spot_imgspot_img
بيتقانونفاعلية الرقابة البرلمانية على الهيئات والمؤسسات في التشريع القطري

فاعلية الرقابة البرلمانية على الهيئات والمؤسسات في التشريع القطري

في قلب النظام القانوني الحديث، تمثّل الهيئات والمؤسسات العامة إحدى أبرز أدوات الدولة لتنفيذ سياساتها وتحقيق أهدافها الخدمية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه الكيانات التي تنمو على أطراف الإدارة المركزية لا تُنشأ عبثاً، بل بوصفها تعبيراً عن مبدأ اللامركزية الإدارية، ووسيلة للدولة لتجاوز الروتين الإداري وتوزيع الوظائف العامة بكفاءة أكبر.

لكنها في ذات الوقت ليست مجرد منشآت بيروقراطية، بل شخصيات قانونية لها مواقعها الخاصة في بنية الدولة، وطبيعتها القانونية، وعلاقاتها المعقّدة بكل من السلطة التنفيذية والرقابة البرلمانية.

تطرح الباحثة الجازي محمد النابت في دراستها فاعلية الرقابة البرلمانية على الهيئات والمؤسسات العامة في التشريع القطري (2024) ماهية الهيئات والمؤسسات العامة، والمفهوم القانوني لهذه الكيانات، مستندة إلى تعريفاتها، ووظائفها، وطبيعتها القانونية في ضوء الفقه والتشريع والأحكام القضائية القطرية.

وقد انطلقت الباحثة من رؤية تعتبر أن هذه الكيانات تمثل وجهاً من وجوه اللامركزية الإدارية التي تلجأ إليها الدولة، لتخفيف العبء عن الإدارة المركزية، وتمكين المؤسسات العامة من تحقيق أهدافها بكفاءة أعلى ومرونة أوضح.

تصف النابت الهيئات العامة بأنها “أشخاص معنوية عامة لا مركزية، تُنشأ بقانون أو وفقاً للقانون، وتُعنى بإدارة مرافق عامة غير اقتصادية هدفها تقديم خدمات عامة دون السعي لتحقيق ربح”، وتُبرَز خصوصية هذه الهيئات بتمتعها بالاستقلال الإداري والمالي، مع خضوعها في ذات الوقت لوصاية السلطة التنفيذية.

ووفقاً لقانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني، الأشخاص المعنوية هي كيانات اعتبارية تمنحها القوانين صفة الشخصية القانونية، مما يتيح لها اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، تماماً كالأشخاص الطبيعيين، وبمعنى آخر، هي ليست أفراداً حقيقيين، بل هي كيانات اعتبارية مثل الشركات، والجمعيات، والمؤسسات، وحتى الدولة نفسها، تتمتع بكيان قانوني مستقل.

وهذا الاستقلال ليس مطلقاً، وإنما وظيفي ومنظّم، يتيح للهيئة العمل بحرية نسبية في نطاق تخصصها، مع بقاء الرقابة العليا بيد الدولة.

وفي هذا السياق، تستشهد الباحثة بتعريف المشرع القطري في قانون النظام المالي للدولة رقم (2) لسنة 2015، الذي نص على أن “الهيئة العامة هي شخص معنوي عام يقوم على إدارة مرفق عام غير اقتصادي أو يهدف إلى تقديم خدمة عامة”، ويتجلى هذا النوع من الهيئات في نموذج هيئة تنظيم الأعمال الخيرية، التي تُعنى بإعداد استراتيجيات العمل الخيري ومراقبة أدائه، دون ارتباط بأي نشاط تجاري أو استثماري.

أما المؤسسات العامة، فتنتمي هي الأخرى إلى فئة الأشخاص المعنوية العامة، لكنها تختلف في طبيعة النشاط والغرض من الإنشاء.

فكما تُبيّن النابت، فإن المؤسسة العامة “تُدار على أسس تجارية، وتهدف إلى استغلال مورد من موارد الثروة الطبيعية أو المشاركة في التنمية الاقتصادية”، وتُمنح ميزانية مستقلة بالكامل عن ميزانية الدولة.

