spot_imgspot_img
بيتأخبارمغامرات الرحالة خالد الجابر في ملح الكلام

مغامرات الرحالة خالد الجابر في ملح الكلام

في زمنٍ تتراكم فيه الحواجز، وتتعقّد معه قوانين السفر، يطل علينا الرحالة خالد محمد الجابر ممتطياً دراجته النارية، لا كمجرّد مغامر ينشد الإثارة، بل كصوت إنساني يتسلل من قارة إلى أخرى مقتحماً الصعاب، وناقلاً حكاياته وتجاربه عبر الحدود، في سردية  تختلط فيها السيادة بالقيم، والخرائط بالقصص، والقانون بالمواقف الإنسانية.

بدأت رحلات الجابر منذ نعومة أظفاره بين القاهرة وبرلين وطوكيو، فلم يذق للاستقرار طعماً منذ طفولته، لكن مع حط الرحال في الدوحة على غير ما اعتاد، بدأت تتسلل مشاعر الضيق إليه، وقرر أن يعاود المسير  باختياره هذ المرة، فكانت دراجته بوصلته، والجغرافيا مساره، والحدود مرفأه.

في حلقة ملح الكلام معه، يقول الجابر إن الرحلات التي يقوم بها تتطلب لياقة بدنية وذهنية وروحية، ويضرب مثلاً بتدريبات الملاكمة التي تنمّي سرعة البديهة، وتساعد الذهن ليكون متحفزاً للمواقف غير المتوقعة أثناء الطريق، حتى معدته يجب أن تكون على أهبة الاستعداد، لتتحمل طعام بيرو الشهي فوق قمم جبال الأنديز، فالرحالة في نظره، رياضي ذو ذهن حاضر وجسد قوي، وعقل رزين، للطوارئ منتبه، لا كسائح مستلق على ظهره يستهلك ما يدغدغ حواسه.

ورغم إيمانه بالتكنولوجيا، لا يُخفي الجابر خشيته من اعتماد الناس المفرط على تطبيقات الخرائط، فهو يرى أن لا مانع من أن يتيه أحياناً، لأن التيه أحد صناع القصص.

ويحكي أنه عندما كان في مدينة تشنغدو الصينية، التي خُططت شوارعها كأنها شرائح بصل متداخلة، يدور فيها على غير هدى، ويحاول الوصول إلى سكنه، دون أن يجد طريقاً أو خريطة مفهومة، لكن بعد انقضاء الرحلة ذهبت الذكرى وأتت القصة، كان يجدها مضحكة، فالخطأ عنده مادة خام للسرد.

لكن التحدي الأكبر لا يكون في الصحراء ولا في الغابات، بل عند الحدود، فالقانون لا يرحم المغامر، والأنظمة لا تفهم نية الرحالة.

ففي جورجيا مثلاً، رفضت ضابطة الجوازات إدخاله لأن جوازه بدا مبلولاً، رغم أنه قانونياً، لا يحتاج إلى تأشيرة أصلاً، فلم ينفعل، بل طالب بثقة أن يتواصل مع السفارة القطرية، وهنا أيقنت الضابطة أنه لا يكذب وتبدلت معاملتها له في لحظة. 

هنا يلفت الجابر الانتباه إلى أن السلوك هو مفتاح العبور، لكنه لا ينكر أن بعض الحدود تكشف وجوهاً أقسى من القانون، كأن يُستجوب في تركمانستان عن مذهبه وصلاته وموقفه من الجهاد، لا لشيء إلا لأنه عربي ملتحٍ.

وعندما تحدث الجابر عن أغرب القوانين التي واجهها، روى تجربته في المكسيك عندما دخلها برّاً، ولم يجد مركزاً حدودياً واضحا يختم فيه جواز سفره، وقد أصر على البحث بنفسه عن المركز الحدودي في مدينة تبعد 15 ميلاً عن نقطة الجمارك الحدودية، حتى لا يُعتبر متسللاً، بينما تعرّض أحد أصدقائه للترحيل بعد شهر لأنه لم يكن يعلم أن الختم يجب أن يحصل عليه في تلك المدينة.

في مقابل ذلك، حظي خالد بأناس شعروا بما قد يعانيه من إرهاق أو تعب، مثلما حدث له على الحدود الإماراتية العمانية. 

فقد كان يوماً على وشك الإصابة فيه بضربة شمس، إلا أن رجال الجوازات عاملوه بإنسانية عالية، وسمحوا له بالمرور، ثم دلوه لاحقاً على مركز يختم فيه جوازه، ورأى الجابر في هذا الموقف انتصاراً للرحمة على البروتوكولات الصارمة. 

ولعل من أبرز المواقف التي تكشف أهمية الرعاية الدبلوماسية ما حدث له في بنما، حيث بقي ينتظر قرابة 14 ساعة، لأن دولة قطر لم تكن مدرجة في نظام الجمارك، فعرض الموظف عليه أن يُسجَّل نفسه كإماراتي أو سعودي أو فلسطيني لكي يُسمح له بالدخول، وهذا ما فعله.

وأضطر الجابر أن يخبر السفارة القطرية في بنما لكي تتدارك هذه الثغرة، واعتذرت وزارة الخارجية البنمية عن هذا الخطأ، وفي ذلك يقول الجابر “لم ألجأ للسفارة إلا بعد أن استنفدت كل الخيارات”، متجنباً بذلك إثقال كاهل السفارات بطلبات قد لا تكون ضرورية، كما يفعل البعض الذين يسعون للمعاملات الخاصة.

ولا تخلو مغامرات الجابر من مواقف خطرة، أبرزها ما حدث له في كولومبيا، حين اقترب من شخص أخذ مكانه في محطة وقود، فضرب على نافذته بغضب، ليُفاجأ بالرجل ينزل من سيارته الفارهة ويضع المسدس على رأسه، فأدرك الجابر أن لحظة الموت باتت وشيكة، فتدارك الموقف بحيلة ذكية وروح دعابة، وتمكن من النجاة.

ومن المفارقات المرورية الغريبة، ما حدث للجابر في الصين، حيث طُلب منه استخراج رخصة قيادة صينية مؤقتة، وتسجيل دراجته بلوحة صينية، بل وطُلب منه أيضاً غسل الدراجة كاملة بنفسه، قبل السماح له بدخول البلاد.

لم يكن الأمر مجرد عبور حدود، بل دخول إلى نظام قانوني دقيق لا يعترف بالاستثناءات، حيث تُعامل كل مركبة أجنبية كأنها محلية، ويُشترط تنظيفها على مرأى من أعينهم المتربصة، ورغم ما بدا له في البداية من إجراءات بيروقراطية مرهقة، إلا أنه امتثل لها، معتبراً أنها تعكس ثقافة الانضباط الصيني، ومؤكداً على أن احترام قوانين الدول هو جزء لا يتجزأ من أخلاق الرحالة.

وبيّن الجابر سبب استقراره في ألمانيا في السنوات الأخيرة، وذلك لأنها تُعتبر هوليود الدراجات النارية ومحطتها إلى العالمية، خاصة وأنها بالنسبة له ليست مجرد رفاهية، بل أسلوب حياة.

وفي هذا الصدد يسعى الجابر أن يؤمن لنفسه الرعاية الإعلامية التي تكسب رحلاته طابعاً احترافياً، فهي لا تقتصر على الدعم المالي فقط، بل تُحمّله مسؤولية تمثيل الجهة الراعية بصورة مشرّفة، مما يدفعه للالتزام اللائق بالمظهر والسلوك وما ينشره من محتوى. 

ويؤكد أن الرعاية تسهم في تغطية التكاليف الباهظة للرحلات، لكنها في المقابل تستوجب اتفاقاً واضحاً يشمل بنوداً محددة، وينصح بأن تُراجع البنود المتعلقة بالعقوبات، لضمان علاقة متوازنة تحفظ للطرفين حقوقهما، وتجنبه المساءلة في حال الإخلال بالالتزامات المطلوبة.

إن تجربة الجابر وجودية وإنسانية وقانونية، فهو لا يعبر الحدود فقط، بل يكشف ما وراءها، ويتعرض لقوانين متشابكة وأحياناً متشاكسة، ومشاعر بشرية تتفاوت بين الرحمة والريبة، وأهم من كل ذلك، يرى أنه يجب أن يكون على قدر المسؤولية ليستطيع أن يمثل دينه ووطنه وأخلاقه في اللحظة التي يُطلب منه أن يثبت فيها أهليته للعبور.

ما يجب أن يُراعى، كما يذكّرنا الجابر، ليس فقط الوثائق والتأشيرات، بل الصورة والسلوك، فالمغامر الحقيقي لا يحمل فقط جواز سفره، بل يحمل أيضاً رسالة، والدول لا تفتح أبوابها فقط للعبور، بل لمن يحمل احترامه للبلد، والتزامه بالقانون، وقدرته على الابتسامة، حتى في وجه الشرطي المتجهم.

وبالعودة إلى هذا الزمن الذي تُنصب فيه الحدود، وتضيق فيه المساحات، يبقى أمثال خالد الجابر جسوراً تمشي على عجلتين، تذكّرنا بأن الأرض واحدة، وأن الإنسان حين يتحلى بالشجاعة والمعرفة والتواضع، قادر على أن يحتضن العالم بين راحتيه، بلا ضجيج، ولا رايات، وبقلب يعرف أن كل طريق، مهما كان بعيداً، يبدأ بخطوة واعية.

مقالات ذات صلة

3 تعليقات

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية