spot_imgspot_img
بيتقانونالزواج المدني بين الخصوصية الدينية والتشريعات الحديثة

الزواج المدني بين الخصوصية الدينية والتشريعات الحديثة

يثير مصطلح الزواج المدني جدلاً واسعاً في المجتمعات العربية، لا سيما عندما يُطرح في سياق ثقافي وديني محافظ، حيث يُنظر إلى مؤسسة الزواج باعتبارها رابطاً شرعياً ذا أبعاد دينية واجتماعية وقانونية.

في المقابل، تتبنى دول أخرى نماذج مختلفة من الزواج، تقوم على تعاقد مدني تنظمه الدولة، دون اشتراط مرجعية دينية لإتمام العقد.

في السنوات الأخيرة، بدأ مفهوم الزواج المدني يظهر بشكل متزايد في النقاشات العامة، من خلال الإعلام، والمسلسلات، والتجارب الفردية التي يشاركها بعض المشاهير، مما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مدى قبوله أو رفضه، وتأثيره على المنظومة الأسرية والتشريعية في العالم العربي.

فبين من يرى فيه تهديداً للهوية، وآخر يعتبره وسيلة لضمان الحقوق في مجتمعات متعدّدة الانتماءات، يظل التساؤل حول إمكانية إيجاد مكان للزواج المدني في المنظومة القانونية والاجتماعية العربية، وطبيعته التي تتعارض مع الخصوصية الثقافية والدينية لهذه المجتمعات.

أثارت الدكتورة سلوى الملا في مقالها المنشور في جريدة الشرق جدلاً عميقاً حول مسألة الزواج المدني، لكنه لم يكن جدلاً قانونياً محضاً أو فقهياً بحتاً، بل كان أقرب إلى صرخة ثقافية وهويّاتية في وجه تحولات تراها الكاتبة مهددة لمجتمعاتنا من الداخل.

لم تنظر الملا إلى الزواج المدني باعتباره مجرد عقد قانوني بين طرفين، بل بوصفه مدخلاً لتفكيك منظومة قيمية كاملة، تقوم على مفاهيم دينية راسخة، وعلى فهم تقليدي للعائلة والروابط الشرعية بين الأفراد.

في مقالتها، بدا رفض الزواج المدني متجاوزاً حدود النصوص الفقهية إلى ما هو أوسع: الخوف من الانسلاخ عن الهوية، ومن إذابة الفوارق بين الأديان، ومن استيراد نماذج غريبة بعيدة عن السياق العربي الإسلامي، إذ عبّرت الملا عن قلقها من ظاهرة زواج بعض المسلمات من غير المسلمين في إطار مدني، يتم خارج شروط العقد الإسلامي، ويروَّج له أحياناً من قِبل شخصيات معروفة ومؤثرة، دون مراعاة لما قد يترتب على هذه الزيجات من إشكالات فقهية وقانونية تمس قضايا مثل الإرث، وعدّة المرأة، ودين الأولاد.

في هذا السياق، اعتبرت الدكتورة الملا أن ما يجري ليس مجرد تحوّل في أنماط العلاقات الاجتماعية، بل هو هجوم ناعم على الفطرة، يستهدف الهوية من خلال إعادة تعريف مفاهيم كالأسرة والارتباط الشرعي، واستبدالها بنسخ مدنية مستوردة من الغرب.

وأبدت أسفها من أن تتراجع مجتمعات ذات تاريخ وثقافة وحضارة عريقة عن ثوابتها، تحت ضغوط الحداثة والعلمانية والعولمة، تُتبنّى تحت وطأتها نماذج هجينة تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، معتبرة أن الاعتزاز بالهوية الإسلامية والعربية ليس موقفاً رجعياً، بل هو مقاومة ثقافية مشروعة في وجه ذوبان الهوية.

إن ما تطرحه الكاتبة ليس مجرد موقف من الزواج المدني، بل هو دعوة لاستعادة سؤال الهوية في زمن التسييل القيمي، ولإعادة التفكير فيما إذا كانت نماذج الحياة الحديثة تُفرض علينا، أم نختارها عن وعي ومسؤولية.

الزواج المدني، في تعريفه القانوني، هو عقد يتم بين طرفين أمام جهة رسمية في الدولة، دون الحاجة إلى تدخل ديني أو طقوس مذهبية، ويتم توثيقه بحضور شاهدين وباستخدام أوراق ثبوتية تحدد هوية الطرفين ووضعهما الاجتماعي، وهو معترف به في أغلب دول العالم بوصفه الوسيلة القانونية الأساسية لتسجيل العلاقة الزوجية.

لعل الجدل لا يكمن في صحة الزواج من الناحية الدينية فحسب، بل في التفرقة الدقيقة التي وضعها المشرع القطري بين الأثر القانوني للعقد والأثر الشرعي، فوفقاً لقانون تنظيم الزواج رقم (21) لسنة 1989، والذي ينظّم زواج القطريين من غير القطريين، فإن أي عقد زواج يتم بالخارج دون الالتزام بالشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون، لا يُعتد به قانوناً، ولا يُوثق داخل الدولة، ولا تنتج عنه أي آثار قانونية يمكن الاستناد إليها في التعامل مع الجهات الرسمية.

بمعنى آخر، لا يمكن بموجب هذا العقد أن يحصل الطرف الأجنبي على الإقامة ولا يستحق الطرف القطري العلاوة الاجتماعية، ولا يُمنح الامتيازات التي يكفلها القانون للمواطن المتزوج زواجاً معتمداً لدى الدولة، بل إن القانون يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ينص على جزاءات إدارية وتأديبية على المخالفين من المسؤولين والموظفين والطلبة المبتعثين، تتراوح بين العزل من المنصب، أو إنهاء البعثة، أو حرمانهم من السكن الشعبي، وغيرها من العقوبات التي تهدف إلى ضبط سلوك الأفراد بما يتسق مع المصلحة العامة والنظام العام للدولة.

غير أن هذه التشريعات لا تلغي الاعتراف بالأثر الشرعي للعقد، فقد أوضحت فتوى منشورة على موقع ميزان المبدأ الشرعي الذي تتبناه قطر بموجب دستورها الذي يقر بأن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي للتشريع، ما يجعل من عقد الزواج، إذا استوفت فيه أركانه الشرعية، رابطة ملزمة من الناحية الدينية، حتى لو أُبرم خارج الأطر القانونية المحلية.

فالزواج، في نظر الشريعة، ليس مجرد إجراء إداري، بل ميثاق غليظ، تقوم عليه الأسرة، وتحفظ به الأنساب، وتترتب عليه حقوق وواجبات لا تُنفى بغياب التوثيق القانوني.

لذلك، فإن النفقة، والصداق، والحضانة، وسائر ما يترتب شرعاً على هذا العقد، يبقى قائماً من منظور القضاء الشرعي، ولا يصح إسقاطها لمجرد تعارضها مع إجراءات القانون الوضعي، فمخالفة الشكل لا تنقض جوهر العقد إذا توفرت أركانه الشرعية الأساسية: الرضا، والولي، والشهود، والمهر.

ومع ذلك، يظل لتوثيق عقد الزواج المبرم خارج الدولة ضوابط صارمة، فلكي يُعتد به من الناحية الشرعية، يجب أن يكون موثقاً في الدولة التي أُبرم فيها، وفق الإجراءات الرسمية المتبعة هناك، أما الزواج غير الموثق، فلا يُعتد به لا شرعاً ولا قانوناً، سداً لذرائع التحايل، وحفاظاً على استقرار الأسرة وصيانة للحقوق.

ومن اللافت للنظر أن المشرع القطري اختار استخدام عبارة “لا يُعتد به”، في حين أن بعض التشريعات العربية، كالقانون المصري، استخدم تعبير “لا تُسمع الدعوى” في حال كان عقد الزواج عرفياً وغير موثق، وهو تعبير قضائي يُقصد به رد الدعوى شكلياً، لا إنكار وجود العلاقة ذاتها، ما يعكس توجهاً اجتماعياً يهدف إلى تشجيع التوثيق، لا نفي العلاقة الزوجية متى قامت أركانها.

في المحصلة، يبرز هذا التمايز بين الأثر القانوني والشرعي لعقد الزواج المبرم في الخارج كواحد من أبرز وجوه التوتر بين الدولة الحديثة التي تسعى لتنظيم العلاقات الإنسانية ضمن أطر قانونية واضحة، والشريعة التي تُعلي من شأن العقد متى توفرت شروطه، ولو تجاوز عن بعض الإجراءات الشكلية.

ويظل التحدي الأبرز هو إيجاد صيغة تضمن احترام الأحكام الشرعية، دون التفريط في مقتضيات المصلحة العامة، التي ترعاها الدولة في ظل التغيرات الاجتماعية المعاصرة.

فقد نظمت إدارة التوثيقات الأسرية في قطر مسائل الأحوال الشخصية للمقيمين الذين يشكلون فيها نسبةً كبيرة من السكان، فمن حيث المبدأ، لا تمنعهم القوانين القطرية من الزواج على أراضيها، سواء أكانوا من ذات الجنسية أو من جنسيات مختلفة، لكن إتمام هذا الزواج يتطلب الالتزام بإجراءات محددة تهدف إلى التحقق من أهلية الطرفين وسلامة العلاقة قانوناً وشرعاً.

في حال كان أحد الزوجين (أو كلاهما) مقيماً في قطر، فإن أولى الخطوات تتمثل في التوجّه إلى محكمة الأسرة المختصة، سواء كانت المحكمة الشرعية للمسلمين أو المحكمة المختصة بالجاليات غير المسلمة، لتقديم طلب الزواج، غير أن الطلب لا يُنظر فيه دون استيفاء عدد من الوثائق الأساسية، من بينها: صورة جواز السفر، وتصريح الإقامة السارية، وشهادة عدم الممانعة من سفارة الطرف الأجنبي (إذا كان أحد الزوجين غير قطري)، بالإضافة إلى شهادة طبية تفيد بخلو الطرفين من الأمراض المعدية، وشهادات تثبت الحالة الاجتماعية (عازب، مطلق، أرمل) حسب ما تقتضيه الحال.

وتُعد عملية التوثيق أكثر من مجرد إجراء إداري، فهي الضامن الأساسي لحقوق الطرفين، خاصة عند الخلاف أو الطلاق أو انتقال أحد الزوجين إلى بلد آخر، كما أن العقد الموثق هو وحده المعتمد في استخراج شهادات الميلاد للأبناء، وفتح ملفات في المستشفيات، وإنجاز معاملات الإقامة والتعليم والعمل.

ولأن قطر دولة تعتمد الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً لتشريعاتها، فإن المحاكم تراعي عند توثيق العقود أن تكون مستوفية لأركان الزواج الشرعي: الإيجاب والقبول، ووجود الولي عند المرأة، والشهود العدول، والمهر، وفي حال كان الزواج مدنياً أو تم في الخارج، فيُطلب تصديقه من وزارة الخارجية، وترجمته إلى العربية، ليُعاد النظر في إمكانية اعتماده من قبل المحكمة القطرية.

ورغم الجدل الذي يثيره الزواج المدني في عدد من المجتمعات العربية، خاصة تلك التي ترتكز منظومتها الأسرية على المرجعية الدينية، فإن هذا النوع من الزواج يُعدّ الإطار القانوني الرسمي المعتمد في عدد من دول العالم، بل ويُشترط في بعض الحالات قبل إتمام أي مراسم دينية أو اجتماعية.

في فرنسا، على سبيل المثال، يُعد الزواج المدني الشكل الوحيد المعترف به رسمياً من قبل الدولة، فلا قيمة قانونية لأي زواج ديني ما لم يوثق بشكل مدني في البلدية، وهو ما يعكس فلسفة الدولة الفرنسية القائمة على الفصل التام بين الدين والدولة، ضمن نموذجها الصارم للعلمانية.

أما في ألمانيا، فإن القانون يُلزم بإتمام الزواج المدني في مكتب الأحوال المدنية، ويُعتبر العقد الديني إجراءً رمزياً لا يترتب عليه أي أثر قانوني إلا بعد اكتمال الإجراءات المدنية.

وفي إيطاليا، يظل الزواج المدني إلزامياً أيضاً، ما لم يتم إبرام عقد ديني يُعترف به لاحقاً أمام السلطات المدنية، فيما يعرف بالزواج الكنسي المعترف به مدنياً وفق اتفاقية لاتيران الموقعة بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية.

في كندا، تسود مرونة أكبر، إذ يُعترف بالزواج المدني بشكل رسمي دون أي تمييز ديني أو طائفي، ويكفل القانون الكندي للزوجين حق اختيار المراسم التي تناسبهما، سواء كانت دينية أو مدنية، بشرط إتمام التوثيق لدى الجهات المختصة.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فتمتاز بنظام قانوني غير مركزي، حيث تختلف شروط الزواج وقوانينه من ولاية لأخرى، غير أن الزواج المدني هو النموذج السائد، سواء تم في المحكمة أو أمام موثق قانوني معتمد، ويُعدّ الضمان القانوني مهماً للاعتراف بالزواج.

في السياق العربي، تشكّل لبنان حالة خاصة، فعلى الرغم من عدم وجود إطار قانوني داخلي ينظم الزواج المدني للمواطنين داخل البلاد، يلجأ كثير من اللبنانيين إلى إتمام زواجهم المدني في دول مثل قبرص، ثم يعودون لتسجيله لدى الدوائر الرسمية اللبنانية، التي تعترف به باعتباره عقداً قانونياً موثقاً أُبرم خارج البلاد.

أما في تونس، فقد اختارت الدولة الاعتراف بالزواج المدني بوصفه الشكل الرسمي لعقود الزواج، إذ يتم توثيق الزواج في البلديات، مع إمكانية إقامة مراسم دينية لاحقاً لمن يرغب، ولكن دون أن يكون لها طابع ملزم قانونياً.

وفي هذا الإطار، تبرز قبرص كوجهة مفضّلة لعرب كثيرين، خصوصاً من لبنان والأردن وفلسطين ومصر، ممن لا يستطيعون إتمام زواج مدني في بلدانهم بسبب غياب الإطار القانوني أو رفض الأسر، فبفضل إجراءاتها البسيطة وسرعة إتمام العقد، أصبحت قبرص ملاذاً قانونياً لهذا النوع من الزواج.

قد نرى أطروحات تحاول أن تجد للزواج المدني موطئ قدم في المجتمعات العربية، مثل كتاب طلال الحسيني الزواج المدني: الحق والعقد على الأراضي اللبنانية (2013)، وفيه يحاول الكاتب إثارة إشكالية عميقة تتجاوز حدود الفقه القانوني إلى فضاء الأسئلة الكبرى حول العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الطائفة والمواطنة، وبين النص القانوني وسياقاته التاريخية والاجتماعية.

فالكتاب، وإن استند إلى تحليل دقيق لقرار 60 ل.ر. الصادر عن المفوض السامي الفرنسي سنة 1936، وتفكيك نصوصه ومضامينه، إلا أنه يلامس قضية أكثر تعقيداً، وهي هل يمكن للإنسان أن يمارس حقه في الزواج خارج الأطر الطائفية التقليدية، من دون أن يُتهم بالانسلاخ عن الدين أو الخروج على الأعراف؟

في عرضه الممنهج، حاول الحسيني أن يبرهن أن ثمة أرضية قانونية قائمة، وإن كانت مُهمَلة، تسمح بإبرام الزواج المدني على الأراضي اللبنانية دون الحاجة إلى السفر أو الانتماء القسري إلى طائفة معترف بها، وقد استند في ذلك إلى أدوات منطقية وتاريخية ولغوية وفلسفية لكشف التناقضات الكامنة في الخطاب القانوني السائد، ولإعادة الاعتبار إلى فئة من المواطنين ليس لها انتماءات طائفية، وهي موجودة فعلياً في سجلات الدولة ومؤسساتها.

غير أن هذا الطرح، رغم تماسكه القانوني ومنطقه الحقوقي، يواجه اعتراضات جدية لا يمكن التغافل عنها، فهناك من يرى أن الزواج المدني، كما يُطرح في هذا السياق، لا يمثل فقط خياراً إجرائياً مختلفاً، بل هو مساس بهوية المجتمع اللبناني الذي يقوم على توازن ديني وطائفي دقيق.

ففكرة فصل الأحوال الشخصية عن المرجعية الدينية تُعد في نظرهم تهديداً مباشراً لمؤسسات دينية تاريخية، ولمنظومة القيم التي تحكم العلاقات الأسرية منذ قرون، وهو تخوف لا يخلو من وجاهة في بيئة تتشابك فيها الهويات الدينية مع النظام القانوني والسياسي والاجتماعي.

ثم إن الترويج للزواج المدني، عند البعض، لا يُقرأ بمعزل عن تحولات أوسع في العالم العربي، بل يُنظر إليه كنوع من الاستلاب الثقافي أو محاكاة لنماذج علمانية غربية لا تنسجم بالضرورة مع بنية المجتمعات المحافظة أو الإسلامية، ولهذا، فإن الدعوة إلى تقنين الزواج المدني قد تُفهم بوصفها جزءاً من مشروع أوسع لتغيير القيم والمعايير، لا مجرد مطلب لتوسيع الخيارات القانونية.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن حرية الفرد في الاعتقاد والانتماء هي جزء لا يتجزأ من مبادئ الدساتير الحديثة والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف القانوني بحق مَن لا طائفة له في الزواج، وفق قانون مدني، لا يلغي حقوق الطوائف ولا يفرض نموذجاً موحداً على الجميع، بل يُشكل نوعاً من التوازن الضروري بين المصلحة العامة واحترام التنوع داخل المجتمع الواحد.

Rand Saad
Rand Saadhttp://www.qawl.com
لم تكن تدري أن فن العمارة سيفتح لها باباً آخر تصمم فيه مدخلاً لجمهور المنصات، ونافذةً للتفاعل والآراء، ومشربية تحد من الجهل، وقوس متكأ على أعمدة العلم والمعرفة، لتصبح حجر زاوية للجميع.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية