spot_imgspot_img
بيتإسلامياتالقرآنيون وبدعة الاستغناء عن سُنّة خاتم الأنبياء

القرآنيون وبدعة الاستغناء عن سُنّة خاتم الأنبياء

من أعجب الظواهر الدخيلة مؤخراً، فئة تزعم أنها من المسلمين يحلو لها ضرب السنة بعرض الحائط، وتؤكد على أنها لا تعتدُ إلا بما ورد في القرآن الكريم، كونه محفوظاً بوعد من الله في قوله تعالى من سورة الحجر “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”، وكذلك استناداً إلى قوله تعالى في سورة الأنعام “… مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ …”،

وهو حق أريد به باطل، فمفهومهم عن السنة التي يجحدونها ضبابي، وفهمه للنصوص سقيم معتل، فما هي السنة في حقيقة الأمر؟ 

يوضح د. السيد أحمد جمعة حسن سلام في ورقته البحثية المنشورة بعنوان بحث في السنة.. القرآنيون في دائرة الضوء وأدلة وحجية السنة في الإصدار السادس عشر من المجلة الأكاديمية للأبحاث والنشر العلمي تعريفاً جامعاً مانعاً للسنة النبوية.

وهذا التعريف نفسه الذي تبناه المحدثون أي المتخصصون في علم الحديث، ومن أشهرهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، بالإضافة إلى علماء آخرين مثل النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم، وهو أنها “أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلُقية، وسائر أخباره، سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها”.

هنا يواجه القرآنيون الجاحدون بالسنة مأزقاً لا حل له، فالقرآن به المجمل والخاص، والمطلق والمقيد، ناهيك عن أن أفهام الناس تتفاوت في تأويل آياته، فمنها المُجمَع على فهمها، ومنها المُختَلف في تفسيرها.

ليأتي الرد الناصع من القرآن نفسه على هؤلاء في عدة آيات، منها قوله تعالى في سورة النساء “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”. 

وفي قوله تعالى في سورة الحشر “… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”، وكذلك ما ورد في سورة النحل “… وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”.

هذه النظرة الجاحدة للسنة، وإن كانت غير مألوفة في الفكر الإسلامي، إلا أن جذورها تعود إلى بدايات الإسلام، فقد سجل التاريخ حالة عجيبة لرجل في زمن النبي ﷺ رفض حكمه وهو أمامه يسمع منه مباشرة لا نقلاً عنه.

ففي صحيح البخاري عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ “أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ يَسْقِي بها النَّخْلَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، فأمَرَهُ بالمَعروفِ، ثُمَّ أرْسِلْ إلى جارِكَ فقالَ الأنْصارِيُّ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟

فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ، يَرْجِعَ الماءُ إلى الجَدْرِ، واسْتَوْعَى له حَقَّهُ، فقالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ إنَّ هذِه الآيَةَ أُنْزِلَتْ في ذلكَ: “فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ”، قالَ لي ابنُ شِهابٍ: فَقَدَّرَتِ الأنْصارُ والنَّاسُ قَوْلَ النبيِّ ﷺ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ وكانَ ذلكَ إلى الكَعْبَيْنِ”.

أما في العصر الحالي، فكأن رسول الله بيننا وهو يصف بدقة القرآنيين، الذين نجد وصفهم في صحيح الجامع، مما رواه المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال “يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي ، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ”.

وقد استشهد د. سلام بقول الشافعي حيث يقول “فلم أعلم من أهل العلم في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرقان: أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب، والآخر مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيّن عن الله ما أراد.

وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعل الله بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسنّ فيما ليس فيه نص كتاب، ومنهم من قال: لم يسنّ سنّة قط إلا ولها أصل في الكتاب، ومنهم من قال: بل جاءت به رسالة الله فأثبتت سُنَّته بفرض الله”، وبالتالي يجمع كل المحدثين على حجية السنة، وأنها لا يجوز تجاهلها البتة.

ويفصل د. سلام شارحاً العلاقة بين السنة والقرآن على حالتين: الحالة الأولى: أن تبين المُجمل في كتاب الله، مثل الصلاة من حيث أوقاتها وصفتها وشروط صحتها، أو الزكاة من حيث أنواعها وأنصبتها.

أما الحالة الثانية: فهي أن تستقل السنة عن القرآن ببعض الأحكام غير الواردة فيه، مثل تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وهو ما لا نجد عليه نصاً في كتاب الله، لكن حرّمته السنة النبوية، حيث نجد في صحيح ابن ماجة ما رواه أبو سعيد الخدري “سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينهى عن نِكاحينِ أن يجمعَ الرَّجلُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَ المرأةِ وخالتِها”.

 وقد سُجِّلت حالات متفرقة في القرون الأولى من الإسلام تنكر بعض الأحاديث، سواء لأسباب فكرية أو سياسية أو بسبب الشك في صدق بعض الرواة، حيث اشتهر عن فرق كالخوارج والمعتزلة مواقفهم الرافضة لبعض الأحاديث النبوية، ففي حالة الخوارج، كان رفض بعض الروايات مرتبطاً بالعداء السياسي لبعض الصحابة، بينما انطلق المعتزلة من قواعد عقلانية ظنوا من وجهة نظرهم أنها تتصادم مع بعض الروايات المنقولة.

ويرى د. سلام أن المعتزلة “إجمالاً انتهوا إلى عدم الاعتراف بالسنة الفعلية للرسول ﷺ”، أما الخوارج فلم “يقبلوا من السنة إلا ما جاء عن طريق صحابي لم يشترك في الفتنة الكبرى” بين علي ومعاوية، “وما بعدها من أحداث”، زاعمين العجب العجاب من “أن الصحابة رضوان الله عليهم أشركوا بعد الاشتراك في الفتنة، فلا يصح أخذ علم الدين عنهم”،متجاهلين احتمال تقاتل المؤمنين الذي أشار إليه الله في قوله تعالى من سورة الحجرات “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

هذه الحركات المشككة أو الرافضة للسنة شكلت التربة الخصبة التي نبت فيها تيار القرآنيين في الهند بصيغته الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر، إلا أنه تأثيره قد تراجع لاحقاً بفعل نشاط علماء الحديث وإحياء مجالس الرواية.

أحمد صبحي منصور يسار ورشاد خليفة يمين

يقول د.  خادم حسين إلهي بخش في كتابه القرآنيون وشبهاتهم حول السنة (1989) إن”الدعوة إلى الاعتماد على القرآن دون السنة في التشريع الإسلامي بدأت تغزو الهند منذ نهاية القرن التاسع عشر، على إثر انتشار الأفكار التي بثها أعضاء حركة السيد أحمد خان، غير أن مفعولها سرى بشكل واضح في بنجاب بأواسط الهند الموحدة”.

ويعلق قائلاً “ما أسوأ حظ هذه البقعة من الأرض إذ نبعت منها حركتان هدامتان للإسلام : القاديانية والقرآنية، ففي سنة 1900 م نهض من تلك البقعة غلام أحمد القادياني وادعى النبوة، ومنها في عام 1902 م بدأ غلام نبي المعروف بعبد الله جَكْرَ الوِي مؤسس الحركة القرآنية نشاطه الهدام بإنكار السنة كلها، متخذاً مسجد جيْنِيَان وَالِي بلاهور مقراً لحركته تلك، بالإضافة إلى فتنة أحمد رضا بَرِيلي التي كادت أن تعم الهند كلها آنذاك “.

لكن هذا التيار الرافض للسنة وجد أرضاً جديدة في بعض الدول العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ظهر مروجون لهذا التيار، مثل أحمد صبحي منصور ورشاد خليفة، الذين أعادوا إحياء هذا الفكر في سياقات ثقافية وسياسية مختلفة.

من جانبهم يزعم القرآنيون أن كتب الحديث، وعلى رأسها صحيح البخاري، تتضمن أحاديث ظنية لا تفيد اليقين، وأن الاعتماد عليها في التشريع أوقع الأمة في جمود فكري، بل ويحمّلون السنة النبوية المسؤولية عن التخلف الحضاري للمسلمين، ويستشهدون على موقفهم هذا بآيات قرآنية.

ويستدل القرآنيون على كفاية القرآن والاستغناء عن السنة بقوله تعالى في سورة الأنعام: “… مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ …”، وقوله تعالى في سورة النحل “…  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ  …”.

الحقيقة أن هذا الفهم المعوج ليس غريباً على من يدعون القرآن مرجعية وحيدة لهم في فهم التشريع، حيث يضحد د. سالم أبو عاصي، العميد السابق لكلية الدراسات العليا في الأزهر فهمهم هذا في حلقة  القرآنيون .. بين دعاوى التجديد والتوظيف السياسي من برنامج موازين على قناة الجزيرة قائلاً إن سياق قوله تعالى في سورة الأنعام “…. مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ …” لا يُقصد به القرآن الكريم، وإنما المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، حيث يقول تعالى “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ”.

ويضيف د.  أبو عاصي إن من ينكر السنة ينكر بالضرورة عن علم أو جهل القرآن نفسه، لأن الله أمر النبي ﷺ بالبيان، والبيان لا يكون إلا بتفصيل لما لم يرد كاملاً في القرآن، واستدل على ذلك بقوله تعالى في سورة النحل: “…. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”، مؤكداً أن البيان هو وظيفة تشريعية للنبي ﷺ وليست مجرد تلاوة القرآن.

حلقة القرآنيون حلقة بين دعاوى التجديد والتوظيف السياسي في برنامج موازين

ومن تخاريف القرآنيين ما أورده د. سلام من أنهم يزعمون أن السنة ليست وحياً من الله لرسوله ﷺ، متجاهلين قوله تعالى في سورة النجم “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ”، ومتجاهلين الاستحالة العقلية بأن يسمح الله لرسوله بأن يقول ما يخالف أوامره أو نواهيه، ومتجاهلين قوله تعالى في سورة الحاقة “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ”. 

وعموماً، بالعودة إلى نشأة القرآنيين وتاريخهم، فإن هذا التيار لم يكن سائداً أو واسع الانتشار في أي حقبة تاريخية، بل بقي محدوداً في الأفراد لا الجماعات، حتى العصر الحديث.

من الناحية الفكرية، يمكن تصنيف القرآنيين إلى قسمين: الأول يُنكر السنة كلها ولا يرى أي حجية لها، والثاني يقبل ببعض ما ورد في السنة إذا وافق العقل أو العصر أو لم يتعارض مع مفاهيم الحداثة، ومع ذلك، فإن الغالبية من أتباع هذا التيار تميل إلى إنكار السنة جملةً وتفصيلاً، وهو ما يجعلهم أقرب إلى رؤية علمانية متطرفة في التعامل مع النصوص الدينية.

ويزعم القرآنيون أن تأخر تدوين الحديث النبوي يثير الشكوك فيها، خاصة أن القرآن كُتب في عهد النبي ﷺ، بينما تأخر جمع السنة لعقود، ويطرحون تساؤلات مثل: لماذا نهى النبي عن كتابة الحديث في بعض الروايات؟ ولماذا لم يُجمع الحديث بالتواتر مثل القرآن؟ ويضيفون أن شروط التوثيق التي وضعها علماء الحديث غير كافية في نظرهم لضمان السلامة الكاملة من التدليس أو الهوى المذهبي.

وتشكيك القرآنيون في كتابة الحديث النبوي في زمن رسول الله ﷺ، يرجع إلى ما ورد في صحيح الجامع، حيث يروي أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ، أنه قال: “لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآنَ ، فمن كتب عني غيرَ القرآنِ فلْيمحْه ، و حدِّثوا عني و لا حَرَجَ ، و من كذبَ عليَّ متعمِّدًا ، فلْيتبوأْ مقعدَه من النارِ”، متجاهلين أن هذا التوجيه النبوي كان في أوَّلِ الأمرِ فقط، وإنَّ نَهْيَه ﷺ كان عن كتابة الحديث النبوي مع القرآنِ في صَحيفةٍ واحدَةٍ؛ لئَلَّا يَختَلِطَ بهِ فيَشتبِهَ على القارِئِ، لكنْ بعْدَ أنْ رَسَخَ حِفظُ القرآنِ عندَ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ وكتبوه في صُحفِهم.

ثم فيما بعد أَذِنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في كِتابةِ حَديثِه، ففي تخريج المسند يقول عبد الله بن عمرو بن العاص “كنتُ أَكْتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ أريدُ حفظَهُ فنَهَتني قُرَيْشٌ عن ذلِكَ، وقالوا : تَكْتُبُ ورسولُ اللَّهِ ﷺ يقولُ في الغضَبِ والرِّضا، فأمسَكْتُ حتَّى ذَكَرتُ ذلِكَ لرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالَ : اكتُب فوالَّذي نَفسي بيدِهِ ما خرجَ منهُ إلَّا حقٌّ”، فلماذا يذكر القرآنيون النهي في البداية ويتجاهلون الأذن فيما بعد؟

يرد عليهم في الحلقة نفسها من برنامج موازين د. أحمد صنوبر، أستاذ علوم الحديث بجامعة 29 مايو التركية بقوله إن علماء الحديث مارسوا نقداً موضوعياً، ولم يخضعوا لأهواء مذهبية، بدليل أنهم ضعفوا أحاديث في فضل شخصيات يُعتقد أنها محل تقدير عندهم، وصححوا أخرى رغم الخلافات العقائدية.

كما إن الحفظ في ذلك العصر كان هو الوسيلة الأولى للضبط، وأن العرب كانوا يمتلكون ذاكرة قوية، ويعيشون في بيئة غير مُشَتِتة، وأن الرواية الشفوية كانت مصاحبة بالتنقيح والنقد منذ وقت مبكر.

كيف وصلت إلينا الأحاديث النبوية؟ – بودكاست نظر

يُعدّ علم الحديث من أدق وأعقد العلوم الإسلامية التي ظهرت في تاريخ الأمة، وقد تشكل عبر قرون من التراكم العلمي والتمحيص النقدي، بدءاً من جيل الصحابة فالتابعين ثم أئمة علم الجرح والتعديل ، وقد ساد الاعتقاد عند بعض المعاصرين خاصة بسبب تأثرهم بالمستشرقين أن هذا العلم نشأ بفعل السياسة وتحت تأثير السلطة، وأن السنة لم تُحفظ بالمعايير التي يُروّج لها في كتب الحديث. 

غير أن النظر الموضوعي في مسارات رواية الحديث وانتشاره الجغرافي وتاريخ التأليف، يُبيّن أن هذه الفرضيات لا تصمد أمام المنهج العلمي الدقيق الذي انتهجه علماء الأمة في نقد النصوص والرواة على حد سواء.

إن من أبرز مظاهر التزييف في هذه النظرة الدخيلة إلى الحديث النبوي الزعم بأن الأحاديث النبوية كُتبت في عصور لاحقة لتبرير أو دعم مواقف سياسية معينة، خاصة في عصر الدولتين الأموية والعباسية، لكن لو كان ذلك صحيحاً، لكان من الطبيعي أن تكون الشام باعتبارها مركز الحكم الأموي أكبر مركز لانتشار الحديث، بحكم القرب من السلطة، إلا أن الواقع كان على خلاف ذلك تماماً.

فقد كانت المدينة المنورة والكوفة والبصرة أكثر مراكز رواية الحديث نشاطاً، وقد تميزت هذه المراكز ببُعدها النسبي عن السلطة السياسية، مما ساعد على نشوء بيئة علمية محايدة حريصة على التمحيص والتثبت.

