تشكل القوانين المرورية أحد الأسس الحيوية لتنظيم الحياة اليومية في المجتمعات الحديثة، إلا أن بعض النصوص القانونية غالباً ما تُساء قراءتها أو تُفهم خارج سياقها، فتتحول إلى إشاعات أو خرافات قانونية تنتشر بين الناس وكأنها حقائق راسخة.
فشعرت أنه من المهم تسليط الضوء على مجموعة من القوانين المرورية الغريبة أو غير الدقيقة التي تتناقل كثيراً، ونقوم بتصحيحها استناداً إلى النصوص القانونية الفعلية، معتمدين على مصادر رسمية في عدد من الدول حول العالم.
فمثلاً، يُقال إن سنغافورة تُلزم السائقين بالحفاظ على مسافة 50 متراً من المشاة، وتخيل معي كل سائق يحتفظ معه بشريط طوله 50 متراً ينزل به من سيارته كل دقيقة ليقيس المسافة بينه وبين المشاة.
طبعاً هذا غير صحيح، لأن الحقيقة أن القانون يتناول سلوك المشاة أنفسهم، وليس السائقين، فوفقاً لقواعد عبور المشاة المذكورة في الفصل رقم 276 من قانون المرور السنغافوري تنص المادة رقم 3 على أنه “يجب على أي مشاة أو راكب دراجة أو مستخدم لجهاز تنقل شخصي أن يستخدم ممر المشاة لعبور الطريق إذا كان على بعد 50 متراً منه، ما لم تُبيّن إشارات المرور مسافة أقل من ذلك”.
هذا يعني أن القانون يُلزم المشاة باستخدام ممر المشاة إذا كانوا ضمن نطاق 50 متراً منه، ولا يفرض على السائقين الحفاظ على مسافة 50 متراً من المشاة.

أما في روسيا، فثمة اعتقاد شائع بأن السائق قد يُغرم بسبب قيادة سيارة متسخة، لكن هذا غير دقيق من الناحية القانونية، فالقانون لا يُعاقب على اتساخ السيارة بحد ذاته، بل يعاقب على عدم وضوح لوحة رقم السيارة بسبب الأوساخ أو غيرها،
تنص المادة رقم 12.2 في الجزء الأول من قانون المخالفات الإدارية الروسي على أن “لوحة تسجيل المركبة غير مطابقة للمعايير إذا كانت لا تستوفي المتطلبات المنصوص عليها في التشريعات الخاصة بالتنظيم الفني، وتُعد غير مقروءة إذا كان من غير الممكن قراءة حرف واحد على الأقل أو رقم واحد على الأقل من اللوحة الخلفية أثناء الليل من مسافة 20 متراً، أو من اللوحة الأمامية أو الخلفية أثناء النهار من نفس المسافة”.
وبهذا، فإن اتساخ السيارة من الخارج لا يُعد مخالفة في حد ذاته، وإنما تقع المخالفة فقط إذا أدى ذلك إلى حجب رقم اللوحة.
في ألمانيا، تنتشر أسطورة قانونية مفادها أن القيادة بدون حذاء أو بأحذية غير مناسبة مثل الكعب العالي أو النعال ممنوعة قانوناً، غير أن هذا غير صحيح. فلا ينص القانون صراحة على حظر نوع معين من الأحذية أو القيادة حافياً، لكنها قد تُعتبر إهمالًا جسيماً إذا تسببت في حادث، مما يؤثر على تغطية التأمين.
فالمادة رقم 1، في الفقرة رقم 2 من قانون المرور الألماني، تنص على أن “كل مستخدم للطريق يجب أن يتصرف بطريقة لا تُعرض الآخرين للخطر أو تُزعجهم أكثر مما هو ضروري”.
كما تنص المادة رقم 23، في الفقرة 1 من القانون نفسه على أن “السائق مسؤول عن ضمان ألا تتأثر رؤيته أو سمعه بأي أجهزة أو ملابس أو أحذية”.
لذلك، يُنصح بارتداء أحذية مناسبة وثابتة أثناء القيادة لضمان السلامة وتجنب المشاكل القانونية أو التأمينية، فإن وقوع حادث أثناء القيادة بحذاء غير مناسب قد يُفسر من قبل شركات التأمين على أنه إهمال جسيم، مما قد يؤثر على تغطية التأمين أو تحميل السائق جزءاً من المسؤولية.
وفي الفلبين، وتحديداً في العاصمة مانيلا، يُطبق نظام الترقيم المروري الذي يُقيِّد حركة المركبات الخاصة في ساعات الذروة حسب الرقم الأخير في لوحة الترخيص.
ورغم عدم وجود قانون رسمي، فإن هذه السياسة تُنفذ بقرارات ولوائح صادرة عن هيئة تطوير مانيلا، فعلى سبيل المثال، تُمنع السيارات التي تنتهي أرقام لوحاتها بـ 1 أو 2 من السير في طرق رئيسية أيام الإثنين من الساعة 7 إلى 10 صباحاً ومن 5 إلى 8 مساءً، ويهدف هذا الإجراء إلى الحد من الزحام، ويُعتبر قيداً إدارياً نافذاً رغم كونه غير منصوص عليه بقانون تشريعي.
وقد أعلن موقع هيئة تطوير مانيلا الكبرى عن بدء إعادة تطبيق برنامج تقليل حجم المركبات الموحد، المعروف باسم نظام الترقيم المروري، في منطقة العاصمة مانيلا اعتباراً من 15 أغسطس 2022، وذلك في أيام الأسبوع من الساعة 7:00 صباحاً إلى 10:00 صباحاً ومن الساعة 5:00 مساءً إلى 8:00 مساءً، باستثناء أيام العطل الرسمية.
وقد جاء هذا القرار عقب موافقة مجلس بلدية مانيلا الكبرى، الذي يضم عمداء أحياء العاصمة، في اجتماع على اللائحة رقم 22-14 لسنة 2022، وذلك نظراً للزيادة المتوقعة في عدد المركبات تزامناً مع عودة المدارس،
وبموجب هذا النظام، تُمنع المركبات التي تنتهي أرقام لوحاتها كالتالي من السير خلال الأوقات المذكورة: الإثنين: الأرقام 1 و2، الثلاثاء: الأرقام 3 و4، الأربعاء: الأرقام 5 و6، الخميس: الأرقام 7 و8، الجمعة: الأرقام 9 و0.
حيث تهدف إعادة تطبيق هذا النظام في العاصمة إلى تقليل حجم حركة المرور بنسبة 20% خلال ساعات الذروة صباحاً ومساءً.
ويُستثنى من هذا النظام الفئات التالية: المركبات العامة والحكومية، ومركبات خدمات النقل عبر التطبيقات، والدراجات النارية، وشاحنات القمامة والوقود، والشاحنات الكبيرة، وسيارات الإسعاف، ومركبات الإعلام، والمركبات التي تنقل سلعاً أساسية أو سريعة التلف، أما على الطرق الثانوية، فتُطبّق القوانين المحلية الخاصة بكل وحدة حكومية محلية.
أما في ولاية كولورادو الأميركية، فتنتشر شائعة تقول إن قيادة سيارة سوداء يوم الأحد ممنوعة قانونيا، إلا أن هذه المزاعم لا أساس لها في القوانين أو السجلات الرسمية، وهي مجرد خرافة تتكرر بين الناس دون تمحيص، كما هو الحال مع العديد من الحقائق الغريبة التي تُنقل عن قوانين قديمة أو سياسات محلية لم يكن لها وجود أصلاً.
وقد أجرى الصحفي جيسون لوبر من قناة دنفر7 إيه بي سي تحقيقا موسعاً للتثبت من صحة الأمر، حيث اتصل بإدارة الأشغال العامة في مدينة دنفر، التي أحالته بدورها إلى مكتب النائب العام للمدينة، وهناك أكدت له المحامية ميليسا سميث عدم وجود أي سجل قانوني يحتوي على مثل هذا الحظر، ولم تعثر خلال بحثها على ما يدل على أن مثل هذا القانون كان موجوداً في أي وقت، واقترحت عليه التواصل مع وزارة النقل في كولورادو، ففعل ذلك.
ويرجح لوبر أن تكون هذه الشائعة مستندة إلى ما كان يُعرف بالقوانين الزرقاء أو قوانين يوم الأحد في القرن التاسع عشر التي كانت تحد من بعض الأنشطة أيام الأحد في ولايات أمريكية عديدة لأسباب دينية أو أخلاقية، منها حظر بيع الكحول أيام الأحد، ومثل قانون لا يزال سارياً في كولورادو يمنع معارض السيارات من العمل أيام الأحد، المنصوص عليه في المادة رقم 6 من القانون المعدل للولاية كولورادو.
في اليابان، القانون واضح في ما يتعلق بالقيادة عبر الطرق الموحلة أو المغمورة بالمياه، إذ تنص المادة 71 من قانون المرور الياباني على أن السائق ملزم بتركيب “واقيات طين على المركبة أو السيارة، أو القيادة بسرعة منخفضة، أو اتخاذ تدابير أخرى لتجنب التسبب في إزعاج للآخرين نتيجة تناثر الطين أو الماء المتسخ أو غيرها من المواد عند المرور عبر الطين أو البرك”.
وبينما لا يُستخدم لفظ الغرامة بشكل صريح في النص، إلا أن هذه المخالفة تُصنف كإزعاج متعمد، وقد تؤدي إلى عقوبات تشمل الغرامات أو حتى سحب الرخصة في حالات معينة.
أما في الدول الإسكندنافية، فثمة التزام عام بتشغيل المصابيح الأمامية للسيارة في النهار، وهو إجراء مطبق منذ عقود، ونابع من طبيعة الطقس دائم الغيوم، ولا يزال معمولاً به، ويُخالف السائق إن لم يلتزم به.
ففي السويد على سبيل المثال، يُلزم القانون جميع المركبات بتشغيل المصابيح أثناء القيادة في جميع الأوقات، بما في ذلك خلال ساعات النهار، ووفقاً للموقع الرسمي لاختبار القيادة في السويد فقد طُبّق هذا الإجراء منذ 1 أكتوبر 1977، ويشمل جميع المركبات في جميع الأماكن والفصول، وهو جزء من جهود تعزيز السلامة المرورية عبر تحسين رؤية المركبات على الطريق.
والهدف من تشغيل المصابيح نهاراً هو زيادة وضوح السيارة للمستخدمين الآخرين للطريق، مما يقلل من احتمالية وقوع الحوادث، لا سيما في الدول الإسكندنافية التي تشهد فترات طويلة من الظلام أو ضعف الإضاءة الطبيعية خلال الشتاء.
ويسمح القانون السويدي باستخدام المصابيح الأمامية المنخفضة، أو مصابيح النهار، أو مصابيح الضباب خلال النهار، لكن من المحظور قانوناً الجمع بين أنواع معينة من الأضواء، مثل تشغيل المصابيح الأمامية المنخفضة ومصابيح النهار أو مصابيح الضباب في الوقت نفسه، وذلك لتجنب إبهار السائقين الآخرين.
كما أن مصابيح النهار ليست بديلاً عن المصابيح الأمامية الكاملة، فهي تُستخدم لزيادة رؤية السيارة من قبل الآخرين، لكنها لا تُضيء الطريق بشكل كافٍ. ولهذا، يجب على السائقين تشغيل المصابيح الأمامية العادية في حالات الإضاءة المنخفضة أو عند حلول الظلام.
في إسبانيا يذكر موقع إل ديا أن أكثر من 61٪ من الإسبان ممن يبلغون 15 عاماً فأكثر، أي نحو 24.4 مليون شخص يستخدمون النظارات أو العدسات اللاصقة يومياً، وفقاً لإحصاءات المعهد الوطني للإحصاء، ومع هذا الانتشار الكبير، يتكرر السؤال خصوصاً في فصل الصيف عندما تكثر الرحلات الطويلة، هل يُلزم القانون الإسباني بحمل نظارات احتياطية داخل السيارة؟
كان القانون يلزم السائقين الذين يحتاجون إلى نظارات طبية أن يحتفظوا بنظارات احتياطية في السيارة، لكن هذا الإجراء لم يعد إلزامياً، ومع ذلك، لا يزال السائق ملزماً باستخدام أدوات التصحيح البصري أثناء القيادة إذا كانت مذكورة في رخصة القيادة، والتي غالباً ما تتضمن رمزاً مثل 01.01 الذي يعني وجوب ارتداء السائق لنظارة طبية، و الرمز 01.02 الذي يعني وجوب ارتداء عدسات لاصقة، والرمز 01.06 الذي يعني وجوب ارتداء نظارة طبية أو عدسة لاصقة.
يُعد عدم الامتثال لهذه المتطلبات مخالفة مرورية خطيرة، وقد يؤدي إلى غرامة تصل إلى 200 يورو. لذلك، يُنصح السائقون بالتحقق من الرموز المكتوبة في رخصة القيادة الخاصة بهم والتأكد من الالتزام بها أثناء القيادة.
أما في قبرص، فيذكر موقع بيتساس إنشورانس أنه لا يوجد قانون صريح يمنع الأكل أو الشرب أثناء القيادة، إلا أن هذا السلوك يُعد من الأفعال التي تُشتت انتباه السائق وقد تؤثر على قدرته في التحكم بالمركبة، لذلك، تعتبره السلطات مخالفة مرورية إذا ثبت أنه كان سبباً في تقصير السائق أو في وقوع حادث، وتُفرض في هذه الحالة غرامة مالية قدرها 85 يورو، بالإضافة إلى خصم يتراوح بين نقطتين وأربع نقاط من نظام النقاط المرورية المعتمد في البلاد.
وبحسب النظام المعمول به، فإن تراكم 12 نقطة خلال فترة ثلاث سنوات يؤدي عادة إلى تعليق رخصة القيادة بقرار من المحكمة.
اللوائح لا تحظر فقط الأكل والشرب، بل تشمل أيضاً استخدام الهاتف المحمول بدون نظام التحدث الحر، وعدم ارتداء حزام الأمان، والتدخين في مركبات خاصة بحضور قُصر.
من خلال هذه الأمثلة، يتبين لنا أن كثيراً من التصورات السائدة عن القوانين المرورية في بعض الدول لا تستند إلى نصوص قانونية صريحة، بل إلى تأويلات خاطئة أو معلومات منقوصة، وأحياناً تكون هذه الشائعات طريفة، وأحياناً أخرى قد تسبب ضرراً فعلياً للسائقين إذا اعتمدوا عليها، لذلك، من الضروري الرجوع إلى المصادر القانونية الأصلية أو الرسمية قبل تصديق أو ترويج أي معلومة من هذا النوع.





test