في حلقة جديدة من برنامج ملح الكلام، استضافت الإعلامية هدى محمد الخبير القانوني وعضو لجنة المناقصات والمزايدات محمد راشد الدرعة المري، في حوار معمق حول أحد أهم القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية في قطر، وهو قانون رقم (24) لسنة 2015 بإصدار قانون تنظيم المناقصات والمزايدات، وقرار مجلس الوزراء رقم (16) لسنة 2019 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم المناقصات والمزايدات الصادر.
وقد أتاح اللقاء فرصة نادرة لفهم هذا القانون من زاوية تطبيقية، على لسان أحد المختصين الذين عايشوا تفاصيله من داخل اللجان الفنية ولجان الترسية والرقابة.
مارس محمد راشد الدرعة المري العمل في لجان المناقصات لأكثر من عقدين، وحرص على توثيق خبراته في كتابه المرجعي شرح قانون تنظيم المناقصات والمزايدات الـصـادر بالـقـانـون رقم 24 لسنة 2015 ولائحته التنفيذية رقم 16 لسنة 2019 (2023)، الذي صدر عن دار الوتد.
بدأ اللقاء بتوضيح العقد الإداري الذي يُبرم بين جهة إدارية وشخص طبيعي أو اعتباري لتنفيذ أعمال أو توريد خدمات أو بضائع تدخل ضمن اختصاص الدولة، حيث يتمتع هذا النوع من العقود بطابع خاص من حيث خضوعه لاختصاص المحكمة الإدارية.
هذا التمايز في الطبيعة القانونية للعقود، كما بينه الدرعة، ليس نظرياً، بل يُبنى عليه الكثير من الالتزامات والضمانات التي تحمي المال العام وتراعي المصلحة العامة.
في شرح تفصيلي لمراحل سير المناقصة كما نظمها القانون القطري، أشار الدرعة إلى أنها تبدأ بالحصول على الاعتماد المالي، ثم صدور قرار التعاقد، مروراً بالإعلان عن المناقصة، واستقبال العطاءات، ثم فتح المظاريف الفنية فالمالية، وصولاً إلى مرحلة الترسية والتوقيع على العقد.
وأكد أن وجود الاعتماد المالي قبل طرح المناقصة ليس شرطاً شكلياً، بل ضرورة قانونية لحماية الجهات الحكومية من التورط في التزامات تتجاوز إمكانياتها، ولضمان حقوق الشركات المتقدمة.
ولم يُغفل الضيف الحديث عن الاستثناءات الواردة على مبدأ المناقصة العامة، مثل الاتفاق المباشر الذي أجازه القانون في حالات محددة، أبرزها وجود وكيل حصري، أو تعذر المنافسة، أو الضرورة القصوى.
لكنه شدد على أن هذا المسار يجب أن يكون محكوماً بضوابط صارمة، وألا يُستخدم كذريعة لإقصاء المنافسين أو الالتفاف على قواعد العدالة.
كما حذر من استغلال بعض الشركات لمفهوم الوكالة التجارية دون اعتماد رسمي من وزارة التجارة والصناعة، مؤكداً ضرورة مراجعة تلك الادعاءات بما يحفظ مبدأ الشفافية.
أما عن الرقابة على تنفيذ المناقصات وصرف الأموال العامة، فقد أوضح الدرعة أن القانون لم يترك هذه المهمة لمستوى واحد، بل أسندها إلى ديوان المحاسبة، وإدارات التدقيق الداخلي، والنيابة العامة، إضافة إلى لجان فنية داخل كل جهة حكومية.
وتوقف مطولاً عند خطورة تسريب القيمة التقديرية للعقود، معتبراً أن ذلك يشكل خرقاً جسيماً للقانون ويقع تحت طائلة المادة 72 من قانون العقوبات القطري، لما قد ينتج عنه من إخلال بالمنافسة وإتاحة فرص غير عادلة.
في جانب عملي مهم، وجّه الدرعة حديثه إلى الشركات، داعياً إياها إلى متابعة موقع المشتريات الحكومية بانتظام، والتعامل بجدية مع المناقصات، وتقديم ملاحظاتها القانونية عند الحاجة.
وأشار إلى أن بعض الشركات تتعجل في الحكم على التجربة بالفشل، لمجرد عدم فوزها في مناقصة أو اثنتين، مؤكداً أن المثابرة والتدرّج في بناء سجل تنافسي هما السبيل الأفضل للدخول إلى هذا القطاع الحيوي.
كما أشاد بالقانون القطري، معتبراً إياه من أكثر القوانين العربية مرونة وعدالة، لما يوفره من ضمانات متوازنة لكل من الجهة الحكومية والمورد على حد سواء.
وقد حملت الحلقة بعداً إنسانياً لطيفاً حين انتقل الحوار إلى المطبخ، حيث أعدّت هدى محمد طبق إسباجيتي بولونيز برفقة ضيفها، مستحضرةً أصول الطبق الإيطالي الشهير من مدينة بولونيا، ومقدمةً وصفة تجمع بين البساطة وعمق النكهة، كما يجمع القانون بين التعقيد النظري والدقة العملية.