وبذلك، فإنها قد تمارس أنشطة صناعية أو زراعية أو مالية أو تجارية، ما يجعلها أكثر ارتباطاً بمنطق السوق والإنتاج، رغم انتمائها للقطاع العام.

وتعتمد النابت في هذا الصدد أيضاً على تعريف المشرع القطري في قانون النظام المالي، الذي وصف المؤسسة العامة بأنها “شخص معنوي عام يقوم على إدارة مرفق عام اقتصادي أو يهدف إلى استغلال مورد من موارد الثروة الطبيعية أو المشاركة في التنمية الاقتصادية”.

ومن أبرز الأمثلة التي تشير إليها الباحثة: مؤسسة قطر للطاقة، والمؤسسة العامة للكهرباء والماء، إذ يمثل كل منهما نموذجاً لمؤسسة عامة اقتصادية ترتبط بالدولة إدارياً، لكنها تعمل وفق منطق اقتصادي خاص.

وحول أهمية هذه الهيئات والمؤسسات العامة في البنية الإدارية للدولة، تصف النابت دورها بأنه أساسي في تخفيف العبء عن الجهاز الحكومي المركزي، إذ تتيح للدولة توزيع الوظائف والمهمات بطريقة مرنة تُجنّبها البطء البيروقراطي، وتضيف أن هذا النموذج الإداري يُحقق مرونة وكفاءة في إدارة المرافق العامة، وهو ما يمنح الدولة قدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين دون الحاجة إلى الرجوع المستمر للإدارة المركزية.

وتبرز الباحثة أهمية الاستقلال المالي الذي تتمتع به هذه الكيانات، حيث ترى فيه عاملاً أساسياً في “تعزيز الشفافية، وضبط الإيرادات والنفقات، وتقييم الأداء بصورة أكثر واقعية”، كما تلاحظ أن المؤسسات العامة تتيح للدولة فرصة استقطاب التبرعات والهبات المشروطة، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الجهاز الحكومي التقليدي.

وعند تحليل البناء القانوني للمؤسسات العامة، نرى أن حسن النوايا الإدارية والتنظيمية لا يكفي، بل لا بد من مرجعية تشريعية تضبط الإطار وتوحد المنهج وتضمن الرقابة والمساءلة.

ومن هنا يبرز الدستور القطري كقاعدة عليا يُفترض أن يُستقى منها كل تنظيم لاحق، حيث أن المادة (121) من الدستور منحت مجلس الوزراء اختصاص اقتراح وإنشاء وتنظيم الأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة، لكنها قيدت هذا الاختصاص بعبارة دقيقة هي “وفقاً للقانون”.

في تفسيرها لهذه العبارة، تشير النابت إلى أن المقصود ليس مجرد وجود نصوص تشريعية لاحقة، بل “ضرورة وجود قانون سابق يشتمل على الأحكام العامة التي يُستند إليها في اقتراح إنشاء أي هيئة أو مؤسسة عامة”، وهنا يكمن جوهر الإشكالية، لأن هذا القانون لم يعد موجوداً منذ إلغائه في عام 2004، مما جعل عبارة “وفقاً للقانون” تفقد فاعليتها التطبيقية، رغم استمرارها في النص الدستوري.

وعندما نستعرض أداة القانون، يتبيّن أنها كانت في يوم من الأيام حاضرة بقوة في صورة القانون رقم (26) لسنة 2004 بشأن الهيئات والمؤسسات العامة، وهو القانون الذي وفّر إطاراً موحداً لتنظيم هذه الكيانات من حيث التعريف، والإنشاء، والتبعية، والميزانية، والصلاحيات.

إلا أن هذا القانون أُلغي لاحقاً بمرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2013، دون أن يُستبدل بنص جامع جديد، فتقول النابت بأسف واضح: “أدى إلغاء هذا القانون إلى غياب المرجعية التشريعية، وفتح الباب أمام تعددية مصادر التنظيم، بما فيها المراسيم والقرارات الأميرية والقوانين الخاصة، ما تسبب في تفاوت واضح في البنية القانونية للهيئات”.

ومع غياب هذا القانون، برزت المراسيم بقوانين كأداة تشريعية بديلة، لكنها كما تؤكد النابت أداة استثنائية لا ينبغي استخدامها إلا في ظروف محددة نص عليها الدستور صراحة، وقد عددت هذه الشروط قائلة: يشترط الدستور أن لا يكون مجلس الشورى منعقداً، وأن تكون هناك حالة استثنائية لا تحتمل التأجيل، وأن تُعرض المراسيم بقوانين على مجلس الشورى عند أول اجتماع له لإقرارها أو رفضها. 

ومع ذلك، فإن بعض المراسيم بقوانين التي أُنشئت بموجبها هيئات عامة، مثل مرسوم بقانون 16 لسنة 2001 بإنشاء الهيئة العامة للطيران المدني أو مرسوم بقانون رقم 10 لسنة 1974 بشأن إنشاء مؤسسة قطر للبترول، لم تكن تستوفي هذه الشروط بشكل واضح، على حد تعبير الباحثة، وهو ما يثير في رأيها تساؤلات دستورية جوهرية حول مدى مشروعية تلك الأداة إذا ما استُخدمت دون تحقق الضرورة.

وعند مراجعة القرارات الأميرية، يتبين أنها تُستخدم كأداة تنظيمية، حين لا يكون من الضروري إصدار قانون أو مرسوم بقانون، وتصدر هذه القرارات عن الأمير بناءً على اقتراح مجلس الوزراء.

قد تكون القرارات الأميرية أداة مرنة وسريعة، ولكنها بحسب تحليل النابت لا تكفي لضبط بنية مؤسسية واسعة ومعقدة مثل الهيئة العامة، خاصة إذا لم تكن هناك منظومة قانونية مرجعية تسندها.

وتلفت الباحثة النظر إلى أن استخدام هذه القرارات في غياب قانون موحّد قد يساهم في تعميق الهوة القانونية بين المؤسسات، ويؤدي إلى تفاوت في مستوى الرقابة عليها.

إضافة إلى أن غياب القانون الموحد بعد إلغاء قانون 2004 لم يؤدِ فقط إلى تعددية في مصادر التنظيم، بل تسبب أيضاً في صعوبة ممارسة مجلس الشورى لدوره الرقابي، خصوصاً على تلك المؤسسات التي لا تتبع أي وزير.

إذ إن الرقابة البرلمانية، كما نص عليها الدستور، تُمَارس على الوزراء لا على المؤسسات ذات الشخصية المعنوية المستقلة، ما يضع عدداً من الكيانات العامة خارج إطار المساءلة السياسية.

هذا التفاوت، كما تصفه النابت، “أنتج بيئة قانونية مضطربة، تتسم بعدم التناسق بين المؤسسات العامة، وتضعف من فاعلية الرقابة الإدارية والمالية، فضلاً عن تعقيد العلاقة بين السلطة التنفيذية ومجلس الشورى”، وهكذا، يصبح غياب قانون موحد ليس مجرد ثغرة تقنية، بل خللاً هيكلياً يهدد مبدأ الفصل بين السلطات، ويحد من شفافية إدارة المرافق العامة.

وعند الاطلاع على آليات إشراف السلطة التنفيذية على الهيئات والمؤسسات العامة في قطر، ينكشف التوتر القائم بين مطلب الاستقلال الإداري لهذه الكيانات، والحاجة إلى رقابة حكومية فعالة تضمن انسجامها مع السياسات العامة للدولة.

فغالبية الهيئات والمؤسسات العامة في دولة قطر ترتبط إدارياً بأحد الوزراء كما بينت النابت، مشيرة إلى أن هذه التبعية لا تُعد شكلية، بل هي قناة رئيسة تمارس الحكومة من خلالها إشرافها على أداء تلك الكيانات.

فالوزير المختص لا يمثل مجرد مرجعية معنوية، بل يقوم باقتراح الموازنة التقديرية، وتقديم تقارير دورية عن أداء المؤسسة، وضمان توافق أعمالها مع السياسات العامة للدولة، وهذه العلاقة ترسم نوعاً من الرقابة الإدارية التي تحفظ للمؤسسة استقلالها التنفيذي، دون أن تُفلت من الرقابة السياسية.

لكن الإشراف لا يتوقف عند حدود الوزير، بل يمتد إلى وزارة المالية، التي تُمارس رقابة فنية على الموازنات، سواء كانت مستقلة أو ملحقة، حيث توضح النابت أن “إعداد الميزانيات ورفعها للجهات المعنية يُعد وسيلة رقابة غير مباشرة، تضمن للدولة الإحاطة بالاعتمادات والمخصصات”، مضيفة أن هذه الرقابة تأخذ طابعاً فنياً لكنه بالغ الأثر في رسم حدود التصرف المالي للمؤسسة العامة.

أما على صعيد البناء المؤسسي الداخلي، فتشير الباحثة إلى دور السلطة التنفيذية في تعيين مجالس الأمناء أو مجالس الإدارة، وهي ممارسة، وإن بدت إجرائية، فإنها بحسب تعبيرها “تضمن استمرار التوجيه الحكومي، وتفرض على تلك المجالس العمل ضمن الأطر العامة التي تضعها الدولة”، وهذا التعيين لا يُفقد المؤسسة استقلالها، لكنه يمنح الدولة قدرة على التأثير في استراتيجياتها من الداخل.

وهنا يأتي دور التقارير الدورية التي ترفعها المؤسسات إلى مجلس الوزراء أو إلى الوزراء المعنيين، والتي قد تكون أداة رقابية محورية، إذ تؤكد النابت أن “تلك التقارير، التي تشمل الأداء المالي والإداري، والتحديات التي تواجه المؤسسة، ومدى تنفيذها لخططها السنوية، تُمثّل ركيزة أساسية في مراقبة مدى كفاءة المؤسسات العامة واستجابتها لتوجيهات الدولة”.

وتُبرز الباحثة أيضاً بُعداً رقابياً قانونياً بالغ الأهمية، يتمثل في خضوع قرارات المؤسسات العامة للرقابة القانونية من الجهات المختصة، وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية والشفافية، مشيرة إلى أن هذه الرقابة ليست نظرية، بل تمتد إلى المساءلة الفعلية في حال وجود تجاوزات أو إخلال بالضوابط القانونية.

لكن كل هذه الآليات، على تنوعها، لا تخفي وجود تفاوت كبير بين المؤسسات في مدى خضوعها لتلك الوسائل الرقابية، وخصوصاً تلك التي ترتبط مباشرة بالأمير، أو ليس لها تبعية وزارية واضحة.

هذه المؤسسات، بحسب النابت، “تعمل في مناطق قانونية رمادية، ولا تخضع لنفس أدوات الرقابة والإشراف”، مما يؤدي إلى فراغ رقابي قد يُضعف من فعالية أداء تلك الهيئات ويُعرّضها للانفلات من قواعد المحاسبة.

وعند التطرق للرقابة البرلمانية التي تعتبر أحد أعمدة النظام الديمقراطي الحديث، ومظهراً من مظاهر التوازن بين السلطات في الدولة، فالبرلمان يملك مجموعة من الوسائل والأدوات لمتابعة أعمال السلطة التنفيذية ومساءلتها، بهدف ضمان التزامها بالقوانين، وتحقيق المصلحة العامة، وضبط الأداء الحكومي، وتوجيه السياسات العامة في إطار من الشفافية والمساءلة. 

هذا التعريف لا يقتصر على كونه وصفاً تقنياً للرقابة، بل يحمل في مضمونه رؤية فلسفية لوظيفة البرلمان كممثل حقيقي لإرادة الأمة.

ولذلك، ترى النابت أن الرقابة البرلمانية لا تأتي عرضاً ضمن مهام البرلمان، بل هي وظيفة أصيلة من وظائفه، لا تقل أهمية عن التشريع، بل تكمله وتقومه، فمهمة البرلمان، كما تصفها، ليست سن القوانين فقط، بل أيضاً السهر على تطبيقها، والتأكد من أن السلطة التنفيذية لا تنحرف عن أهدافها أو تتجاوز صلاحياتها.

ومن هذا المنطلق، تتعدد الأدوات التي يملكها البرلمان لتفعيل هذه الرقابة، ومنها الأسئلة البرلمانية، وطلبات الإحاطة، والاستجوابات، وسحب الثقة، وإبداء الرغبات، وتشكيل لجان تقصي الحقائق، وهذه ليست مجرد إجراءات شكلية، بل أدوات حقيقية لممارسة الضغط السياسي والتصحيح المؤسسي.

وهي لا تُمارس عبثاً، بل باسم الشعب، لأن البرلمان يُمثّل الإرادة الشعبية، ورقابته على السلطة التنفيذية تُعدّ امتداداً لرقابة الأمة ذاتها على من يتولّى شؤونها.

لكن الباحثة تُدرك أيضاً أن الرقابة البرلمانية لا تتخذ شكلاً واحداً في جميع النظم، بل تختلف في نطاقها وفعاليتها تبعاً للطبيعة الدستورية والسياسية للدولة.

ففي بعض النظم البرلمانية، تكون الرقابة قوية ومباشرة، وتصل إلى حد سحب الثقة وإسقاط الحكومة، بينما في نظم أخرى، لا سيما الرئاسية أو الأميرية، قد تكون رمزية أو محدودة، ويُنظر إليها كوسيلة للمساءلة الأدبية أكثر منها أداة للتغيير السياسي.

ويجب التأكيد على أن الرقابة البرلمانية ليست وسيلة صراع أو تصفية حسابات، بل هي في جوهرها وسيلة توازن بين السلطات، وأداة تهدف إلى تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، دون أن تلغي التعاون والتكامل بينها.

فالرقابة لا ينبغي أن تُفهم كقيد على عمل الحكومة، بل كضمانة لحسن الأداء، وجسر ثقة بين المواطن والدولة.

وهكذا، يظهر مفهوم الرقابة البرلمانية ليس بوصفه أداة إجرائية فقط، بل كمنظومة فكرية متكاملة، تحفظ الشرعية، وتكرّس الشفافية، وتُرسّخ التوازن، دون أن تقع في فخ التضاد مع السلطة التنفيذية، فهي رقابة تنبع من ضمير الأمة، من أجل مجتمع تسوده الكفاءة والمساءلة والعدالة.

وهنا يتجلى بوضوح أن المشرّع الدستوري في دولة قطر قد أرسى، نظرياً، قواعد واضحة لتنظيم الوظيفة الرقابية للمجلس، غير أن البنية القانونية والتنظيمية للهيئات العامة لا تزال تُعاني من فراغات تجعل من الرقابة مسألة إجرائية أكثر منها ممارسة فعالة.

بالرجوع إلى القانون رقم (7) لسنة 2021 بشأن مجلس الشورى الذي يمنح مجلس الشورى ثلاث وظائف محورية: “يتولى المجلس سلطة التشريع، ويقر الموازنة العامة للدولة، كما يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، وذلك على الوجه المبين في الدستور وهذا القانون واللائحة.” 

ترى النابت أن هذا النص يؤسس بشكل مباشر لحق الشورى في مراقبة الأداء الحكومي، وأن الرقابة البرلمانية لا تقل مرتبة عن التشريع، بل تُعدّ امتداداً طبيعياً له في دولة القانون، ولكن ما يقيّد هذا الامتداد – وفق تحليلها – ليس النص، بل طريقة تنظيمه.

فالمادة (111) من الدستور تنص على أن “كل وزير مسؤول أمام مجلس الشورى عن أعمال وزارته”، وهو ما اعتبرته الباحثة نصاً صريحاً في تحميل الوزير المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

غير أن هذا النص يحمل في طيّاته قيداً مهماً، يتمثل في أن طرح الثقة في الوزير لا يكون إلا بعد استجوابه وموافقة ثلثي أعضاء المجلس، مما يجعل إجراءات المحاسبة معقدة من حيث الشروط، وإن كانت مشروعة من حيث المبدأ.

أما فيما يتعلق برئيس مجلس الوزراء، فتشير الباحثة إلى أن الدستور، وإن لم يُحمله المسؤولية السياسية أمام المجلس، فإنه أجاز توجيه الأسئلة إليه، ما يفتح باباً محدوداً للتفاعل، دون أن يصل إلى درجة الاستجواب أو سحب الثقة.

وتؤكد النابت أن هذا الترتيب يعكس حدود الرقابة البرلمانية في النظام القطري، خصوصاً أن الأمير، بوصفه رئيس الدولة ورأس السلطة التنفيذية، تعتبر ذاته مصونة، ولا توجه له استجوابات أو تُسحب منه الثقة.

وبهذا، فإن الرقابة البرلمانية تظل مقيدة، محصورة ضمن الدائرة الوزارية، دون أن تمتد لتشمل مركز القرار التنفيذي الأعلى، على حد تعبيرها.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في النص الدستوري بقدر ما يتجلّى في التأصيل القانوني لهذه الرقابة، أو لنقل، في نقص هذا التأصيل.

وتخلص النابت إلى أن التأصيل الدستوري والقانوني، وإن كان يعترف ضمناً وصراحة بدور مجلس الشورى الرقابي، إلا أنه يعاني من اختلالات عملية تعوق فاعليته، أبرزها غياب قانون موحد، وتعدد التبعات القانونية للمؤسسات، واقتصار الرقابة البرلمانية على الوزراء فقط دون باقي الفاعلين في الجهاز التنفيذي.

هذه الثغرات لا تضعف الرقابة البرلمانية فحسب، بل تفرّغها من مضمونها المؤسسي، وتحوّلها إلى أداء رمزي أكثر منه أداءً فعلياً.

لذلك تدعو النابت إلى إصدار قانون جديد موحّد للهيئات والمؤسسات العامة في قطر، يكون مرجعاً ثابتاً عند قيام السلطة التنفيذية بإنشاء أي كيان عام، وترى أن هذا القانون يجب أن يتضمن الأحكام العامة، وإلحاق الهيئات والمؤسسات العامة الحالية بالوزير الأقرب إلى نشاطها، بما يضمن خضوعها لمساءلة مجلس الشورى، ويُعيد التوازن بين الاستقلال الإداري والمساءلة البرلمانية.

ترى النابت أن غياب قانون موحد بشأن الهيئات والمؤسسات العامة سمح بقيام كيانات عامة دون ضابط واضح، مما أدى إلى العمل خارج إطار الرقابة البرلمانية، وهو وضع يتناقض في نظرها مع مبادئ الشفافية ومقتضيات الدستور.

وعليه، فإن إصدار قانون كهذا من شأنه أن يُنهي التفاوت في الإشراف والرقابة، ويُكرّس مبدأ خضوع كل مؤسسة عامة لمسؤولية سياسية واضحة، وأن يكون لها مرجعية وزارية تتيح مساءلتها من قبل ممثلي الشعب.

لقد وضعت النابت يدها على موضع الداء، واقترحت دواءً دستورياً وتشريعياً لا يُعيد فقط تنظيم الهيئات العامة، بل يُعيد معها الدور الرقابي لمجلس الشورى كسلطة تشريعة، مما يعزز من ثقة المواطن في أجهزة الدولة، ويُخرج المؤسسات من دائرة الاستثناء، ويُدرجها تحت مظلة القانون، كما ينبغي أن يكون.

Huda Mohamed
Huda Mohamed
حوارية لا تُقهر، تسأل وكأنها تطارد الحقيقة بإصرار، ضيفها لا يستطيع المراوغة فهي تملك الأسلحة السرية لإخراج اعقد الإجابات بابتسامتها الذكية، دون أن تفقد الكاريزما.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية