في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية المتقلبة، تشهد الموازنات العامة للدول الخليجية محاولات مستمرة للحفاظ على التوازن بين الإيرادات والمصروفات، ودولة قطر ليست استثناءً من هذه القاعدة. فقد كشفت بيانات وزارة المالية أن الموازنة العامة للدولة سجلت عجزاً متتالياً خلال الربعين الأول والثاني من عام 2025، إلا أن هذا العجز ظل محدودًا، وجرى تغطيته دون المساس بخطط التنمية أو الالتزامات الأساسية للدولة.
بحسب البيان الرسمي الصادر عن وزارة المالية، بلغ العجز خلال الربع الأول من عام 2025 نحو 500 مليون ريال، وهو ما يعادل تقريباً 137 مليون دولار. وقد تمت تغطيته، كما أوضحت الوزارة، عبر أدوات الدين، دون الإشارة إلى وجود أي تغيير في سياسة الإنفاق العام، الذي بلغ في نفس الفترة 49.9 مليار ريال، توزعت بين الرواتب والأجور، والمصروفات الجارية، والرأسمالية الكبرى والثانوية.
أما في الربع الثاني، فقد ارتفع العجز قليلًا ليصل إلى 800 مليون ريال (ما يقارب 219.7 مليون دولار)، رغم أن الإيرادات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالربع الأول، حيث بلغت 59.8 مليار ريال.
ويعود هذا العجز إلى زيادة الإنفاق العام الذي وصل إلى 60.6 مليار ريال، مسجلًا بذلك ارتفاعًا بنسبة 5.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ما يلفت النظر في هذه الأرقام هو التوزيع المتوازن للمصروفات، حيث خُصص أكثر من 18 مليار ريال للرواتب والأجور، بينما ذهبت 21.9 مليار ريال للمصروفات الجارية، وهي الأرقام التي تعكس استمرارية التزام الدولة بالخدمات الأساسية، رغم الضغط المالي المؤقت.
ويأتي هذا الأداء الفصلي في سياق الموازنة العامة للسنة المالية 2025، التي أُقرّت بموجب القانون رقم (20) لسنة 2024، والتي اعتمدها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
وتُقدر الموازنة بإجمالي إيرادات يبلغ 197 مليار ريال، مقابل 210.2 مليار ريال كمصروفات، أي بعجز سنوي متوقع قيمته 13.2 مليار ريال، ستتم تغطيته كذلك عبر أدوات الدين المحلي والخارجي عند الحاجة.
ما يؤكد التوجه الاستراتيجي المتحفظ للحكومة في هذه الموازنة هو اعتمادها متوسط سعر نفط يبلغ 60 دولاراً للبرميل، وذلك في سبيل ضمان مرونة مالية واستقرار في السياسات الاقتصادية، وهي سياسة احترازية ساعدت قطر في تجاوز أزمات الأسواق العالمية في السنوات الماضية.
كما تميزت الموازنة بتخصيص 41.4 مليار ريال لقطاعي التعليم والصحة، بما يمثل 20% من إجمالي الموازنة، إلى جانب زيادات في مخصصات الأجور والمصروفات الرأسمالية، وهو ما يترجم التزام الدولة بتطوير رأس المال البشري ودعم مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة.
ورغم تسجيل العجز في الربعين الأول والثاني، فإن استمرار التعاقدات الحكومية وارتفاع قيمتها، وخصوصاً مع الشركات الأجنبية بنسبة 50%، ما يعكس حيوية في الدورة الاقتصادية والتزاماً حكومياً بتنفيذ مشاريع استراتيجية.
إن المتابع لمجريات الإنفاق العام في قطر يدرك أن العجز المالي في هذه المرحلة لا يُعد مؤشراً سلبياً بالضرورة، بل يعكس إدارة محسوبة تراعي متطلبات الإنفاق التنموي والاستقرار الاقتصادي معًا، وبين التحفظ في تقدير الإيرادات، والتوسع المدروس في المصروفات، تواصل الدولة نهجها نحو تنمية مستدامة لا تترك أحدًا خلف الركب.




