من المحزن جداً، مشاهدة دموع الحسرة في أعين أهل الأطفال والمراهقين الذين كانوا يعيشون حياة هنيئة، ثم انتحروا فجأة دون طلب الحماية أو المساعدة منهم أو من أقرب المقربين، بسبب ابتزاز جنسي سيبراني تعرضوا له عبر الإنترنت من شخص مجهول لا يحمل ذرة من ضمير.
في مقطع من برنامج ذا دكتورز على يوتيوب يقدم موضوع الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت بوصفه خطراً متنامياً يهدد الأطفال والمراهقين في غرف نومهم خلف شاشات تبدو آمنة، لا بوصفه مجرد حادثة فردية أو فضيحة رقمية عابرة.
الحلقة تبني رسالتها التحذيرية على مزيج مؤثر من شهادة ضحية حقيقية وتحليل خبراء، لتقول بوضوح إن المشكلة ليست فقط في وجود مفترس على الشبكة، بل في أن المنصات الرقمية اليوم تمنح المفترس أدوات سريعة للاستدراج والضغط،
من دردشة بريئة إلى فخ الابتزاز
تبدأ الحلقة من شهادة فتاة مراهقة تروي كيف كانت هي وصديقتها تتحدثان على أحد مواقع التواصل مع أطفال ظنتا أنهم من عمرهما، وفي لحظة سذاجة يطلب منهما أحدهم أن تظهرا صدريهما لثانيتين، فتستجيب الفتاتان.
الأمر ينتهي هنا، لكن الحلقة تكشف كيف يتحول الخطأ الصغير إلى مادة ابتزاز مؤجلة، فبعد ستة أشهر تصل رسالة تهديد مفاجئة تخبر الضحية أن الشخص يملك صورة لها، وأنه إن لم تنفذ ما يطلبه فسيرسلها إلى جميع أصدقائها.
هنا تقول الفتاة إن “الفضيحة أصبحت سلاحاً موجهاً إلى قلبها”.
ثم تأتي المرحلة الأخطر، فالمبتز لا يكتفي بالتهديد، بل يفرض أوامر تصاعدية، حيث يطلب منها الدخول إلى موقع محادثة فيديو، ثم يأمرها بخلع ملابسها، ويبقيها في هذا الوضع لساعات طويلة، تحت الكاميرا، في ابتزاز يمتد ست ساعات.
هنا تلمس الحلقة جوهر الابتزاز السيبراني، ليس فقط من خلال نشر صورة، بل بتحويل الضحية إلى أسيرة، فتطيع خوفاً من الانكشاف، وتخضع لأنها تعتقد أن رفضها سيعني نهاية حياتها الاجتماعية.
بعد شهادة الفتاة المراهقة، تنقل حلقة النقاش من الحالة الفردية إلى حجم الظاهرة، وفي ذلك توضح جولي كوردوا، الرئيسة التنفيذية لمنظمة ثورن لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال عبر الإنترنت أنها جريمة خفية، وأن الناس يقللون من انتشارها.
أجرت المنظمة بحثاً وكانت تتوقع أن تسمع بضع مئات من القصص، لكنها تلقت أكثر من 1500 شهادة، الأخطر أن ثلث الضحايا لم يخبروا أحدا من قبل، هذه النقطة هي قلب التحذير في الحلقة، فكثير من الأطفال يتعرضون للابتزاز، لكن الأهل لا يعرفون، لأن الطفل يبقى صامتاً خوفاً من الفضيحة.
أما الرقم الأكثر رعباً فهو قولها إن نحو نصف الجناة نفذوا تهديداتهم بالفعل، ورغم حجم الكارثة، إلا أن هناك خطوات قد تمنعها.
النصيحة الأولى خلاصتها أنه إذا أعطيت طفلك جهازاً متصلا بالإنترنت، فيجب أن تتحدث معه وتوعيه، وربما تكون المحادثة محرجة، لكنها بالتأكيد أقل ألماً من الابتزاز.
أما النصيحة الثانية، فتدعو الأهل إلى أن يكونوا هادئين، وأن يبنوا بيئة آمنة يشعر فيها الطفل أنه يستطيع اللجوء إليهم إذا وقع في خطأ، لأن الابتزاز الجنسي يتغذى على الخوف من اللوم، وعلى اعتقاد الطفل أن أهله سيعاقبونه أو ينبذونه إذا اعترف، فيختار الصمت، ثم يضطر إلى طاعة المبتز.
وتضيف الحلقة بعداً تقنياً يشرح لماذا أصبحت مهمة الأهل أصعب، حيث تتحدث خبيرة نفسية ومحامية عن تطبيقات مخفية تعرف باسم تطبيقات فالوت، تتنكر في شكل آلة حاسبة لكنها تخزن الصور والفيديوهات وتخفي التصفح، وبعضها يلتقط صورة للوالد إذا حاول فتحه بكود خاطئ وينبه الطفل بأنه كان يتجسس.
هذا يعني أن كثيرا من الأطفال قد يخفون مواد حساسة دون أن يلاحظ الأهل، ثم تحذر الحلقة من تطبيقات البث المباشر التي تسمح بتلقي هدايا رقمية قابلة للتحويل إلى أموال مقابل تنفيذ مهام يوجهها الغرباء عبر الدردشة، ما يفتح باباً لتحول الطفل إلى هدف للاستغلال الاقتصادي والجنسي معاً.
كيف يعمل الابتزاز السيبراني؟
لا شك أن الابتزاز من أخطر الجرائم التي تستهدف الإنسان في أمنه النفسي والاجتماعي والاقتصادي، فهو يقوم أساساً على فكرة الضغط والتهديد مقابل الحصول على منفعة، سواء كانت المنفعة مالاً أو خدمة أو تنازلاً أو سلوكاً معيناً، ويمكن تعريف الابتزاز بأنه قيام شخص بتهديد شخص آخر بإفشاء أسرار أو نشر صور أو رسائل أو معلومات خاصة أو الإساءة إلى سمعته أو الإساءة إلى من يحب، وذلك مقابل مطالبه التي قد تكون مالية أو معنوية، وقد عرّف موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي أي) جريمة الابتزاز الرقمي ضمن الجرائم الإلكترونية.
أما من الناحية اللغوية فإن كلمة ابتزاز مشتقة من الفعل ابتز، أي أخذ الشيء قهراً وانتزاعه من صاحبه بالقوة أو الضغط أو الإكراه، وهو معنى يعبر بدقة عن جوهر هذه الجريمة التي تلغي إرادة الضحية وتجبره على الخضوع تحت التهديد.
ويختلط على كثير من الناس الفرق بين التشهير والابتزاز، فالتشهير هو نشر معلومات أو صور أو اتهامات بهدف الإساءة إلى السمعة أمام الآخرين، بدون طلب مقابل، أما الابتزاز فيشترط وجود مقابل واضح، بمعنى أن المبتز يقول للضحية إنه لن ينشر أو يضر به إذا دفع أو نفذ ما يطلبه، لذلك فكل ابتزاز يتضمن تهديدا بالتشهير، لكنه ليس هدفاً في حد ذاته.
وقد ميز التصنيف الدولي للجرائم لأغراض الإحصاء (أس سي سي إس) الذي أعدته جهات أممية من بينها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بين المفهومين بوضوح، حيث أشار التصنيف إلى أن التشهير أو الإهانة يعدان جريمتان مستقلتان، بينما التهديد بالتشهير أو الإهانة من أجل تحقيق مطلب لا يندرج ضمن التشهير بل يستبعد منه لأنه يقع ضمن نطاق جرائم الإكراه والابتزاز.
وتتنوع صور الابتزاز وأنواعه، فهناك الابتزاز المالي الذي يهدف فيه الجاني إلى الحصول على المال أو المنفعة المادية عبر التهديد أو الإكراه، وهناك الابتزاز العاطفي الذي يقع داخل العلاقات الشخصية والأسرية عندما يستخدم أحد الأطراف مشاعر الخوف أو الذنب أو الحاجة إلى القبول والسيطرة للتحكم في الطرف الآخر وإخضاعه نفسيا.
وهناك أيضا الابتزاز الإلكتروني الذي يعتمد على الإنترنت وتقنيات الاتصال الحديثة، ويقوم على التهديد الرقمي أو تعطيل الأنظمة أو سرقة البيانات أو التهديد بنشرها مقابل دفع المال، ويشار إلى هذا النوع في المصادر الأمنية بمصطلح الابتزاز السيبراني، وقد تناولته وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية ضمن دليل التعريف بكيفية إيقاف برمجيات الفدية التي تشرح الابتزاز السيراني وتهديدات تسريب البيانات ضمن ما يعرف بالابتزاز المزدوج.
ومن المهم التمييز هنا بين الابتزاز السيبراني بوصفه مفهوما أشمل، وبين برمجيات الفدية بوصفها إحدى أبرز أدواته المعاصرة، فالابتزاز السيبراني قد يقع عبر تهديد شخص بنشر رسائله أو صوره أو بياناته الخاصة، وقد يقع عبر السيطرة على حساباته، وقد يقع عبر استغلال معلومات شخصية لإجباره على الدفع أو الانصياع.
بينما تركز برمجيات الفدية غالباً على تعطيل الوصول إلى الملفات أو الأنظمة أو تشفيرها ثم مطالبة الضحية بمبلغ مالي مقابل فك التشفير أو إعادة الوصول، غير أن تطور الجريمة الرقمية جعل كثيراً من العصابات لا تكتفي بالتشفير وحده، بل تلجأ إلى سرقة البيانات أولاً ثم تهديد الضحية بنشرها إن لم يدفع المال.
وهو ما يندرج تحت مفهوم الابتزاز السيبراني بوصفه ابتزازاً بالبيانات حتى وإن لم يحدث تشفير فعلي، وقد وثقت وكالة الأمن السيبراني الأمريكية هذا النمط من الجريمة في تحذيراتها الرسمية حول جماعات متخصصة في ابتزاز البيانات عبر التهديد بالنشر، ومن ذلك التحذير الخاص بجماعة كارا كورت لابتزاز البيانات الذي يشرح مفهوم الابتزاز بالبيانات بوضوح.
ويمكن التمييز أيضا بين الابتزاز العلني والابتزاز الخفي، فالابتزاز العلني يتم فيه توجيه تهديد مباشر وصريح للضحية، بينما الابتزاز الخفي قد يعتمد على الإيحاءات أو الرسائل غير المباشرة أو الضغط النفسي الطويل، بحيث يشعر الضحية أنه مجبر على الخضوع حتى دون تصريح واضح من المبتز.

صور وانماط الابتزاز
ومع اتساع الفضاء الرقمي تحولت صور متعددة من الابتزاز إلى أنماط أكثر تعقيداً وخفاء، إذ قد لا يصدر عن المبتز تصريح مباشر في البداية، بل يبدأ برسائل ملتبسة أو تلميحات أو طلبات صغيرة تتدرج تدريجياً حتى يجد الضحية نفسه تحت ضغط تهديد واضح.
ومن أبرز صور الابتزاز الحديثة ابتزاز الصور والمقاطع الخاصة، حيث يحصل الجاني على صور أو تسجيلات حساسة ثم يستخدمها كورقة تهديد لنشرها أو إرسالها إلى الأسرة أو جهة العمل أو نشرها على منصات التواصل.
وقد يتم الحصول على هذه المواد برضا سابق داخل علاقة عاطفية ثم تتحول بعد الخلاف إلى سلاح انتقام، أو يتم الحصول عليها نتيجة اختراق الحسابات، أو عبر خداع الضحية ودفعه لإرسال مواد خاصة، أو عبر تسجيل خفي أثناء مكالمات الفيديو.
وتؤكد الشرطة الأوروبية أن هذا النمط من الجرائم، المعروف عالميا باسم الإكراه والابتزاز الجنسي عبر الإنترنت، يقوم أساساً على استدراج الضحايا عبر الشبكات الاجتماعية ثم تهديدهم بنشر المواد الخاصة لإجبارهم على الدفع أو الاستمرار في تقديم محتوى إضافي، وهو ما تناولته يوروبول في دليلها التوعوي الرسمي.
ويزداد خطر هذه الجريمة لأن المنصات الرقمية تتيح سرعة انتشار المحتوى وقدرة المبتز على الوصول إلى دوائر الضحية الاجتماعية، كما أن بعض الشبكات تجعل جمع المعلومات الشخصية أمراً سهلاً، وهو ما يجعل مواقع التواصل بيئة خصبة للابتزاز.
ولمن يريد مرجعا أعمق يوضح الظاهرة بوصفها نمطا إجراميا منظما ويشرح آليات الاستدراج والتهديد، تقدم يوروبول كذلك تقريراً تفصيلياً بعنوان الإكراه والابتزاز الجنسي عبر الإنترنت بوصفه شكلاً من أشكال الجريمة التي تؤثر في الأطفال: منظور جهات إنفاذ القانون يتناول فيه الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت كجريمة مؤثرة، ويشرح استغلال الصور والمقاطع الخاصة في التهديد.
ويعتبر ابتزاز الصور الخاصة من أخطر الأنواع لأنه يعتمد على استغلال الحياء والخوف من الفضيحة، خصوصا لدى الفتيات والنساء، بينما يمثل الابتزاز المالي القائم على التهديد بالإفصاح عن معلومات حساسة وسيلة لنهب الأموال بشكل غير مشروع.
أما الابتزاز العاطفي فيظهر داخل العلاقات الزوجية أو الأسرية عندما يلوح أحد الأطراف بالطلاق أو الحرمان من الأبناء أو التشهير العائلي لفرض السيطرة.
ولا يقل خطورة ابتزاز المؤسسات والشركات، حيث قد يهدد المجرمون بتسريب بيانات سرية أو تعطيل أنظمة العمل أو ضرب السمعة التجارية.
وتقوم أساليب الابتزاز الحديثة على أدوات متعددة، منها الهندسة الاجتماعية، وهي اعتماد المبتز على التأثير في الناس واستغلال ثقتهم أو استعجالهم للحصول على معلومات حساسة أو دفعهم إلى فعل يضرهم، وقد شرحت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية هذا النمط في مدونة بعنوان تجنّب هجمات الهندسة الاجتماعية والتصيد الاحتيالي وذلك ضمن توعيتها بتجنب هجمات الهندسة الاجتماعية والتصيد.
ومنها انتحال الجاني هوية، يتظاهر بأنه شخص آخر موثوق، ومنها القرصنة الإلكترونية التي تستهدف البريد الإلكتروني والحسابات الخاصة، كما يلجأ المبتزون إلى جمع المعلومات من الحسابات العامة في وسائل التواصل مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، ثم يستخدمون ما يجمعونه لبناء صورة كاملة عن الضحية ونقاط ضعفها، ولا يتوقف الابتزاز على الأدوات التقنية، بل يستخدم أيضاً الثغرات العاطفية مثل الوحدة أو الحاجة إلى الحب أو القبول الاجتماعي.
وتعتمد بعض أساليب الابتزاز على استغلال الثغرات العاطفية لدى الضحية، مثل الوحدة أو الحاجة إلى الحب أو القبول الاجتماعي، أو الخوف من الرفض والنبذ، إذ يدرك المبتز أن الإنسان في لحظات الضعف قد يقبل بما كان يرفضه في الظروف العادية، فيستعمل حاجته العاطفية وسيلة للتأثير عليه وجره إلى الخضوع.

دوافع وأسباب الابتزاز
أما دوافع الابتزاز فهي متعددة، فهناك الجشع والسعي إلى المال السريع، وهناك الانتقام نتيجة خلافات شخصية أو عاطفية، وهناك الرغبة في السيطرة والتحكم، كما قد تقف خلف هذا السلوك أنماط نفسية أو قيم منحرفة ترى في الإنسان مجرد وسيلة للمصلحة لا ذاتاً لها حق الكرامة والأمان.
وفي هذا السياق تشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس في مقال بعنوان العنف الصادر عن الشريك الحميم: تعرّف على المخاطر وما الذي يمكنك فعله لمساعدة نفسك إلى أن كثيرا من السلوكيات الإيذائية داخل العلاقات لا تقوم فقط على الغضب، بل على التحكم القهري والعزل والضغط النفسي والتلاعب، وهي عناصر تفسر لماذا يتحول التهديد إلى أداة متكررة لإخضاع الضحية، بما فيها السيطرة والعزل والإكراه النفسي.
يمكن توصيف هذا النمط بدقة بوصفه سلوكاً إكراهياً يهدف إلى إجبار الآخر على فعل شيء أو الامتناع عنه تحت الضغط أو التهديد، وهو ما يعرفه قاموس الجمعية الأمريكية لعلم النفس ضمن مفهوم السلوك القسري.
وانطلاقاً من هذه الدوافع، لا يعتمد المبتز غالباً على القوة المباشرة، بل على مهارات التلاعب والإقناع واختراق الثقة، وهنا تظهر أهمية ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، إذ يقوم الجاني باستغلال سلوكيات بشرية طبيعية مثل العجلة، والرغبة في المساعدة، والخوف من فقدان الحساب، أو السعي إلى فرصة عمل أو علاقة عاطفية، ثم يوظف هذه الدوافع لإيقاع الضحية في فخ تقديم معلومات حساسة أو فتح رابط خبيث أو إرسال صور خاصة أو تحويل أموال.
وقد شرحت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية هذا النمط في مدونة بعنوان تجنب هجمات الهندسة الاجتماعية والتصيد الاحتيالي، موضحة أن المهاجم يستغل الثقة والاندفاع ويستخدم رسائل تبدو طبيعية من أجل خداع الضحية ودفعها إلى فعل يضر بها.
ويقترن ذلك كثيرا بانتحال الهوية، إذ قد يتقمص المبتز شخصية صديق أو مسؤول أو جهة رسمية، أو ينتحل حساباً يشبه حساباً معروفاً، أو يصنع بريداً إلكترونياً مضللاً لكي يضفي على تهديده مشروعية زائفة ويزيد احتمالات الاستجابة.
وفي هذا السياق يحذر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي من خدع الانتحال والتواصل الاحتيالي، ومنها ما يعتمد على تقمص هوية شخص موثوق أو جهة رسمية لخداع الضحايا وسرقة المال أو المعلومات، كما يحذر عبر مقال بعنوان عمليات الاحتيال والجرائم الشائعة من الابتزاز الذي يكون في كثير من حالاته نتيجة سلسلة تبدأ بخداع نفسي واجتماعي محكم، وتنتقل إلى جمع معلومات أو مواد حساسة، ثم تنتهي بالتهديد والضغط، وهو ما يفسر لماذا تعد الوقاية الرقمية القائمة على التحقق والخصوصية والتريث أداة أساسية في تقليل فرص الاستهداف.
وتعد آثار الابتزاز على الضحايا عميقة وخطيرة، فالأثر النفسي يشمل الخوف المستمر، والقلق، والاكتئاب، والشعور بفقدان الأمان، واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر إلى التفكير في إيذاء النفس عند بعض الضحايا، وهي آثار تناولتها منظمة الصحة العالمية ضمن مادة توعوية التوعوية بعنوان الصحة النفسية وتعزيز الاستجابة لها، وكذلك ضمن ورقة بعنوان الاضطرابات النفسية التي تتضمن القلق والاكتئاب والضيق النفسي.
أما الأثر الاجتماعي فيتمثل في انسحاب الضحية من المجتمع، وفقدانه لعلاقاته، وتضرر سمعته حتى لو كان بريئاً، بينما يظهر الأثر الاقتصادي في الخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة، ويضاف إلى ذلك أثر قانوني قد يضطر فيه الضحية إلى الدخول في إجراءات معقدة لملاحقة الجاني أو إثبات براءته.
كيف نكسر دائرة الابتزاز؟
عند التعرض للابتزاز ينبغي للضحية أن تتصرف بهدوء، فأول خطوة هي عدم الخضوع وعدم إرسال أي مال أو بيانات، ثم توثيق كل الأدلة مثل الرسائل والصور وتسجيلات الشاشة، ومن المهم جداً عدم حذف رسائل الابتزاز لأن حذفها قد يحرم الضحية من دليل قانوني قوي، ويجب إبلاغ الجهات المختصة فورا.
ففي قطر مثلاً تتوافر قنوات رسمية للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية عبر وزارة الداخلية، ومنها الإبلاغ عبر تطبيق مطراش2 أو عبر الخط الرسمي الساخن للوزارة، كما يجب طلب الدعم النفسي والأسري لأن الشعور بالوحدة يزيد من تأثير المبتز وسيطرته.
أما من الناحية القانونية، فإن الابتزاز يعد جريمة يُعاقب عليها في أغلب دول العالم، وتتضاعف خطورته عندما ينتقل إلى الفضاء الرقمي ويستغل الشبكات والوسائط الإلكترونية لتهديد الضحايا وإخضاعهم.
وفي قطر يندرج الابتزاز الإلكتروني ضمن الجرائم المعلوماتية التي يجرمها قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، إذ يوضح القانون أن استخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في التهديد أو الابتزاز يعد فعلاً مجرماً يستوجب العقوبة، وهو ما ورد صراحة في المادة 8 من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية القطري رقم (14) لسنة 2014 التي تنص على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبالغرامة التي لا تزيد على (100,000) مائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في تهديد أو ابتزاز شخص، لحمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه”.
وتبرز أهمية هذا النص في أنه لا يحصر الابتزاز في صورته التقليدية فقط، بل يعتبر الوسيلة الرقمية جزءا من الجريمة، مما يتيح ملاحقة الجاني حتى لو نفذ تهديده عن بعد، أو استخدم حسابات وهمية، أو منصات تواصل، أو مراسلات إلكترونية، وهو ما يمنح الضحية أساساً قانونياً واضحاً للإبلاغ والمطالبة بالحماية والمحاسبة.
وفي الولايات المتحدة يصنف الابتزاز جريمة فدرالية عندما يتم عبر وسائل الاتصال أو ضمن نطاق يطال التجارة بين الولايات أو خارجها، وتطبق بشأنه عقوبات صارمة وفق نصوص قانونية واضحة، إذ يجرم القانون الأمريكي نقل أو إرسال تهديدات عبر وسائل الاتصال بقصد الابتزاز، بما في ذلك التهديد بإلحاق الضرر أو الإساءة إلى السمعة أو توجيه اتهام جنائي من أجل انتزاع المال أو تحقيق منفعة.
وهو ما توضح تفاصيله وزارة العدل الأمريكية ضمن دليلها القانوني المتعلق بأحكام الابتزاز بين الولايات والابتزاز الخارجي، ويكتسب هذا التصنيف أهمية خاصة في زمن الاتصال الرقمي، لأن كثيرا من صور الابتزاز الحديثة تتم عبر البريد الإلكتروني، ومنصات التواصل، وتطبيقات المحادثة، وهو ما يجعل الابتزاز الإلكتروني امتداداً لجرائم التهديد والابتزاز التي تقع عبر أنظمة وتقنيات الاتصال.
كما توجد آليات لحماية الضحايا قانونياً، مثل السرية في تلقي البلاغات، وحجب المواد المستخدمة في الابتزاز، وملاحقة الجناة، وتقديم الدعم القانوني والنفسي. كما توجد منظمات مدنية تساعد الضحايا وتوفر لهم موارد مساندة وإرشاداً قانونياً، مثل موقع ضحايا الجريمة المعني بدعم الضحايا.
وتقع على الأسرة والمجتمع مسؤولية كبيرة في الوقاية من الابتزاز عبر غرس مفهوم التربية الرقمية، أي تعليم الأبناء كيفية حماية خصوصيتهم وعدم مشاركة الصور أو البيانات الحساسة واستخدام كلمات مرور قوية وتفعيل التحقق الثنائي، كما ينبغي نشر الوعي عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والتأكيد على أن الضحية لا تتحمل اللوم، وهنا تبرز أهمية تقليل الوصمة الاجتماعية حتى لا يخشى الضحايا من التبليغ، وقد دعمت اليونسكو هذا الاتجاه عبر صفحتها على موقعها بعنوان التربية الإعلامية والمعلوماتية.
ويمكن حماية الحسابات الشخصية عبر ضبط إعدادات الخصوصية بحيث لا تكون المعلومات متاحة للغرباء، واستخدام كلمات مرور مختلفة وقوية، والحذر من الروابط المشبوهة، كما يجب الحذر الشديد من مشاركة الملفات والصور الخاصة حتى داخل العلاقات القريبة، لأن العلاقة قد تنتهي لكن المواد تبقى وتتحول إلى أداة تهديد، ومن الضروري كذلك التحقق من هوية أي شخص قبل إرسال أي بيانات أو صور أو أموال.
ولا شك أن الابتزاز جريمة تمس جوهر كرامة الإنسان وحقه في الخصوصية والأمان، ومواجهته لا تكون فقط عبر القوانين، بل عبر وعي مجتمعي شامل وثقافة رقمية ناضجة وتشجيع الضحايا على التبليغ وعدم الصمت، ومع انتشار التكنولوجيا وتداخلها في تفاصيل حياتنا اليومية، يصبح الوعي والانتباه هما خط الدفاع الأول لحماية الأفراد والأسر والمجتمعات من هذه الجريمة التي قد تبدأ برسالة عابرة لكنها قد تتحول إلى معاناة طويلة إذا لم نتصرف بحكمة وبالطرق القانونية السليمة.