وتبرز في هذا السياق مسألة حساسة طالما أثارت جدلاً عند المستشرقين وبعض المعاصرين، وهي الثقة بالصحابة الذين كانوا طرفاً في الفتن الكبرى، غير أن النظرة العلمية الإسلامية ترى الأمر من زاوية مختلفة، فرغم ما وقع من اجتهادات واختلافات سياسية بين الصحابة، فإن عدالتهم كناقلين للحديث لم تُمس، بل ظلوا يروون عن بعضهم البعض، ويُؤخذ حديثهم بالقبول ما لم يظهر ما يقدح في صدقهم.

إن من العبارات الجامعة التي تُعبّر عن هذا المنهج المتوازن قول بعض العلماء: نثق بهم لأنهم اقتتلوا، لا رغم أنهم اقتتلوا، في إشارة إلى أن صدقهم وتورعهم هو ما دفعهم للاجتهاد والقتال في سبيل ما يرونه حقاً، وليس لأنهم أصحاب هوى أو مصلحة دنيوية.

هذه الرؤية العميقة تنبئ عن فهم واقعي للفتنة، يتجاوز الأحكام العاطفية أو الإسقاطات السياسية، لتقف عند معيار علمي أخلاقي رفيع.

وفي هذا السياق نفسه، يروي ابن عباس لعروة بن الزبير أن أبا بكر وعمر كانا أعلم برسول الله منه، في معرض احتجاجه عليه في بعض المسائل، هذه الرواية لا تُفيد فقط تفوق جيل الصحابة في العلم، بل أيضاً تؤكد على استمرار العلاقة العلمية بين الأجيال، رغم اختلاف الاجتهادات، كما أنها تكشف عن تواضع أهل العلم، وحرصهم على معرفة الحق ممن سبقهم دون تعصب أو انغلاق.

ومن أهم ما يمكن التوقف عنده أيضاً هو الدور المحوري الذي لعبه الإمام مالك بن أنس في تدوين الحديث، خاصة من خلال كتابه الموطأ، حيث يتميز بأنه لم يكن مجرد تجميع للنصوص، بل كان نتاجاً لمنهج دقيق يجمع بين الرواية والفقه، وبين النقل والنقد، وقد خضع لمعايير صارمة من الإمام مالك الذي عُرف بورعه وشدة تحريه في قبول الأحاديث، وبذلك يكون هذا الكتاب شاهداً عملياً على جدّية الجيل الأول من علماء الحديث في تنظيم هذا العلم وضبطه.

غير أن مجرد وجود كتب الحديث لا يكفي للحكم على صحة السنة النبوية ما لم يُدرك القارئ علماً بالغ الدقة هو علم العلل، الذي يتتبع أي خلل محتمل في الأسانيد والمتون، ومن لا يعرف هذا العلم لا يمكنه أن يتحدث عن علم الحديث كشخص متخصص، لأن هذا العلم هو الذي يميز بين الحديث ظاهر الصحة في سنده.

والحديث الذي فيه علة خفية لا يدركها إلا النقاد الكبار، فليس كل ما صحّ سنده يُحكم عليه بالصحة المطلقة، بل لا بد من فحص المتن، والموازنة بين الروايات، والنظر في حال الرواة، وتاريخ ولادتهم وسماعهم وتحديثهم.

إن هذا المنهج النقدي العميق هو ما جعل علم الحديث يتفرد بين كل العلوم التاريخية الأخرى في دقته وشروطه، حتى إن بعض المستشرقين المنصفين اعترفوا بأن المسلمين طوّروا منظومة نقد للرواية لم تعرفها حضارة أخرى من قبلهم، غير أن هذا الاعتراف لم يخلُ من تناقض، إذ ظل تيار من المستشرقين يُشكك في صحة كتب الحديث ويطعن في منهجيتها، اعتماداً على مناهج خارجية لا تمت بصلة إلى البنية العلمية الإسلامية.

وقد حمل هذا التشكيك في طياته سوء ظن متجذر، يعود أحياناً إلى دوافع دينية أو سياسية أو استعلائية، ترى في التراث الإسلامي كله مجالاً للطعن والتقليل.

ومع ذلك، فإن الغريب أن الاستشراق على ما فيه من تجاوزات قد أسدى خدمة غير مباشرة لعلم الحديث، وذلك من خلال إثارة الأسئلة النقدية التي دفعت العلماء المسلمين المعاصرين إلى العودة للتراث، وإعادة شرحه وتحقيقه والدفاع عنه بوسائل منهجية جديدة.

فلقد أرغم الاستشراق علماء الأمة على تفكيك شبهاته، ومقارنة مناهجه، وإبراز تفوق المنهج الإسلامي في التوثيق، مما أحدث حالة من اليقظة العلمية.

وهكذا، فإن النظر المنصف إلى تاريخ السنة النبوية يثبت أنها لم تكن فوضى روائية، ولا نتاج تلاعب سلطوي، بل كانت ثمرة جهد جماعي طويل، ومراقبة صارمة للنقل، وتحقيق للمرويات من خلال طبقات من العلماء الذين بذلوا أعمارهم في التمييز بين الصحيح والضعيف، والمتصل والمنقطع، والمقبول والمردود.

كما أن العلاقة بين السياسة والدين لم تكن سبباً في فساد الحديث، بل في كثير من الأحيان كانت سبباً في إثارة الحذر النقدي، ودفع العلماء إلى التشدد في التوثيق، خشية التورط في الدعاية السياسية.

إن ما يميز علم الحديث أنه نشأ في بيئة ترى في الكلمة أمانة، وفي النقل مسؤولية، وفي التلقي عن الرسول ﷺ عهداً مقدساً، لا يُؤخذ إلا من الثقات، ولا يُقبل إلا بعد التمحيص، وهذا ما يجعلنا نعيد التفكير في كثير من المقولات السطحية المنتشرة اليوم، التي تتهم التراث الحديثي بالتزوير دون أن تقرأه بإنصاف، أو تطلع على دقائق علومه.

فالعلم لا يُنقد إلا من داخله، ومن يفعل غير ذلك، فإنه يُصدر أحكاماً لا تستند إلى أدوات العلم، بل إلى الظن وسوء الفهم، وربما إلى المواقف الأيديولوجية المسبقة.

ومن هنا، فإن الدفاع عن السنة لا يكون بالشعارات، بل بالعلم والتحقيق، وبكشف زيف الشبهات، وبالوعي النقدي الذي يفرق بين النقض العلمي والطعن المغرض، وبين الأسئلة المنهجية والمواقف العدائية، فالسنة النبوية ليست مجرد موروث ديني، بل هي نظام معرفي قائم على توثيق منقطع النظير تُفاخر به الأمة.

ويكفي أن في تاريخ الإسلام علماء أفنوا أعمارهم في تتبع الرواة، وجمع الطرق، وتمييز الصحيح من الضعيف، مما لم يعرف له مثيل في الحضارات الأخرى.

وقد ذهب د. عبد الجبار سعيد، أستاذ السنة النبوية وعلومها في كلية الشريعة بجامعة قطر في الحلقة نفسها من برنامج موازين إلى أبعد من ذلك، حين اعتبر أن تيار القرآنيين يتم تصديره ودعمه من قِبل مراكز بحثية في الغرب تسعى لتفكيك الإسلام من داخله، من خلال استهداف سننه وتشريعاته. 

ويشير سعيد إلى أن العديد من مؤتمرات القرآنيين تُعقد في العواصم الغربية، وأن أبرز وجوه هذا التيار مقيمون في أوروبا وأمريكا، ويتلقون الدعم المالي والمعنوي لترويج أفكارهم.

غير أن د. صنوبر يفضل التركيز على الدوافع الفكرية للتيار، وليس فقط البعد السياسي، مشيراً إلى أن القرآنيين يعزون تخلف الأمة إلى التراث عموماً والسنة خصوصاً، متجاهلين العوامل الاقتصادية والسياسية والاستعمارية التي تسببت في انهيار المؤسسات التعليمية والعلمية في العالم الإسلامي. 

ناهيك عن تجاهلهم لتفوق الحضارة الإسلامية التي احتضنت علوم الحديث النبوي لقرون عديدة على بقعة جغرافية واسعة.

غير أن تيار القرآنيين يواجه تحديات ضخمة، ليس فقط من المؤسسات الدينية التقليدية، بل من واقع الحاجة التطبيقية، إذ إن الكثير من تفاصيل العبادات والمعاملات لا يمكن استخراجها من القرآن وحده، ما يجعل إنكار السنة إشكالية عملية، لا مجرد خلاف نظري.

رد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله على القرآنيين

يرد في سورة النور ذكر لقوم يَدّعون أنهم يؤمن بالله ورسوله، لكنهم رغم ذلك يُعرِضون عن حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ،  ولا مبرر لموقفهم هذا سوى الشك في الله وفي رسوله ﷺ كمؤشر على عدم إيمانهم، حيث يقول تعالى: “وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.

ومن ضلالات القرآنيين وانحرافاتهم المُنكَرة ما ذكره د. سلام من أن القرآنيين يزعمون أن “سنة رسول الله ﷺ، من أقوال وأفعال ليس لها صفة العموم الزماني والمكاني”، وقد ضحد زعمهم هذا قائلاً أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”.

ويضيف د. سلام أن “القول باقتصار السنة على زمان رسول الله  ﷺ، وأصحابه رضوان رضوان الله عليهم مؤدٍّ بالضرورة إلى القول بمثل هذا في القرآن المجيد”، فهل يقبل مسلم أن يكون لكتاب الله فترة صلاحية أو حدود جغرافية معينة يُطبق فيها؟ وماذا يتبقى من الإسلام حينئذ؟ 

ولا ينفك د. سلام عن التأكيد على أن “السنة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين، فمن حفظ الله تعالى كتابه أن يحفظ السنة التي تبيّنه وتفصله”، ويضيف إن حركة القرآنيين “بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام،  وانتسبت إلى القرآن، وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة،  فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم”.

ثم كيف يتجاهل القرآنيون قوله تعالى في سورة الأحزاب “مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”، فلو كانوا يؤمنون حقاً بأن محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فكيف يفترضون ضياع كلامه، أليس هذا تشكيك في حفظ الله للإسلام؟ هل يعقل أن الله سبحانه وتعالى يسمح بضياع رسالته الخاتمة؟

وأين هم من قوله تعالى في سورة المائدة “… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا …”؟

ومن قد يختلج في صدره شك تجاه سنة من سنن رسول الله ﷺ، فلا يحكم عليها قبل أن يشمر عن ساعديه بدراسة علوم الحديث الكثيرة  والمتنوعة على يد أهل العلم والاختصاص، امتثالاً لقوله تعالى في  في سورة النحل “… فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.

وقد شرح تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مُوسَى الْكُرْدِيُّ الشَّهْرُزُورِيُّ الْمَوْصِلِيُّ الشَّافِعِيُّ في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن صلاح أنواع علوم الحديث التي أوصلها إلى خمسة وستين نوعاً، منها:  علم مصطلح الحديث،وعلم العلل، وعلم الجرح والتعديل، وعلم  فقه السنة، وعلم غريب الحديث، وعلم مناهج المحدثين.

أما من أخلد إلى الأرض وأقعده ضعف همته، فليمسك عليه لسانه، فسنة رسول ﷺ كنز يفيض حكمة وخلقاً، وقد قال الله تعالى فيه في سورة الأحزاب “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا”.

Ahmad Okbelbab
Ahmad Okbelbab
يَنظُمُ الحروفَ كحبات اللؤلؤ، لكنها سرعان ما تنفرط ليجمعها من جديد بحثاً عن شيء ما، ثم في النهاية يستسلم أمام الكلمات التي تأسره، والمعاني التي تفاجئه.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية