وُلد أبراهام زابرودر في 15 مايو 1905 في مدينة كوفل الواقعة آنذاك ضمن الإمبراطورية الروسية، والتي تُعد اليوم جزءاً من أوكرانيا.
كان زابرودر ينتمي لعائلة يهودية هاجرت إلى الولايات المتحدة عام 1920، هرباً من الاضطرابات السياسية وموجات العنف المعادية لليهود التي أعقبت الثورة البلشفية والحرب الأهلية الروسية.
استقرت العائلة في مدينة نيويورك، وهناك أكمل زابرودر تعليمه، ثم بدأ العمل في مجال صناعة الأزياء، وفي عام 1941، انتقل إلى دالاس في ولاية تكساس، حيث أسس عمله الخاص في تصميم وإنتاج الملابس النسائية الجاهزة، وكان يتميز بشخصية ودودة وعقلية منظمة، واشتهر بين أصدقائه وزملائه بالجدية في العمل.
في صباح 22 نوفمبر 1963 ستتغير حياة زابرودر إلى الأبد، بعد أن قرر أن يصطحب معه كاميرته السينمائية للهواة، من طراز Bell and Howell Zoomatic Director Series Model 414 PD
من إنتاج شركة بيل أند هاويل الأمريكية، قبل سيطرة الشركات اليابانية ومن بعدها الصينية على صناعة الإلكترونيات، ليصوّر موكب الرئيس الأمريكي الخامس والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية جون كينيدي أثناء مروره في ساحة ديلي بلازا في مدينة دالاس.
كان الجو في ذلك اليوم ملبداً بالغيوم، لذلك لم يخطط زابرودر لاصطحاب كاميرته إلى العمل، وفي مكتبه بمصنع الملابس، كانت مساعدته ليليان روجرز تدردش معه عن الموكب الرئاسي الذي سيعبر ساحة ديلي بلازا بعد ساعات قليلة، ثم لاحظت أن الغيوم بدأت تنقشع وأن أشعة الشمس تسللت إلى الداخل، فقالت له بابتسامة مشجعة: “لماذا لا تحضر الكاميرا؟ قد تلتقط لقطة للرئيس من موقع رائع”.
تردد زابرودر قليلاً، لكنه شعر بحماس خفي في كلماتها، فاستقل سيارته بسرعة إلى المنزل، وأحضر كاميرته الـ 8 ملم، وعندما عاد، كان الموكب على وشك الوصول.
ساعدته ليليان في ترتيب مكانه المثالي على قاعدة إسمنتية يبلغ ارتفاعها أقل من متر ونصف بجوار منحدر عشبي، ووقفت خلفه لتثبته من خصره، حتى لا يفقد توازنه أثناء التصوير، مما أتاح له رؤية بانورامية مباشرة لمسار الموكب الرئاسي وهو ينعطف إنعطافاً حاداً أجبره على السير بهدوء من شارع هيوستن إلى شارع إلم، ليمر بذلك الموكب على بعد أمتار قليلة من عدسة كاميرته، وهذه الزاوية جعلت مشاهد الفيلم واضحة جداً، خاصة على مستوى الرأس والكتفين.

تُعرف اليوم اللقطات التي صورها باسم فيلم زابرودر، وقد استمرت لنحو 26 ثانية فقط، لكنها التقطت بوضوح ثلاث طلقات نارية، بما في ذلك الإطار الشهير رقم 313 في الفيلم الذي يوثق لحظة إصابة رأس كينيدي القاتلة، وأصبحت هذه اللقطات الدليل البصري الأهم في التحقيقات الرسمية.
بعد الاغتيال، باع زابرودر حقوق الفيلم لمجلة لايف مقابل 150 ألف دولار، وهو مبلغ كبير جداً حينها، مع احتفاظه بحقوق استخدام محدودة، ولم يُعرض الفيلم علناً بالكامل إلا في 6 مارس 1975، ضمن حلقة من برنامج السهرة المتأخرة على قناة هيئة الإذاعة الأمريكية (إيه بي سي) بعنوان تصبحي على خير أمريكا، الذي كان يقدّمه جيرالدو ريفيرا، حيث أوصل هذا البث الفيلم إلى جمهور واسع لأول مرة ، ولعب دوراً كبيراً في تجديد الاهتمام العام وإثارة الشكوك حول الروايات الرسمية لاغتيال كينيدي.
وفي عام 1999، اشترت الحكومة الأمريكية حقوق الفيلم من ورثة زابرودر الذي توفي في عام 1970 – عقب صراع مع مرض السرطان – مقابل 16 مليون دولار ليُحفظ في الأرشيف الوطني الأمريكي.
يحكي ريتشارد ستولي الذي كان وقت اغتيال كينيدي رئيس تحرير مكتب مجلة لايف في لوس أنجلوس في مقال له بعنوان كيف وصل فيلم زابرودر إلى مجلة لايف ملابسات شراء المجلة لفيلم زابرودر الذي صور فيه اللحظات الحاسمة في اغتيال كينيدي، حيث يقول إن أحدهم صاح فيه قائلاً: “يا رجل، كينيدي أُطلق عليه النار في دالاس!”.
ثم يكمل ستولي حديثه قائلاً “كنتُ في مكتبي بصفتي رئيس مكتب مجلة لايف في لوس أنجلوس، وكان الصائح مراسلاً للمجلة جاء ليتفقد جهاز التيليتايب الخاص بوكالة الأسوشييتد برس لمعرفة ما يحدث في العالم قبل عصر الإنترنت، حيث كان الجهاز يطبع نشرات عاجلة مصحوبة بأجراس إنذار، تحمل أول أخبار المأساة في ساحة ديلي بلازا”.
ثم يضيف قائلاً “في حوالي السادسة مساء، تلقيت اتصالاً من باتسي سوانك، وهي مراسلة بدوام جزئي للمجلة في دالاس، قضت بعد الظهر في مقر الشرطة، وكانت أخبارها مذهلة، إذ قالت إن صحفياً آخر أخبرها أن شرطياً أخبره أن رجل أعمال محلي كان في ساحة ديلي بلازا ومعه كاميرا سينمائية وصوّر حادث الاغتيال”.
يستطرد ستولي قائلاً “وقبل أن أسألها عن الاسم، قالت: صديقي لم يستطع كتابته، لكنه نطقها هكذا: زا-برو-دِر، ففتحتُ دليل الهاتف وبحثتُ في حرف الـ Z، ووجدته كما نطقته تماماً: أبراهام زابرودر”.
“بدأت أتصل، وأعاود الاتصال كل 15 دقيقة، لكن لم يجب أحد”.
يكمل ستولي كلامه “أخيراً، في الساعة 11 مساء، رد صوت متعب، وسألته إن كان هو السيد زابرودر، ثم عرّفت بنفسي وبالمجلة، وسألته إن كان صحيحاً أنه صوّر الاغتيال صباح ذلك اليوم، فأجاب: نعم، وهل صوّر كامل المشهد؟، فأجاب: نعم”.
“فطلبت أن أذهب لرؤية الفيلم فوراً، لكنه قال: لا، وأوضح بأدب أنه مرهق ومصدوم مما شاهده، فقررت ألا أضغط عليه، كان إحساسي أن هذا وقت الاحترام لا الإلحاح، وطلب مني الحضور إلى مكتبه في التاسعة صباح اليوم التالي”.
“ذهبت في الثامنة صباحاً، ووجدته يستعد لعرض الفيلم لعميلين من المخابرات السرية، وسمح لي بالانضمام، حيث بدأ الفيلم بمشاهد لبعض موظفيه الذين خرجوا لرؤية الرئيس، ثم ظهر الموكب”.
“لم يكن هناك صوت سوى أزيز جهاز العرض، ووصلنا إلى الإطار الشهير رقم 313 حيث أصابت رصاصة رأس الرئيس، فشهقنا جميعاً وكأننا تلقينا ضربة في المعدة، شعرتُ فوراً أنني لن أغادر المكتب دون الحصول على الفيلم”.
“عرضه لنا ثلاث مرات، ثم بدأ صحفيون آخرون في التوافد، نحو عشرين أو أكثر، من وكالات وصحف ومجلات مختلفة، لكن لم يظهر أحد من التلفزيون”.
“بعد أن أنهى العروض، قال إنه يشعر بالالتزام بالتحدث معي أولاً، لأني أول من اتصل به، دخلنا مكتبه، وبدأت مفاوضة السعر، عارضاً خمسة آلاف دولار أولاً، ثم رافعاً حتى 50 ألف دولار لحقوق النشر الورقية، لكن كان واضحاً أنه يعرف قيمة ما يملك”.

يضيف ستولي أن زابرودر “خلال المفاوضات، وصف كابوساً راوده قبل ساعات عن عرض الفيلم في دار سينما إباحية، وأكد أنه لا يريد استغلال الفيلم بشكل غير لائق”، وقد وعده ستولي بذلك.
يكمل ستولي روايته بأنه “في الخارج، كان الصحفيون الآخرون يصرخون ويطرقون الباب بعنف، وفي لحظة توتر، نظر إليّ وقال بهدوء: لننجز الأمر، ثم كتبت العقد، وحصلت على الفيلم، وغادرت من الباب الخلفي”.
مضيفاً أنه “في يوم الإثنين، اشترت لايف أيضاً حقوق البث التلفزيوني مقابل 100 ألف دولار إضافية”.
يوضح ستولي أنه بعد وفاة زابرودر في عام 1970، قال له شريكه إروين شوارتز: إن السبب الذي جعله يحصل على الفيلم، رغم أن آخرين كانوا سيدفعون مثله أو أكثر، هو أنه كان مهذباً، ولم يضغط عليه في الليلة الأولى، واحترمه أثناء التفاوض، وتودد إلى مساعدته ليليان روجرز، بينما أساء آخرون معاملتها.
يقول ستولي: “لاحقاً، تلقى زابرودر أكياساً من الرسائل، كثير منها مُرسل فقط إلى زابرودر، دالاس، تكساس، حتى أثناء سفره في أوروبا، كان اسمه معروفاً، ولم يستطع أبداً الهروب من دوره الفريد والمأساوي في قصة اغتيال كينيدي… وكذلك أنا”.
اليوم، يُعد هذا الفيلم من أكثر المواد المصوّرة تحليلًا في التاريخ، ولا يُذكر اسم صاحبه إلا وتستدعى إلى الأذهان لحظة اغتيال كينيدي، تلك اللحظة التي جعلت زابرودر أول تجسيد لمفهوم الصحفي المواطن، الذي بات أكثر شيوعاً مع التطور التكنولوجي ووسائل الاتصالات في عصر الثورة الرقمية.
بعد ساعات من حادث الاغتيال، ألقي القبض على هارفي أوزوالد بتهمة قتل شرطي يدعى جيفرسون ديفيس تيبت، ولكن ملابسات جريمة مقتل تبيت، جعلت الشرطة يشكون بأنه قد يكون هو أيضاً قاتل كينيدي، رغم ادعاءه بالبراءة، واصفاً نفسه بكبش الفداء.
لم ينل التحري حول هوية القاتل حقه، فقبل أن يُحاكم أوزوالد وأثناء نقله من مقر الشرطة إلى سجن المقاطعة، أطلق المدعو جاك روبي النار عليه أمام عدسات التلفزيون في بث مباشر، ليموت على الفور، بعد يومين فقط من اغتيال الرئيس، وبذلك انتهت فرصة معرفة تفاصيل أدق عن دوافعه، أو إن كان يعمل بمفرده.
في نهاية نوفمبر 1963، تشكّل تقرير وارن بأمر من الرئيس ليندون جونسون الذي كان نائباً للرئيس كينيدي أثناء رئاسته، بهدف تهدئة الرأي العام وتقديم رواية رسمية لعملية الاغتيال، حيث قاد اللجنة القاضي إيرل وارن وضمت شخصيات سياسية بارزة.
خلص التقرير إلى أن أوزوالد تصرّف بمفرده، ونفى وجود دليل على تورط أي جهة داخلية أو خارجية، حيث أطلق ثلاث رصاصات من الطابق السادس في مستودع كتب مدرسة تكساس، أخطأت الأولى الهدف بعد اصطدامها بفرع شجرة، والثانية أصابت معاً كلاً من كينيدي وحاكم ولاية تكساس جون كونالي الذي كان يجلس أمامه في مقعد السيارة الأمامي فيما عُرف بالرصاصة الواحدة ذات المسار الباليستي المتعرج غير المألوف، والثالثة أصابت رأس كينيدي وقتلته.
وكما كان اغتيال كينيدي مزلزلاً على مستوى السياسة، كان مقال إنه لشرف بقلم جيمي بريسلين على جريدة نيويورك هيرالد تريبيون في نوفمبر 1963 مزلزلاً على مستوى الإعلام، فقد كان تدشيناً للصحافة الأدبية، وهو ما لفت انتباهي إليه قبل خمس سنوات منشور للصحفي رشاد عبد القادر على حسابه في منصة فيسبوك بعنوان ابحث عن حفار القبور بداخلك الذي ذكره لاحقاً، إضافة إلى أمثلة أخرى عن السرد الصحفي بأسلوب أدبي في كتابه أدوات كتابة القصة: دليل عملي لتحرير النصوص (2024).
يقول رشاد عبد القادر إن بريسلين بغريزته الصحفية قرر “الخروج من بؤرة الحدث تلك، تاركاً المشهد الذي تتقاتل عليه آلاف الكاميرات ورائه، وتوجه إلى المقبرة حيث كتب مقالاً تحت عنوان إنه لشرف عن حفار القبور؛ كليفتون بولارد، الذي قال إنه شرف كبير له أن يكون هو من يحفر قبر كينيدي.”
ويضيف عبدالقادر أن “المقال سيتحول إلى إيقونة صحفية تناولتها عشرات الكتب منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، لتنشأ مدرسة صحفية كاملة تسمى الصحافة الأدبية، التي تعتمد على سرد حيوات شخصيات حقيقية تتقاطع مصائرها في أحداث حقيقية تتكشف فيها معانٍ كبرى عن الحياة، وأنت بدورك، كصحفي، عليك البحث عن حفار القبور بداخلك، لعلك تجده يوماً ما”.
وتبقى الفقرة الأقوى في المقال بالنسبة لي هي خاتمته، حيث يقول بريسلين إن حفار القبور بولارد لم يحضر جنازة كينيدي، “بل كان خلف التلة يحفر قبوراً أخرى لا يعرف لمن هي، مقابل حوالي ثلاثة دولارات في الساعة، ثم يغطيها بألواح خشبية، قائلاً: ستُستخدم هذه القبور يوماً ما، لكن لا نعرف متى، ثم قال: حاولت الذهاب لرؤية القبر، لكن المكان كان مزدحماً جداً، حتى أن جندياً أخبرني أني لا أستطيع المرور، لذلك بقيت هنا مستمراً في عملي، ولكنني سأذهب لاحقاً، فقط لألقي نظرة وأرى كيف صار الأمر، كما قلت لك سيدي، إنه لشرف”.
نظرية مؤامرة اغتيال كينيدي
هناك شبهات حول اتهام أوزوالد بقتل كيندي، ومن هذه الشبهات الصورة المثيرة للشكوك في المنشورة له على موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي) وهو يحمل سلاح الجريمة قبل اغتيال الرئيس، فعندما نتأمل إضاءة الصورة يتبين أن ظل جسمه خلفه، ما يعني أن مصدر الضوء كان أمامه، بينما يمتد ظل ذقنه على رقبته التي كان ينبغي أن تكون بدون ظلال كون وجهه يواجه مصدر الضوء، ما يوحي بأن الصورة مركبة.

وفي ورقة بحثية لجورج مايكل في كلية وايس بجامعة فرجينيا عن مايكل كولينز بايبر أحد أهم مروجي نظرية مؤامرة اغتيال كينيدي بعنوان الحركات الشمولية والأديان السياسية: مايكل كولينز بايبر: مبعوث أمريكي من اليمين المتطرف إلى العالم الإسلامي يقول “يُعرف مايكل كولينز بايبر بكتابه الكلمة الفصل: الحلقة المفقودة في اغتيال جون كينيدي (1993) الذي يصل إلى أكثر من 700 صفحة “ويتهم فيه جهاز الموساد الإسرائيلي بأنه الفاعل الرئيسي في مقتل الرئيس جون كينيدي”.
ويضيف مايكل أن هذه الفرضية المثيرة للجدل جعلت الكتاب يتصدر المبيعات في الأوساط غير الرسمية، مما منح بايبر شهرة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة في الشرق الأوسط، حيث يؤكد بايبر أن دافيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، كان عازماً على تطوير برنامج نووي عسكري، وأن معارضة كينيدي الصارمة لهذا المشروع كانت السبب المباشر في اغتياله.
كما يدعي بايبر أن أطرافاً أخرى شاركت بدور ثانوي في مؤامرة اغتيال كينيدي، من بينها زعيم المافيا اليهودي ماير لانسكي، ومدير مكافحة التجسس في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جيمس أنجلتون، ومنظمة الجيش السري الفرنسي، ويشير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) كانت لديها دوافعها أيضاً، منها إقالة أول مدير لها ألين دالاس، وفشل عملية خليج الخنازير، بالإضافة إلى ولاء أنجلتون العميق لإسرائيل.
يشير بايبر في كتابه إلى تغيير حاد في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وذلك بعد تولي ليندون جونسون الرئاسة، حيث توقفت واشنطن عن معارضة طموحاتها النووية، رغم أنه وقتها كان يُعتقد أن إسرائيل تطور برنامجاً نووياً في مفاعل ديمونة، ويعزز هذا الطرح على حد قول بايبر شهادة مردخاي فعنونو، المُبلّغ الإسرائيلي الذي كشف أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، والذي قال إن معارضة كينيدي لبن غوريون كانت سبب اغتياله، مشيراً إلى تأثره بكتاب بايبر.
وقد توفي بايبر في عام 2015 عن عمر يناهز الخامسة والخمسين، وهو ما أثار شكوك غوردون داف حول سبب وفاته في مقال له بعنوان هل اغتالت إسرائيل مايكل كولينز بايبر؟، حيث يقول إنه “قبل يومين، توفي مايكل كولينز بايبر، البالغ من العمر 55 عاماً، في غرفة فندق، وقد كان بايبر يقود حرباً ضد لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) إحدى منظمات الضغط العديدة المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وكذلك ضد رابطة مكافحة التشهير (إيه دي إل)”.
ثم يضيف قائلاً “أعتقد أن بايبر ربما قُتل، بل وأعتقد أيضاً أن مشاكله القلبية كانت مُفتعلة، أؤمن بذلك لأسباب تشبه ما حدث مع مايكل هاستينغز”، الصحفي الذي انتقد حرب الولايات المتحدة ضد أفغانستان.
لكن فصول قصة اغتيال كينيدي لم تنتهِ عند هذا الحد، فبعد مرور أكثر من 60 عاماً على مقتله، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2025 الأمر التنفيذي 14176، الذي يفرض فيه الإفراج الكامل عن جميع الوثائق المتبقية المتعلقة باغتيالات جون كينيدي وأخيه روبرت كينيدي، ومارتن لوثر كينغ الابن، وأعطى مهلة خمسة عشر يوماً لتنفيذ ذلك.
وفعلاً، في مساء الثلاثاء الموافق 18 مارس من العام نفسه، أُفرج عن عشرات الآلاف من الصفحات دون تنقيح، وأُتيح الوصول إليها للجمهور عبر موقع الأرشيف الوطني الأمريكي، حيث شملت أكثر من 20 ألف ملف كانت منشورة سابقاً مع أجزاء محجوبة تم كشفها، وأخرى لم يُفرج عنها مطلقاً من قبل، بما مجموعه أكثر من 63 ألف صفحة.
بالتوازي، قدّم أعضاء في الكونغرس مشروع قانون جديد تحت اسم العدالة لكينيدي – 2025 يطالب بالكشف الفوري والكامل عن كل السجلات المتبقية، بما فيها تلك التي تخضع لحجوزات قضائية، ويُلزم وزارة العدل بطلب رفع السرية عنها أمام المحاكم.
وقد أشار مقال لكايتلين ماكورماك على موقع نيويورك بوست، بعنوان ترمب يُدلّي بتصريحاته بشأن نظريات اغتيال كينيدي خلال مقابلة موسعة بعد إلغاء السرية عن دفعة ضخمة من ملفات الاغتيال إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إنه لطالما كان يؤمن بأن أوزوالد هو قاتل كينيدي، لكنه أضاف أنه يتساءل إن كان قد تصرف بمفرده.
تضم الوثائق مواد تشير إلى ادعاءات أحد المخبرين لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، جون جاريت أندرهيل جونيور، الذي زعم وجود عصابة صغيرة داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) مسؤولة عن الاغتيال، كما تتحدث عن زيارة أوزوالد للاتحاد السوفييتي، حيث ظهر كقناص سيئ للغاية.
تحمل خطوة ترامب هذه مزيجاً من الحساب السياسي، واستثمار الإرث التاريخي، واستثارة الإعلام والجمهور، فالوثائق المفرج عنها لم تقدم دليلاً حاسماً على أي مؤامرة، ولكن وفقاً لماكورماك تترك صياغة ترامب وتصريحات بعض المخبرين الواردة في الوثائق المجال واسعاً للتأويل وإثارة اهتمام الجماهير، أما سياسياً، فقد خرج ترامب بصورة من يكشف الحقيقة، حتى لو كانت الوثائق نفسها لم تغيّر الرواية الرسمية كثيراً.

ومن الجدير بالذكر أنه في أواخر السبعينيات، شكّل مجلس النواب لجنة خاصة للتحقيق في الاغتيالات، عُرفت باسم لجنة مجلس النواب المختارة للاغتيالات التي أعلنت عام 1979 أن كينيدي قُتل نتيجة مؤامرة محتملة، استناداً إلى تحليل صوتي لطلقات نارية، لكن هذا الدليل أُلغي لاحقاً من قبل الأكاديمية الوطنية للعلوم، مما جعل الاستنتاج القانوني غير محسوم تماماً.
وقد ظل الجدل قائماً حول هذه الجريمة حتى بداية التسعينيات، حين أقر الكونغرس الأمريكي قانون سجلات اغتيال كينيدي لعام 1992، الذي ألزم جميع الوكالات الفيدرالية بالكشف عن الوثائق المتعلقة بالقضية ما لم يوجد سبب أمني أو خصوصي وجيه للتأجيل.
أنشأ هذا القانون مجلس مراجعة سجلات الاغتيال، الذي عمل حتى عام 1998، وكشف عن ملايين الصفحات من الوثائق، ومع ذلك بقي جزء صغير مؤجل النشر.
خلال العقدين التاليين، استمر الإفراج التدريجي عن الوثائق، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب في 2017 و2018 قررت تأجيل بعض الملفات لأسباب أمنية، ما أثار انتقادات واسعة ودعاوى لمزيد من الشفافية.
وفي ديسمبر 2022، تم نشر أكثر من 13 ألف وثيقة إضافية، ليرتفع معدل الوثائق المفرج عنها إلى نحو 99% من إجمالي الأرشيف، لكن جزءاً منها ظل محجوباً أو منقحاً.
إلى جانب التشريعات، عُقدت جلسات استماع برلمانية جديدة استدعت شخصيات أساسية مثل المخرج أوليفر ستون، الذي دعا لإعادة التحقيق بشكل كامل، والكاتب الصحفي جيفرسون مورلي الذي عرض وثائق تُظهر تضليلاً من بعض مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) للجنة وارن حول نشاطات أوزوالد، وكذلك شهادة أبراهام بولدين، أول عميل أسود في جهاز الحماية السرية، الذي تحدّث عن محاولات منعه من الإدلاء بشهادته بشأن تهديدات سابقة للرئيس.





[…] عقب الباب في مقاله اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي سرد ملابسات تصوير اللقطات النادرة الشهيرة التي […]