في صباح يوم بارد من شتاء ديسمبر 2023، وتحديداً في بلدة بونسال الوادعة شمال مدينة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، خرجت ميشيل ماك كعادتها إلى عتبة منزلها تحتسي قهوتها الصباحية، كان الجو ساكناً، لا يعكر صفوه شيء، وكأن الزمن توقف ليمنحها لحظة صفاء، لم تكن تعلم أن هذه الدقائق القليلة ستكون آخر ما تنعم فيه بالهدوء، قبل أن تنقلب حياتها رأساً على عقب.
فتحت ماك الباب الذي كان يُدق بعنف، لتجد حديقتها الأمامية تغصّ بعشرات المحققين والمفتشين وقوات الشرطة، البعض يحمل أوامر تفتيش، والبعض الآخر يجهز الكاميرات ومعدات التوثيق، في مشهد لم يعهده هذا الحي الهادئ، ولا يخطر ببال أحد أن يتجسد عند عتبة منزل كان على مدى سنوات يبدو لسكان الحي أنه نموذج مثالي يجسد القيم الأمريكية المحافظة على الاستقرار العائلي والتدين والانضباط.
نشأت ماك نشأة هادئة، ولم تُعرف عنها أي سوابق جنائية، كانت دائماً من أولئك الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم أهل للثقة، لكن يبدو أنها بدافع الرغبة في زيادة دخل أسرتها، وجدت نفسها تغوص تدريجياً في عالم الجريمة دون أن تدرك متى فقدت السيطرة، وليتضح أن خلف جدران منزلها الفخم كانت تُنسَج خيوط واحدة من أكبر قضايا الاحتيال والسرقة المنظمة في تاريخ الولاية.
لم تكن سرقة بسيطة أو عملية فردية طائشة، بل كانت بناءً محكماً لمنظومة إجرامية معقدة حصدت من خلالها قرابة 8 مليون دولار خلال عامين، حيث أدارت ماك شبكة دقيقة متخصصة في سرقة مستحضرات التجميل باهظة الثمن والبضائع الفاخرة من متاجر التجزئة الكبرى مثل سيفورا وأولتا، لتعيد بعد ذلك بيعها بأسعار مغرية عبر حساب متجرها الرقمي على منصة أمازون.
كانت عمليات البيع تبدو قانونية بالكامل، وكان الزبائن يضعون تقييمات إيجابية مقابل ما يحصلون عليه من منتجات أصلية جديدة، وخدمة ممتازة، لكن الحقيقة أن هذه البضائع كانت كلها مسروقة من متاجر التجزئة التي لاحقاً كانت تقوم بتعبئتها في مرقاب منزلها، لتشحنها إلى مختلف أنحاء البلاد.
كانت الميزة التي امتلكتها ماك قدرتها الاستثنائية على التنظيم والتخطيط، فهي لم تنفذ عمليات السرقة بنفسها أبداً، بل جنّدت شبكة مما لا يقل عن 12 فتاة اختارتهن بعناية ممن يعانين من ضائقة مالية للقيام بهذه المهمة، بعد أن دربتهن على سرقة المتاجر دون لفت الانتباه، حيث كانت ترسل لهن رسائل نصية من هاتفها المحمول بها قوائم بالأصناف الأكثر طلباً، وللتمويه لم تركز نشاطها في مدينة واحدة، بل كانت تنسق لفتياتها مواعيد السفر للمتاجر الكبرى في مدن مختلفة، وتتكفل بمصاريف الإقامة والانتقال.
عندما داهمت الشرطة منزل ماك وجدت أن المرقاب يبدو كمستودع تابع لشركة شحن محترفة، بسبب الصناديق المرقمة، والأرفف المنظمة، وأجهزة الطباعة، ودفاتر الشحن، والمنتجات المصفوفة بعناية، كان كل شيء يبدو شرعياً.
ليتضح أن ماك كانت تدير إمبراطوريتها السرية للسرقة من هاتفها المحمول، وتستخدم برامج بسيطة لتتبع الطلبات وتنسيق عمليات الشحن، كان النظام أشبه بما تستخدمه الشركات الصغيرة الناشئة، وكانت الرسائل النصية التي وجدتها الشرطة في هاتف ماك دليل إدانة دامغ حسب موقع مجلة الموضة إيل التي كشفت عن إدارتها الدقيقة والمباشرة لعمليات السرقة، فكانت تسأل بانتظام عن الشحنات القادمة، مثل رسالتها إلى ألينا فرانكو: “هل لا يزال من المفترض أن تأتي البضاعة يوم الجمعة؟”، مما يشير إلى تنسيق مستمر وتخطيط مسبق.
وفي يناير 2023، نجد رسالة أخرى أرسلتها كيمورا غودينغ لماك تقول فيها إنها ستبدأ بملء حقيبتها بسرعة، مما دفع ماك إلى التفكير في السرقة بكميات أكبر، وكتبت: “أريد أن أعرف الأشياء التي أقدر آخذها بالجملة”، كما كانت ماك تتواصل أيضاً مع زوجها بشأن المبيعات، وأخبرته ذات مرة أن المبيعات كانت جيدة حتى دون وجود ماركة لانكوم، في إشارة إلى معرفتها الدقيقة بتأثير كل منتج على الأرباح.
وفي مارس 2023، أرسل زوج ماك لها رسالة بها صورة تظهر عدداً كبيراً من الطلبات عبر أمازون، قائلاً لها: “طلبات كثيرة، هيا نبدأ بالشحن”، مما يعكس حجم العمليات وسرعة دوران البضائع.
لاحقاً، ومع بدء تناقص المخزون، أرسلت ماك رسالة تسأل فيها: “هل عندك بنات جدد؟ أنا محتاجة بضاعة بشدة، إذا عندك شيء بلغيني”، وذلك في محاولة منها لضمان استمرار تدفق المنتجات المسروقة.
هذه الرسائل تؤكد أن ماك لم تكن مجرد مستفيدة من المسروقات، بل كانت تدير شبكة منظمة بتفاصيل دقيقة، وتتحكم في كل جوانبها من التخطيط إلى التوزيع.


لكن كيف أمكن لكل هذا أن يمر دون أن يلاحظه أحد؟
السبب يعود، كما أشار المحققون، إلى ثغرتين أساسيتين، الأولى: الضعف في أنظمة الرقابة داخل متاجر التجزئة، حيث لم تكن هناك متابعة دقيقة لاختفاء البضائع المتكرر، والثانية: الثغرات الكبرى في منصات البيع الإلكترونية التي لا تطلب إثباتاً واضحاً لمصدر السلع، ما دام البائع يحقق مبيعات جيدة ويحصل على تقييمات إيجابية، لذلك يرى البعض أن هذا العمى الطوعي من طرف المنصات الكبرى، وخاصة أمازون شكّل البيئة المثالية لعمليات تبييض البضائع المسروقة على نطاق واسع.
جاءت بداية الانهيار حين لاحظت إدارات الأمن في متاجر أولتا وسيفورا نمطاً متكرراً من السرقة، مثل اختفاء أصناف بعينها من متاجر مختلفة في ولايات متباعدة وبنفس الأسلوب، ومع مراجعة تسجيلات الكاميرات كُشف عن تكرار ظهور نفس الوجوه النسائية، ونفس الحقائب، ونفس طريقة الحركة داخل المتاجر، ثم بدأت الاتصالات بين الفروع الأمنية، ومع تكثيف التحقيقات تم التوصل إلى خيط مشترك أوصلهم في النهاية إلى عنوان واحد، ألا وهو منزل ماك.
المداهمة كشفت عن عالم خفي، فقد كانت تقبع داخل المنزل أكثر من 10 آلاف قطعة جاهزة للبيع، بعضها معبأ في أظرف شحن بالفعل، إضافة إلى جداول بيانات ضخمة توثق تفاصيل دقيقة، ورسائل نصية، وحسابات بنكية، ومراسلات عبر البريد الإلكتروني، لقد كان كل شيء موثقاً ومحفوظآً، وكأنها شركة شرعية، كان الفرق الوحيد أن مصدر البضائع سرقة جماعية منظمة.
بحلول فبراير 2024، وُجّهت إلى ميشيل وزوجها كينيث 140 تهمة جنائية، منها السرقة المنظمة، والتآمر لارتكاب جرائم، وغسيل البضائع، وفي البداية أنكر الزوج أي معرفة بالتفاصيل، مدعياً أن دوره اقتصر على المساعدة في التغليف والشحن، لكن الأدلة كانت دامغة، وفي يونيو من العام نفسه، بعد أشهر من الجلسات والمرافعات، توصلا إلى اتفاق مع الادعاء، وأقرا بالذنب مقابل تخفيف الحكم.
في يناير 2025، صدر الحكم النهائي وهو السجن لمدة خمس سنوات وأربعة أشهر، وغرامة مالية تقدر بثلاثة ملايين دولار، كما صادرت المحكمة المنزل الذي بيع بأكثر من 2 مليون دولار لتغطية جزء من الغرامات.
أثناء النطق بالحكم، دخلت ماك قاعة المحكمة بملابس رسمية وشعر مصفف بعناية، وبدت متماسكة وهادئة، كانت نظرات الحاضرين مشوبة بالدهشة، لم تكن الصورة النمطية للمجرم، بل كانت أقرب لسيدة أعمال محترفة، أثبتت أنها تملك من الذكاء والتنظيم ما يجعلها تدير شبكة معقدة بهذا الحجم، لكن في الاتجاه الخطأ.
القضية، رغم نهايتها القضائية، لم تنتهِ إعلامياً ولا اجتماعياً، فقد فتحت باباً واسعاً للنقاش حول مسؤولية الشركات الرقمية في التحقق من نشاط بائعيها، وهل يمكن التساهل مع متاجر تبيع بضائع بملايين الدولارات دون التحقق من مصادرها؟ وهل تتحمل أمازون وغيرها من المنصات مسؤولية غير مباشرة عن تسهيل هذه الجرائم؟ هذه الأسئلة دفعت السلطات الفيدرالية إلى اقتراح تشريعات جديدة تفرض على المنصات الرقمية توثيق البائعين وشفافية المخزون.

يؤكد موقع غرفة التجارة الأمريكية أن ظاهرة السرقة المنظمة في قطاع التجزئة تحدياً في الولايات المتحدة تؤثر سلباً بشدة على الاقتصاد المحلي، حيث إن هذه الجرائم لم تعد تُرتكب بطرق فردية أو عشوائية، بل تطورت لتصبح عمليات ممنهجة تديرها شبكات إجرامية محترفة تستغل الثغرات في أنظمة البيع بالتجزئة والتجارة الإلكترونية.
هذه العصابات تقوم بسرقة كميات ضخمة من البضائع الفاخرة والمستهدفة، ثم تبيعها عبر الإنترنت، خصوصاً في الأسواق المفتوحة ومنصات الطرف الثالث مثل أمازون وإيباي، حيث يصعب تتبع مصدر السلع أو التحقق من قانونية منشأها.
وتشير الإحصاءات إلى أن تجار التجزئة خسروا في المتوسط خلال عام 2020 أكثر من 700 ألف دولار مقابل كل مليار دولار من المبيعات، أي بزيادة تتجاوز 50% خلال السنوات الخمس السابقة، إضافة إلى أن السرقات لا تتسبب فقط في فقدان البضائع فحسب، بل تتسبب أيضاً في خسائر غير مباشرة تشمل ارتفاع تكاليف التأمين، وانخفاض معنويات الموظفين، وزيادة أسعار السلع لتعويض الفاقد، مما يُثقل كاهل المستهلك النهائي.
هذه الجرائم تتم في كثير من الأحيان باستخدام العنف أو التهديد، وتُخطط بشكل استراتيجي لضرب عدة متاجر في مواقع مختلفة ضمن فترات زمنية قصيرة، وهي ظاهرة تُعرف بالسرقات فائقة التنظيم، حيث تُنفَّذ العمليات دون ترك أثر مباشر، ويُعاد بيع البضائع بعد ساعات من سرقتها عبر منصات إلكترونية دون أي رقابة تُذكر.
واحدة من الوسائل التي تسهّل هذه الجرائم هي قدرة الأفراد على فتح متاجر رقمية على الإنترنت، وبيع منتجات دون الكشف عن هويتهم أو توثيق مصدر بضائعهم، ناهيك عن أن البائعين يمكنهم بسهولة تقديم أنفسهم على أنهم جهات موثوقة من خلال تقييمات إيجابية، مما يجعل من الصعب على المستهلك أو السلطات التمييز بين المنتجات الشرعية وتلك المسروقة، لذلك تعد هذه الفجوة القانونية في الأسواق الرقمية جزءاً من المشكلة، وتدعو إلى تدخل تشريعي عاجل لسد هذه الثغرات.
استجابة لذلك، أقرت الحكومة الأمريكية في عام 2023 قانوناً جديداً يُعرف باسم قانون إعلام المستهلكين الذي يُلزم منصات البيع الرقمية بالكشف عن معلومات الهوية الخاصة بالبائعين الذين تتجاوز مبيعاتهم عتبة مالية محددة، حيث تنص المادة 45f على أنه “إذا تجاوزت عائدات البائع 20,000 دولار سنوياً، فيجب الإفصاح عن معلومات هويته للمستهلك، إما على صفحة المنتج أو بعد الشراء”.
إلى جانب التشريعات، تدعو غرفة التجارة الأمريكية إلى تعزيز التعاون بين مستويات إنفاذ القانون المختلفة، من الشرطة المحلية إلى السلطات الفيدرالية، وذلك من خلال مشاركة المعلومات الاستخباراتية، وتأسيس وحدات خاصة لمكافحة الجريمة الاقتصادية العابرة للولايات، والتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها جرائم منظمة، وليس حوادث فردية بسيطة.
وتشير الغرفة إلى أن 20 ولاية أمريكية قد تبنّت أو عدّلت بالفعل قوانينها لتصنّف هذه الأعمال كجرائم منظمة ذات عقوبات مشددة، خاصة عندما ترتبط باستخدام التكنولوجيا أو التجارة الرقمية.

لكن التأثير الأوسع لهذه الظاهرة يقع على عاتق الشركات الصغيرة، حيث أن أكثر من نصف التجار الصغار في الولايات المتحدة أفادوا بأنهم تعرضوا في عام 2021 لسرقات متزايدة ، أجبرتهم على رفع الأسعار وتقليص الموفين، مما يؤثر على الاقتصاد المحلي واستقرار الأسواق.
كل هذه الجهود تأتي في وقت باتت فيه الجريمة المنظمة في قطاع التجزئة تمثل تهديداً وطنياً يتطلب تنسيقاً عاجلاً بين القطاعين العام والخاص، لا سيما وأن تكنولوجيا البيع الرقمي تستمر في التوسع، لذلك ترى غرفة التجارة الأمريكية أن هذه الجرائم لم تعد مجرد تحد أمني، بل أزمة اقتصادية ينبغي التعامل معها بكل جدية، وذلك من خلال مزيج من التشريع، والرقابة الرقمية، والدعم المؤسسي، والحملات التوعوية للمستهلكين والتجار معاً.
وقد علقت شركة أمازون على قانون إعلام المستهلكين بأن تطبيقه بدأ في 27 يونيو 2023، وأنه ملزم لمنصات مثل أمازون بجمع معلومات البائعين والتحقق منها من ذوي حجم المبيعات العالي في متجر أمازون الأمريكي، حيث يتطلب القانون من البائعين تزويد أمازون بمعلومات أساسية مثل الاسم التجاري، والشكل القانوني، والعنوان الفعلي، ورقم التعريف الضريبي.
كما يُلزمهم بتقديم مستندات للتحقق من الهوية الشخصية كجواز السفر أو بطاقة الهوية، إلى جانب كشف حساب بنكي حديث أو كشف بطاقة ائتمان، وفي بعض الحالات، قد يُطلب تقديم رخصة مزاولة النشاط التجاري إذا كانت مطلوبة بحسب طبيعة عمل البائع.
وأضافت أمازون أن عدم الامتثال لهذه المتطلبات يؤدي إلى إجراءات مثل تأخير المدفوعات أو إيقاف الحساب مؤقتاً، ويعد التفاعل السريع مع إشعارات أمازون واستكمال التحقق من البيانات في الوقت المحدد أمراً ضرورياً لتجنب أي تعطيل في النشاط التجاري على المنصة.
اليوم، يقف منزل ماك خالياً، ونوافذه مغلقة، وحديقته مهملة، وكأن الزمن قد توقف، أما المرقاب، الذي كان يوماً ما مركزاً لنشاط محموم، فقد أصبح فارغاً وصامتاً، من جانبها أزالت منصة أمازون حساب ماك وأغلقته، ولم يتبقَ من القصة سوى ملفات قضائية، ومقالات صحفية، ودرس مرير، مفاده أنه حتى أكثر الوجوه وداعة قد تُخفي خلفها مؤامرات مروعة.




