، إنه في إحدى المرات من عام 2020 انهار نفسياً وهو في التاسعة من عمره، فصورته والدته وهو يبكي، بسبب ما يتعرض له من تنمر، لدرجة أنه قال في مقطع الفيديو الذي نشرته أمه على فيسبوك طلباً للمساعدة إنه يريد الانتحار، لتتحول بذلك قصته إلى قضية عالمية جذبت تعاطفاً واسعاً من المشاهير وعامة الجمهور على حد سواء.

تضيف الكاتبتان أنه في المقابل ظهرت موجة تشكيك وهجمات إلكترونية اتهمت العائلة بالكذب، ما دفعها إلى اللجوء لمحامين لإزالة المحتوى المسيء، ورغم الضغوط قررت الأسرة توجيه معظم التبرعات للجمعيات الخيرية، لاحقاً عاد كوادِن إلى المدرسة ضمن خطة دعم خاصة، وأكدت والدته رغبتها في تشريع يحمي الأطفال ذوي الإعاقة من التنمر، بينما يحلم كوادِن بأن يعيش حياة طبيعية ويساعد الآخرين عندما يكبر.

وفي مقال لليزا سكوت وإيرين سيمبلر على موقع أر إن زِذ بعنوان ممثل فيلم فيريوسا كوادِن بايلز يقول: “أنا شخص مختلف تماماً” بعد أربع سنوات من انتشار فيديو التنمر يشيران إلى أن حياة كوادِن تغيرت كثيراً بعد انتشار الفيديو بأعوام، فقد دخل عالم التمثيل في هوليوود، وظهر في أعمال سينمائية، من بينها فيلم ثلاثة آلاف عام من الشوق، وفيلم فيريوسا، حيث أشاد الكثيرون بقدراته وثقته المتجددة.

وتحولت قصته وفقاً لحلقة من برنامج قصص أسترالية على قناة إيه بي سي بعنوان جرو الحرب | كوادِن بايلز من قصة طفل ممزق بسبب التنمر إلى قصة أمل وتغيير وحصل على منصة أكبر للتوعية ضد التنمّر وقبول الآخر، لتُذكر اليوم كأحد أبرز الأمثلة على تأثير التنمر وكيفية مواجهته والدفع نحو بيئة تعليمية واجتماعية أكثر احتراماً.

هذه النهاية السعيدة في قصة الطفل كوادِن ليست حتمية، بل العكس هو الغالب، وإلا لما كان التنمر ظاهرة واسعة الانتشار في كل المجتمعات بلا استثناء يذكر، حتى في دول حقوق الإنسان.

وفقاً لموقع إتِمُونلاين وهو قاموس على الإنترنت يشرح أصل الكلمات الإنجليزية ومتى ظهرت وتطورت معانيها تاريخياً، نجد أن كلمة bully التي باتت مؤخراً تترجم إلى كلمة تنمر ظهرت لأول مرة في اللغة الإنجليزية في ثلاثينيات القرن السادس عشر بمعنى حبيب أو أخ، وربما اشتقت من الكلمة الهولندية الوسطى broeder، لكن تدهور المعنى في ثمانينيات القرن السابع عشر  إلى معنى مضايقة الضعفاء،  ومن معنى القواد الذي يحمي بائعة الهوى، ومؤخرا بمعنى التنمر.

أما كلمة تنمر العربية، فقد توصلت دراسة بعنوان التنمر في العالم العربي: التعريف، التصور، والآثار على الصحة العامة والتدخلات إلى أن كلمة تنمر كلمة عربية قديمة لم تُغفلها المعاجم المعتمدة، وهي بمعنى التشبه بالنمر في الشراسة والحدة والبطش، لكن المعنى الحديث للكلمة بوصفه ترجمة لمفهوم Bullying أي الاعتداء المتكرر على الأضعف نفسياً أو اجتماعياً لم يكن مستخدماً في العربية المعاصرة إلا متأخراً نسبياً، ثم ترسخ بعد ذلك في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مع انتشار النقاش حول العنف المدرسي، وكانت تُستخدم قبل شيوع كلمة تنمر كلمات أخرى مثل: سخرية، أو إيذاء، أو اعتداء، أو اضطهاد، أو تحرش، أو بلطجة.

تبحث الدراسة ظاهرة التنمر بين عرب مقيمين في دولة قطر من خلال دراستين، في الأولى، شارك فيها 36 مراهقاً  من جنسيات عربية مختلفة في مجموعات نقاش حول ثلاثة مواقف دون استخدام كلمة تنمّر، وبيّنت النتائج أن معظمهم ركز على نية الإيذاء واختلال القوة في وصف السلوك، مع وجود فروق ملحوظة خصوصاً بين المصريين وغيرهم. كما استخدم المشاركون غالباً كلمات مثل تعدّي، بينما كان استخدام كلمة “تنمّر” نادرًا.

أما الدراسة الثانية فشملت 117 طالباً، حيث لاحظ الباحثون أن الطلاب الذين يدرسون بالإنجليزية يستخدمون كلمة Bullying، بينما يفضّل الطلاب العرب وصف السلوك بعبارة سلوك سيئ، وتشير النتائج إلى أن مصطلح تنمر غير راسخ بعد عربياً، وأن هناك حاجة لمصطلح عربي أوضح ومتوافق ثقافياً لدعم الوعي ووضع سياسات وتدخلات فعالة للحد من التنمر.

ووفقاً لموقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) يُعرَف التنمر بأنه أحد أشكال العنف الذي يرتكبه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر بشكل متعمد ومتكرر، وقد يكون في صورة إشاعات، أو تهديد، أو اعتداء جسدي أو لفظي أو إلكتروني، أو عزل اجتماعي، أو أي سلوك يهدف إلى الإيذاء.

ولا يُعد كل خلاف أو مزاح نوعاً من التنمر، إذ لا بد أن تتوافر ثلاثة عناصر أساسية: أن يكون السلوك مقصوداً، ومتكرراً، وقائماً على اختلال في ميزان القوة بين الطرفين.

وغالباً ما يكون الأطفال المختلفون في المظهر أو الخلفية الاجتماعية أو ذوو الإعاقة أكثر عرضة للتنمر، مما يتسبب في آثار خطيرة على الطفل، مثل انخفاض الثقة بالنفس، أو تراجع الأداء الدراسي، أو العزلة، أو القلق، أو الاكتئاب، وقد يصل الأمر في حالات حادة إلى محاولة الانتحار.

أنا ضد التنمر للممثل المصري أحمد حلمي

من أسباب ظاهرة التنمر عند الأطفال في كثير من الأحيان التي ذكرها موقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) عوامل نفسية واجتماعية متعددة، فغالبية المتنمرين كانوا هم أنفسهم ضحايا للتنمر في مرحلة سابقة، أو ينضمون إلى جماعات تمارس التنمر بدافع السعي للشهرة أو القبول الاجتماعي أو لتجنب أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا للتنمر.

كما قد يتعلم الطفل السلوك العدواني من بيئته المنزلية أو المدرسية أو من وسائل الإعلام، وقد يدفعه الإهمال الأسري أو العلاقة المتوترة مع الوالدين إلى البحث عن تعويض نفسي عبر السيطرة على الآخرين.

وقد يلجأ أحياناً الطفل بسبب شعوره بالضعف أو العجز في حياته إلى التنمر ليكتسب شعوراً بالقوة، إضافة إلى تأثير الغيرة أو الرغبة في لفت الانتباه، أو ضعف الإحساس بالأمان العاطفي.

وقد يكون وراء هذا السلوك تجارب سابقة عززت لديه فكرة أن التنمر وسيلة لتحقيق رغباته، فضلاً عن نقص وعيه بما يلحقه هذا السلوك من أذى نفسي واجتماعي بالضحايا.

ولا يتضرر الطفل الضحية وحده فقط من التنمر، فعندما يشاهد طفل آخر واقعة تنمر دون أن يستطيع التدخل، فغالباً يتأثر نفسياً رغم أنه ليس الضحية المباشرة، إذ قد يشعر بالذنب والعجز وقلة الحيلة، لأنه لم يساعد الضحية، أو لاعتقاده أن شخصاً آخر سيتدخل، مما يجعله صاحب سلوك سلبي، أو لأنه قد يكون من أصدقاء الطرف المعتدي ولا يريد أن يخسر صداقته معه، كما أنه يعيش في قلق وخوف دائم من أن يتعرض هو نفسه للتنمر لاحقاً إن تدخل لوقف هذا الاعتداء.

وفقاً لموقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فإن التعامل مع مشكلة التنمر يشمل أربعة أطراف رئيسية: الأطفال والمراهقين عموماً، وأهالي الطفل الذي يتعرّض للتنمر، وأهالي الطفل الذي يمارس التنمر، إضافة إلى المعلمين.

بالنسبة للأطفال والمراهقين، يوضح الموقع أنه لا بد بداية من الإبلاغ عن أي حالة تنمر  أو إساءة، والتأكيد على أنه عمل شجاع يحترم عليه صاحبه، ثم البعد عن الأفراد والمجموعات المعروفة بممارسة التنمر حتى لو كانوا من الأصدقاء أو المقربين، ولمن يشعر بالخوف عليه تجنب أن يكون بمفرده أو في مكان بلا إشراف، وإذا كانت الإساءة لفظية فلا ينبغي الرد بإهانة لأن ذلك يعطي المتنمر قوة ويزيد المشكلة، وإذا كانت الإساءة بدنية فيجب الحفاظ على السلامة الشخصية والدفاع عن النفس، وطلب مساعدة شخص بالغ، والتحدث مع شخص ثقة مثل الوالدين والمعلم، كما ينبغي الاتصال بخط نجدة الطفل للحصول على دعم إضافي إذا لم تتضح كيفية التعامل مع الموقف.

بالنسبة لأولياء الطفل المتنمر عليه، يقدم الموقع نصائح موجّهة لآباء وأمهات الأطفال الذين يتعرّضون للتنمر، موضحاً أن كثيراً من الأطفال قد لا يخبرون أهلهم بما يحدث لهم بسبب الخوف أو الشعور بالحرج أو عدم إدراك أن ما يتعرضون له هو تنمر، وقد يخشون أيضاً من تقييد استخدامهم للإنترنت إذا كان التنمر إلكترونياً، ومن العلامات التي قد تدل على تعرض الطفل للتنمر: ظهور إصابات أو آثار جسدية غير مبررة، أو رفض الذهاب إلى المدرسة، أو تغير واضح في السلوك أو المزاج، أو القلق، أو العزلة، أو تراجع المستوى الدراسي، أو كثرة الشكاوى الصحية، وقد يصل الأمر أحياناً إلى أن يبدأ الطفل بممارسة التنمر داخل المنزل.

عند اكتشاف الأمر يُنصح بأن يستمع الأهل للطفل بهدوء وتعاطف دون لوم أو انتقاد، مع محاولة فهم التفاصيل وجمع المعلومات، ثم التواصل مع المدرسة بطريقة هادئة للتأكد من متابعة الموقف وحماية الطفل، مع الحرص على شكر أي خطوات إيجابية يتم اتخاذها، كما يُفضل إشراك الطفل في وضع خطة للتعامل مع الموقف وتدريبه على التصرف الآمن والإبلاغ عند حدوث أي اعتداء، ومتابعته بشكل منتظم للتأكد من تحسن حالته.

وتتضمن النصائح الوقائية الاهتمام بتثقيف الطفل حول التنمر، وتعليمه أنه يستحق الاحترام، وتعزيز ثقته بنفسه، وتهيئة بيئة أسرية آمنة يمكنه فيها التحدث بحرية عن مشاعره وتجاربِه، كما ينبغي تشجيع الأهل على توعية الطفل بأنواع التنمر المختلفة، بما فيها الإلكتروني، ووضع قواعد آمنة لاستخدام الإنترنت، ودعم مشاركته في الأنشطة الاجتماعية، وتشجيعه على مساندة الآخرين عند الحاجة. كما يتم التذكير بأن طلب المساعدة من الجهات المختصة يُعد خيارًا متاحًا إذا لم يعرف الأهل كيف يتصرفون.

بالنسبة للطفل المُتَنَمِر العدواني يعرض موقع يونيسف مصر مجموعة من العلامات التي قد تشير إلى أن الطفل يمارس التنمر على الآخرين، مثل ميله لتبرير العنف أو التصرف بعدوانية، والسعي للسيطرة على الآخرين، والغرور والأنانية، وعدم التعاطف مع مشاعر الناس، والتلاعب بالغير أو خرق القواعد دون مبالاة.

كما يؤكد أن بعض الأطفال قد لا يُظهرون هذه السلوكيات أمام والديهم، لذلك يجب أخذ شكاوى المدرسة أو الأهالي الآخرين بجدية إذا تكررت، وعند التأكد من أن الطفل يمارس التنمر، ينصح الموقع الأهل بالتعامل مع الأمر بجدية وعدم إنكار المشكلة أو تبريرها، ثم الاستماع للطفل بهدوء لمعرفة دوافعه، مع التأكيد على أن التنمر سلوك اختياري وغير مقبول مهما كانت الظروف.

كما يشجع الأهل على شرح خطورة التنمر وأثره على الآخرين، وتحديد عواقب واضحة في حال تكرار السلوك دون اللجوء إلى العنف أو القسوة، لأن ذلك يعزز فكرة أن العدوان هو وسيلة لحل المشكلات، كذلك يُنصح بتشجيع السلوك الإيجابي عندما يُظهر الطفل تعاوناً أو لطفاً مع الآخرين، وتنمية قدرته على التعاطف معهم، ويمكن دعم الطفل بأنشطة اجتماعية مفيدة تعزز احترامه لذاته ومساهمته في خدمة غيره، مع الاستمرار في متابعة سلوكه وعدم تجاهل أي مؤشرات لعودة المشكلة.

وإذا استمرت سلوكيات التنمر رغم محاولات الإصلاح، توصي يونيسف بالاستعانة بأخصائي نفسي لمساعدة الطفل والأسرة على تجاوز الأمر، كما يشير الموقع إلى إمكانية طلب الدعم عبر خط نجدة الطفل في مصر عند الحاجة.

كما يقدم الموقع إرشادات للمعلمين حول كيفية التعامل مع حالات التنمّر داخل المدرسة، ويشدد على أخذ أي بلاغ عن تنمر على محمل الجد، وشكر الطالب الذي أخبر عن تعرضه للتنمر، وطمأنته بأنه ليس مخطئاً، وإظهار التعاطف معه ومساعدته على الشعور بالأمان، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد المتنمِر والتواصل مع أولياء الأمور والمتابعة بانتظام، والبحث عن مساعدة خارجية مثل الأخصائي الاجتماعي أو خط نجدة الطفل عند الحاجة.

وللحد من التنمر في الفصل، يُنصح المعلم بأن يثقف نفسه حول التنمر ويشارك زملاءه المعرفة، ويضع قواعد واضحة ضد التنمر وتحذير الطلاب من العواقب، وخلق جو من الود والانخراط الإيجابي مع الطلاب، ومراقبة الأطفال الأكثر عرضة للتنمر وتشجيع زملائهم على دعمهم، واستخدام تمثيل الأدوار مع الطلاب لوضع خطط لمعالجة التنمر، وإبلاغ الطلبة بأنه مستعد دائماً لمساعدتهم.

كما يوضح الموقع كيفية التعامل مع الطفل الذي يمارس التنمر عن طريق الاستماع له وتوضيح أن سلوكه غير مقبول، ومساعدته على فهم الأسباب التي دفعته لذلك، وتعليمه التعاطف مع الآخرين، وجعله يصلح ما أفسده مثل الاعتذار، وتقدير أي تغيير إيجابي في سلوكه، والتنسيق مع أسرته لوضع خطة مشتركة.

كما توجد إرشادات للتصرف الفوري عند ملاحظة واقعة تنمر بالتأكد أولاً من أن الأطفال بأمان، وتهدئتهم، والتصرف بحزم غير عدواني، وأن يُشدد على جهود المدرسة لرفع الوعي بين الأطفال، والتركيز على السلوك الإيجابي بنفس قدر الاهتمام بالأداء الأكاديمي، وتدريب الموظفين، وإشراك الآباء والطلاب في التوعية ومنع التنمر.

في مقال على موقع اليونسكو بعنوان العنف المدرسي والتنمر مشكلة عالمية كبرى، وفقاً لمنشور جديد صادر عن اليونسكو، يتناول تقريراً بعنوان وراء الأرقام: وضع حد للعنف المدرسي والتنمر يؤكد أن العنف في المدارس والتنمر يمثلان مشكلة عالمية كبيرة تؤثر على ملايين الطلاب حول العالم، استناداً إلى بيانات واسعة من مسوح عالمية تغطي 144 دولة، حيث توصل إلى أن أن حوالي واحد من كل ثلاثة طلاب قد تعرض للتنمر أو العنف البدني من زملائه، بينما يتعرض نحو 10% من الطلاب للتنمر الإلكتروني. وتؤكد اليونسكو أن هذه الظاهرة موجودة في جميع المناطق بالعالم، وتأخذ أشكالاً متعددة: نفسية، وجسدية، وجنسية.

ويشير التقرير إلى أن التنمر والعنف المدرسي يسببان آثاراً تعليمية ونفسية خطيرة، مثل ضعف التحصيل الدراسي، التسرب المدرسي، القلق والاكتئاب، واضطرابات النوم، بل وحتى التفكير في الانتحار لدى بعض الحالات، كما أن الطلاب الذين يُنظر إليهم على أنهم مختلفون بسبب الشكل أو العرق أو الهوية  أو الوضع الاجتماعي يكونون أكثر عرضة للتنمر.

ورغم الصورة المقلقة، يذكر المقال أن بعض الدول نجحت في خفض نسب التنمر عبر سياسات واضحة، وتدريب المعلمين، وتوفير أنظمة فعالة للتبليغ، وتقديم الدعم النفسي للطلاب، وخلق بيئة مدرسية آمنة وشاملة، كما يشدد على أهمية تعاون المدارس مع الأسر والمجتمع، ويؤكد أن مواجهة العنف المدرسي ضرورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خصوصاً التعليم الجيد والمجتمعات السلمية.

وفي اعتقادي الشخصي أن التنمّر لا يتعلق فقط بسلوك فردي بين الطلاب، بل يعكس سياقاً اجتماعياً وثقافياً أوسع؛ فغياب القيم التربوية، ونقص الوعي بأهمية الاحترام، وعدم وجود بيئات مدرسية داعمة، كل ذلك يجعل من التنمر واقعاً يعيق عملية التعليم ويُضعف الانسجام داخل المجتمع.

في ضوء ذلك، تتطلب مكافحة التنمر نهجاً تكاملياً يشمل التوعية والتعليم والسياسات المدرسية والتعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لضمان بيئات آمنة تُشجع على الاحترام والمتعة في التعلم، وهو ما يجعل مكافحة التنمر ضرورة أخلاقية وتربوية عاجلة لا يمكن تجاوزها إذا أردنا مجتمعات أكثر صحة وعدلاً.

المؤكد أن الشر بكل صوره بما فيها التنمر لن يختفي من العالم، لذلك يجب أن نتعلم ونعلم أطفالنا كيف نميزه وكيف نتجنبه وكيف إذا لزم الأمر نقاومه.

Ahmad Okbelbab
Ahmad Okbelbab
يَنظُمُ الحروفَ كحبات اللؤلؤ، لكنها سرعان ما تنفرط ليجمعها من جديد بحثاً عن شيء ما، ثم في النهاية يستسلم أمام الكلمات التي تأسره، والمعاني التي تفاجئه.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية