spot_imgspot_img
بيتإسلامياتقيم الجوار بين الوصايا الإسلامية والواقع المعاصر

قيم الجوار بين الوصايا الإسلامية والواقع المعاصر

“حتى ظننت أنه  سيورِّثُه” استوقفتني هذه الجملة كثيراً وأدهشتني أكثر، إذ كيف يبلغ حق الجار هذه المنزلة العظيمة في الإسلام، لدرجة أن النبي ﷺ ظنّ أن الوحي على وشك أن ينص على إرث له؟

إنها ليست مجرد توصية عابرة، بل إلحاح جبريل عليه السلام الذي لم يزل يوصي النبي ﷺ بالجار حتى أدهشه هذا الاهتمام البالغ.

ففي الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال “ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ”.

ولفهم أهمية هذه الوصية، يكفي أن نعلم أن أنصبة المواريث في الإسلام لها قواعد دقيقة وصارمة، حتى أنها دفعت عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي ابن مدينة خوارزم  في أوزبكستان الحالية، وأحد أشهر علماء الحضارة الإسلامية في منتصف القرن الثاني الهجري أي في نهاية القرن الثامن الميلادي، إلى أن يؤسس علم الجبر، ويبتدع نظام الأعداد العشرية، وهو ما أدى إلى أن اشتُق من اسمه اسم علم الخوارزميات.

يقول الخوارزمي في مقدمة المختصر في حساب الجبر والمقابلة “ألفت من حساب الجبر والمقابلة كتاباً مختصرا ً حاصرا ً للطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين و كري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه مقدما لحسن النية فيه”

ومما جاء في أنصبة الميراث في القرآن، قوله تعالى في سورة النساء: “وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ”.

أئمّة الرياضيَّات1 شرح الجبر و المقابلة للخوارزمي

فإذا كان علم المواريث والفرائض بهذه الدقة، فلِم كل هذا الاهتمام بالجار، وكأن الشرع كاد أن يجعله أحد الورثة من جاره إن مات؟

وما هي القيمة التي يكتسبها الإنسان من قربه المكاني من أي مسلم؟

لا ريب أن للمكان أهمية خاصة لدى كل إنسان، فهو ليس مجرد فراغ جغرافي أو نقطة على الخريطة، بل هو الوعاء الذي تُسكب فيه الحياة الإنسانية، ومن دونه يفقد الإنسان جذوره ومعناه.

إن علاقة الإنسان بالمكان علاقة تبادلية، فالمكان يمنحه الهوية، والإنسان يخلد المكان بالذاكرة والثقافة والرمز.

لذلك، كان الدفاع عن الأرض، والحفاظ على البيئة، وحماية التراث العمراني والثقافي، ليست مجرد قضايا سياسية أو اقتصادية، بل هي في جوهرها دفاع عن الإنسان نفسه، فالإنسان بلا مكان كالجسد بلا روح، والمكان بلا إنسان فراغ صامت لا معنى له.

وقد يغيّر الإنسان مكانه، وقد يهاجر أو ينفى أو يُشرّد، لكن المكان يظل محفوراً في ذاكرته، يلاحقه كظل لا يفارقه، ولهذا السبب، لم يكن المكان في نظر الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء عنصراً ثانوياً، بل كان منطلقًا لفهم التجربة الإنسانية برمّتها.

وقد أدرك الفلاسفة والأدباء هذا البعد؛ فلأديب الفرنسي مارسيل بروست يشير في روايته البحث عن الزمن المفقود (1913) إلى أن أبسط التفاصيل المكانية يمكن أن تستدعي ماضياً كاملًا غاب في أعماق الذاكرة، وهكذا يصبح المكان حافظة للتاريخ الشخصي والجماعي، وهو ما يجعل فقدانه أشبه بفقدان الذاكرة نفسها.

يقول بروست في وصف مدينته الخيالية كومبراي التي استوحاها من مسقط رأسه في البلدة الفرنسية الصغيرة إيلييه  “كان العالم يقتصر عادة على السيد سوان، الذي، باستثناء بعض الغرباء العابرين، كان تقريباً الشخص الوحيد الذي يأتي إلى بيتنا في كومبراي، تارة لتناول العشاء كجار، وتارة أخرى بعد العشاء فجأةً بلا موعد.

في الأمسيات التي كنا نجلس فيها أمام البيت، تحت شجرة الكستناء الكبيرة، حول طاولة الحديد، ونسمع في آخر الحديقة ليس ذلك الجرس المعدني الصاخب الغزير الذي يغرق، ويصمّ، بطنينه الحديدي الصلب الذي لا ينقطع، فكل شخصٍ من أهل البيت يفتحه ليدخل من دون أن يدقه، بل نسمع ذلك الرنين المزدوج، الخافت، البيضاوي والذهبي، لجرس الغرباء، كان الجميع يتساءل على الفور: زيارة؟ من عساه أن يكون؟

لكننا كنّا نعلم يقيناً أنه لا يمكن أن يكون إلا السيد سوان”.

ليس بعيداً عن هذا الحنين للمكان الأدب العربي الزاخر بصور المكان، فامرؤ القيس يقف عند الأطلال، والمتنبي يحنّ إلى أرضه، وأبو تمام يرثي فقدان بغداد، ومحمود درويش يجعل من فلسطين محوراً شعرياً لا ينفك عن المكان والهوية.

على النقيض، النظرة المادية الرأسمالية لا ترى المكان إلا من زاوية استهلاكية، تغفل هذا البعد الإنساني، فالمكان في نظرها عنصر اقتصادي في المقام الأول، لا حامل للذاكرة أو الهوية أو الروح، فيُختزل إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، تُقاس قيمته بقدر ما يدره من أرباح وما يفتحه من فرص استثمارية، ولهذا تُصبح الأرض والعقار والمدينة وحتى الحديقة أو الشاطئ مجرد أصول استثمارية، وليست فضاءات إنسانية حية مليئة بالعلاقات والذكريات.

فالقيمة المكانية وفقاً لهذه النظرة المادية لا تكمن في الجمال أو التاريخ أو الانتماء، بل في العائد الاقتصادي، ولهذا السبب تُعاد هيكلة المدن والقرى لتخدم المنطق الرأسمالي، من خلال إعادة إنتاج المكان، حيث تتحول المناطق القديمة المأهولة بالطبقات الفقيرة إلى أحياء فاخرة طاردة لهم، فتستقطب الاستثمارات وأصحاب الدخول المرتفعة، وتُحوَّل المناطق الطبيعية إلى منتجعات سياحية تُسوق للسياحة العالمية، وبذلك يُنتج المكان كسلعة تكرس التفاوت الطبقي.

وفي ظل هذه الرؤية، يُجرد المكان من بعده الإنساني والرمزي، فالذاكرة والهوية تُعتبر عوائق أمام الاستثمار، ولهذا لا تتردد السلطات والشركات في هدم أحياء أثرية أو إزالة قرى كاملة لبناء مشاريع جديدة، معتبرة أن القيمة تكمن في الربح وحده، وبذلك يختفي المكان كفضاء اجتماعي حيّ ليظهر كمنتج اقتصادي.

أما الإسلام، فقد ارتقى بنظرته إلى العمران فجعلها جزءاً من رسالة الإنسان في الحياة، حيث يقوم على أساس عقائدي توحيدي يجعل إعمار الأرض جزءاً من رسالة الإنسان في الحياة،حيث يقول الله في سورة هود “… هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ …”، ومن هنا فإن العمران ليس مجرد نشاط اقتصادي أو مادي، بل واجب ديني وحضاري، يتصل بالاستخلاف والعبادة.

هذا الإعمار مرتبط بالعدل الاجتماعي، فلا يجوز أن يكون العمران وسيلة لاحتكار الموارد الأساسية أو تهميش الفقراء، أخرج الألباني في إرواء الغليل، عن عبد الله بن عباس، أن رسول ﷺ قال: “الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ : في الماءِ والكلأ والنارِ وثمنُه حرامٌ”. 

العمران في الإسلام رؤية تكاملية شرعية، لأنه استجابة للاستخلاف، أخلاقية لأنه يقوم على العدل والرحمة، جمالية لأنه يعكس حب الله للجمال، اجتماعية لأنه يحقق التكافل، وبيئية لأنه يحافظ على التوازن مع الطبيعة، فهو ليس مجرد نشاط مادي أو اقتصادي، بل مشروع إنساني وحضاري يربط بين الأرض والسماء، وبين الفرد والمجتمع، وبين الإنسان وخالقه.

فوصية الإسلام بالوالدين لها ما يبررها من رابطة الدم، يقول تعالى في سورة الإسراء: “…  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”.

ووصية الإسلام بأولي الأرحام لها ما يبررها من قرابة، يقول تعالى في سورة محمد: ” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ”.

وعناية الإسلام بأخوة الدين، لها ما يبررها من شد أفراد الأمة أزر بعضها البعض، فلا يكتمل إيمان المرء إن لم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وقد أخرج النسائي في صحيحه، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أقسم قائلاً: “والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ”.

ويحتل حق الجار في الإسلام مكانة سامية، إذ جعله الإسلام من أسس بناء المجتمع المؤمن، وربطه بالإيمان بالله واليوم الآخر، وجعل الإحسان إليه معياراً من معايير الصلاح والتقوى، فالجار في التصور الإسلامي ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو شخص له صلة روحية وأخلاقية بك، وحقوق يجب أن تُؤدّى كما تؤدى سائر الحقوق الواجبة على المسلم.

يقول تعالى في سورة النساء: “… وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ …”.

وحتى الجار غير المسلم له حق حسن الجيرة على جاره المسلم، فالمسلم مثل النخلة يصل خيره إلى المحيطين به من مسلم وغير مسلمين، فقد أخرج الطبراني في مسند الشاميين، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: “الجيرانُ ثلاثةٌ : جارٌ لهُ حقٌّ واحدٌ، وهو أدنى الجيرانِ حقًّا، وجارٌ لهُ حقانِ، وجارٌ لهُ ثلاثةُ حقوقٍ، وهو أفضلُ الجيرانِ؛ قال. فأما الجارُ الذي لهُ حقٌّ واحدٌ؛ فالجارُ المشركُ لا رحمَ لهُ، لهُ حقُّ الجوارِ، وأما الذي لهُ حقَّانِ؛ فالجارُ المسلمُ لا رحمَ لهُ، لهُ حقُّ الإسلامِ وحقُّ الجوارِ، وأما الذي لهُ ثلاثةُ حقوقٍ؛ فجارٌ مسلمٌ ذو رحمٍ، لهُ حقُّ الإسلامِ، وحقُّ الجوارِ، وحقُّ الرحمِ. وأدنى حقِّ الجوارِ أن لا تُؤذيَ جارَكَ بقُتارِ قِدْركَ إلا أنْ تقدحَ لهُ منها”.

سمعت عن آية الحقوق العشر ؟ و ما الفرق بين الجار ذي القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب؟

ونفع المسلم ممتد لغيره، حيث أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمر ” كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أخْبِرُونِي بشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ: كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ لا يَتَحَاتُّ ورَقُهَا، ولَا، ولَا، ولَا، تُؤْتي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ، قالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّهَا النَّخْلَةُ، ورَأَيْتُ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، فَلَمَّا لَمْ يَقولوا شَيئًا، قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلتُ لِعُمَرَ: يا أبَتَاهُ، واللَّهِ لقَدْ كانَ وقَعَ في نَفْسِي أنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ؟ قالَ: لَمْ أرَكُمْ تَكَلَّمُونَ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ أوْ أقُولَ شيئًا، قالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أحَبُّ إلَيَّ مِن كَذَا وكَذَا”.

وقد فهم الصحابة والتابعون هذه الوصايا حق الفهم، فكانوا يسارعون إلى الإحسان إلى جيرانهم، بغض النظر عن دينهم أو نسبهم، فقد أخرج أبو داوود في سننه، يقول أبو عبيد الله: “كنتُ عندَ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ وغلام لهُ يسلُخُ شاةً، فقالَ: يا غلامُ إذا سلختَ فابدَأ بجارِنا اليَهوديِ،  حتَّى قالَ ذلِكَ مرارًا، فقالَ لهُ : كَم تقولُ هذا ؟ فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ لم يزَل يوصينا بالجارِ حتَّى خَشينا أنَّهُ سَيورِّثُهُ”.

وقد توارث المسلمون في شتى بلاد العالم الإسلامي حتى اليوم هذا السلوك حتى بات عرفاً وعادة، يتبادل فيها الجيران صحون الطعام التي تذهب ممتلئة، ولا تعود فارغة. 

وإيذاء الجار مضيّع للحسنات وإن كثرت، فقد أخرج أحمد في صحيح الترغيب، عن أبي هريرة: “قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وتُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في النَّارِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تُصلِّي المَكتوباتِ، وتَصَّدَّقُ بِالأَثوارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ”.

وقد روى الطبراني في المعجم الكبير، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: “ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه وهو يعلم به”.

وحسن الخلق هدف أسمى في الإسلام، حيث أخرج الترمذي في صحيحه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا ، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ ؟ قالَ : المتَكَبِّرونَ”.

والقدوة الحسنة له دور محوري في الدعوة إلى الله، حيث أخرج أبو داوود في سننه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: “المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ”.

يقول تعالى في سورة الصف: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.

ولا يمكن أن يقتصر فعل الخيرات على الأعمال المادية فحسب، حيث أخرج ابن حجر العسقلاني في إتحاف المهرة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: “إنكُمْ لا تسَعُونَ النَّاسَ بأموالِكُم، ولْيَسَعْهُمْ منكمْ بسطُ الوجهِ وحسنُ الخلقِ”.

وتحمل أذى الآخرين والصبر عليهم أفضل من العزلة، وقد أخرج ابن ماجة في صحيحه، عن عبد الله بن عمر أن رسول ﷺ قال: “المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ على أذاهُمْ ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ”.

فمن الأمثلة التاريخية المضيئة التي تؤكد على هذا المعنى، قصة الإمام أبي حنيفة النعمان الذي كان له جار شاب مسرف على نفسه في يشرب الخمر حتى يسكر فيغني بصوت مرتفع: أضاعوني وأي فتى أضاعوا، ويؤذي أبا حنيفة بصوته، فكان أبو حنيفة يصبر عليه ولا يشكوه،.

وذات ليلة لم يسمع أبو حنيفة صوته، فسأل عنه فعلم أنه حُبس، فذهب إلى الوالي وكفله حتى أطلقه، فلما خرج قال له: يا فتى، هل أضعناك؟

فخجل الشاب وتاب وحسنت توبته، وهذه القصة تجسد الصبر على أذى الجار والسعي لإصلاحه بالرحمة لا بالعنف.

كما أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: “إنَّ تبسُّمَك في وجهِ أخيكَ يُكتبُ لَك بِه صدقةٌ وإنَّ إفراغَك من دلوِك في دلوِ أخيكَ يُكتبُ لَك بِه صدقةٌ وإماطتُك الأذى عنِ الطَّريقِ يُكتبُ لَك بِه صدقةٌ إنَّ أمرَك بالمعروفِ صدقةٌ ونَهيَك عنِ المنكرِ صدقةٌ يُكتبُ لَك بِه صدقةٌ وإرشادَك الضَّالَّ يُكتبُ لَك بِه صدقةٌ”.

كما راعى الإسلام حقوق الجار في الأمور المعيشية، فجاءت تشريعات كحق الشفعة، الذي يمنح الجار أولوية في شراء العقار المجاور له قبل بيعه لغيره، حفاظاً على راحة الجوار ومنع دخول من قد يسيء.

ومن الحقوق التي أكد عليها الإسلام أيضاً حفظ سر الجار وصيانة عرضه، فالجار قد يطلع على أحوال جاره وأسرته بحكم القرب، ومن الأمانة ألا يفشي ما يراه أو يسمعه مما يضر بجاره. كما يجب احترام خصوصيته وعدم التجسس عليه أو التلصص على بيته، قال تعالى في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”، وهذا يشمل الجار وغيره، لكنه مع الجار أوكد بحكم القرب.

وقد يظن بعضهم أن هذه القيم الإسلامية النبيلة ضرب من المثالية المفرطة، إلا أنها على أرض الواقع تركت آثارها الواضحة على بنود القوانين العربية المعاصرة فيما يخص الجيرة وحسن الجوار.

منها على سبيل المثال، المادة 1025 في القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976  التي تنص على أن “حجب الضوء عن الجار يعد ضرراً، فاحشاً فلا يسوغ لأحد أن يحدث بناء يسد به نوافذ بيت جاره سداً يمنع الضوء عنه، وإلا جاز للجار أن يطلب رفع البناء دفعاً للضرر”.

أو المادة 1279 من القانون نفسه التي تنص على أنه “لا يجوز للجار أن يُجبر جاره على اقامة حائط أو غيره على حدود ملكه ولا على النزول عن جزء من حائط أو من الأرض القائم عليها الحائط، وليس لمالك الحائط أن يهدمه دون عذر قوي، إن كان هذا يضر بالجار الذي يستتر ملكه بالحائط”.

وكذلك مدونة الحقوق العينية المغربية، التي تنص المادة 62 منها  على أنه “يجب على مالك الأرض إذا أراد إحداث أبنية عليها أن يقيم سطوحها وشرفاتها بشكل يسمح بمسيل مياه الأمطار ونحوها على أرضه، لا على أرض جاره”.

والمادة 66 من القانون نفسه التي تنص على أنه “لا يجوز لمالك عقار أن يفتح في حائط ملاصق ملك جاره نوافذ أو شبابيك أو أي

فتحات مماثلة إلا برضا صاحب الملك المجاور”.

وكذلك المادة 73 من القانون نفسه التي تنص على أنه “لا يجوز للجار أن يغرس أشجاراً بجوار بناء جاره إذا كانت هذه الأشجار تتمدد

جذورها، فإذا غرسها فإنه يحق تمالك هذا البناء المطالبة بقلعها”.

أما  القانون المدني القطري رقم (22) لسنة 2004  فتنص مادته رقم 841 على أن “على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار، وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة المضار إذا جاوزت الحد المألوف، على أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة للآخر، والغرض الذي خصصت له، ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق”.

وتنص مادته رقم 916 على أنه “إذا كان مالك الأرض وهو يقيم بناء عليها قد جار بحسن نية على جزء يسير من الأرض الملاصقة، جاز للمحكمة أن تحكم بتملكه الجزء المشغول بالبناء نظير مقابل عادل”.

وبشكل عام، يتبيّن أن القوانين العربية المعاصرة في حق الجار مستمدة بشكل واضح من تعاليم الإسلام، حتى وإن كانت صيغت بصبغة قانونية حديثة متأثرة بالقانون المدني اللاتيني أو الأنجلوساكسوني، إلا أنها في جوهرها مستمدة بوضوح من التعاليم الإسلامية القائمة على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وعلى نصوص شرعية كثيرة أوصت بالجار وأعلت مكانته.

وعلى المستوى الاجتماعي تئن كثير من المجتماعت الإسلامية المعاصرة تحت وطئة ما أطلق عليه الفصام القيمي، وهو أشد قسوة من اذدواجية المعايير الظالمة.

يتمثل الفصام القيمي في كثير من المسلمين اليوم في ترديدهم لقيم إسلامية يلوكونها بألسنتهم، لكنها لا تغادر حناجرهم، ويرسبون مراراً وتكراراً في مواقف حياتية تافهة تستدرجهم إلى الغيبة والنميمة والحسد والكبر، كان الأحرى بهم أن يجتازوها.

وكأن نصوص القرآن والسنة وما تحتويه خطب الجمعة الأسبوعية تخطاب أقواماً آخرين.

ولا تفسير لهذا السلوك سوى الغفلة عن قوله تعالى في سورة الصف ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.

 ولا مخرج من هذه الغفلة إلا بذكر الله، حيث يقول الله تعالى في سورة المنافقون: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ “.

في مشهد من المسلسل المصري ونوس، تأليف: عبد الرحيم كمال، وإخراج شادي الفخراني، المستلهمة قصته من رواية فاوست للأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، والتي استغرق في كتابتها أكثر من ستين عاماً، حتى صارت عمله الأكبر والأكثر شهرة، حيث يبيع الإنسان روحه للشيطان مقابل شهواته، قبل أن ينقلب عليه لاحقاً ويتوب لينجو برحمة الله. 

يجسد يحى الفخراني في مسلسل ونوس دور إبليس الذي يغوي ياقوت الذي قام بدوره نبيل الحلفاوي، فيعده بالخلود مقابل أن يكون عبداً له، لا لله.

لكن في المشهد الأخير من المسلسل يتوب ياقوت قبل وفاته بلحظات، وينفجر إبليس غضباً من توبته. 

ونوس | المشهد العبقرى لاكتشاف القصبى لحقيقة ونوس “ انا المصيدة اللى بيقع فيها الغفلان

يقول ابن مفلح في الآداب الشرعية والمنح المرعية إن الإمام الحسن البصري يقول: “ليس حُسنُ الجوارِ كَفَّ الأذى، حُسنُ الجوارِ الصَّبرُ على الأذى”، وهو معنى عميق يشير إلى أن الإحسان لا يقف عند حد الامتناع عن الإضرار، بل يتجاوزه إلى التحمل والعفو والمبادرة بالخير، لأن هذه هي الأخلاق التي تصنع التماسك الاجتماعي، وتبني مجتمعاً قوياً متحاباً.

يقول الله تعالى في سورة فصلت: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ “.

جار السوء من شرح لامية ابن الوردي للشيخ سعيد الكملي

هذه القيم الأخلاقية ترقى فوق المنفعة المادية والمصلحة الشخصية، فتقوم على مركزية الخالق في نظرة الإنسان لنفسه وللآخرين وللكون.

أخرج البزار في مسنده، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: “الخلق عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله”

إن الإسلام حين أوصى بالجار جعل من العلاقة بالمكان علاقة إنسانية متجذرة، ومن العلاقة بالجار امتحاناً للإيمان، فكما أن العمران لا يقوم إلا بالعدل، فإن المجتمع لا يقوم إلا بحسن الجوار، حتى يغدو الحي كله أسرة واحدة، يتقاسم أهله الرحمة كما يتقاسمون الأرض التي تُقِلُّهم، والسماء التي تظلهم.

Ahmad Okbelbab
Ahmad Okbelbab
يَنظُمُ الحروفَ كحبات اللؤلؤ، لكنها سرعان ما تنفرط ليجمعها من جديد بحثاً عن شيء ما، ثم في النهاية يستسلم أمام الكلمات التي تأسره، والمعاني التي تفاجئه.
مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية