في أولى حلقات بودكاست نماء من إنتاج إدارة شؤون الزكاة، استضاف السيد أحمد الجناحي الإمام والخطيب والباحث الشرعي د. فريد أمين الهنداوي الذي التحق للعمل بقسم خدمات الزكاة التابع لصندوق الزكاة آنذاك منذ عام 2005، كونه عمل محاسباً قبل ذلك لعدة سنوات، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الشريعة، حيث أثْرت هذه التجربة العملية كما قال فهمه للزكاة بما احتوته من جانب نظري وآخر تطبيقي.
بدأ د. الهنداوي بشرح مصطلح الزكاة من الناحية اللغوية، ثم من الناحية الشرعية، فالزكاة لغة من وجهة نطره لها عدة معاني، منها البركة، والزيادة والنماء، والطهارة كما في قوله تعالى “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ”، بمعنى تطهر من الذنوب والمعاصي والآثام، وقد تأتي بمعنى الحلال، كما في قوله تعالى “… فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا …”، أي أكثر الطعام حِلة، وقد تأتي بمعنى المدح، كما في قوله تعالى “… فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ”، أي لا تمدحوا أنفسكم.
وكل هذه المعاني اللغوية متحققة في مصطلح الزكاة شرعاً، فزكاة المال تؤدي إلى نمائه وبركاته وتطهيره.
وقد يثور في الذهن تساؤل مشروع، إذ كيف تُوصف الزكاة بالنماء والزيادة، في حين أن إخراجها يُنقص المال عملياً؟
يجيب على هذا التساؤل د. الهنداوي بأن النماء نوعان: نماء منظور، وآخر غير منظور.
أما النماء المنظور، فيتمثل في الزيادة الحسية، كالتجارة التي يستثمر فيها المال فتعود بربح أكبر مما استثمر فيها.
بينما النماء غير المنظور، نجده في البركة التي تحل في المال، فتجعله كافياً لصاحبه، محفوظاً من الآفات، وتفتح له أبواب رزق لم يكن يحتسبها.
أما تعريف الزكاة من الناحية الشرعية، فهو ما صاغه كثير من الفقهاء بأنها قدر واجب حدده الله سبحانه وتعالى في مال مخصوص، كي يُدفع لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص، مع التأكيد على شرطها التعبدي لله تعالى.
وهو تعريف جامع مانع، يبرز حقيقة الزكاة بوصفها عبادة محضة، قبل أن تكون نظاماً مالياً أو إجراء اجتماعياً.
وعن دليل وجوبها يقول د. الهنداوي إنها بإجماع العلماء فرض وواجب، فهي عند أبي حنيفة واجبة وعند بقية الفقهاء فرض، حيث قُرنت الزكاة بالصلاة في كتاب الله في مواضع عديدة، منها قوله تعالى “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”، وقوله تعالى “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”، ومنها قوله تعالى الذي حدد فيه مصارف الزكاة الثمانية” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”، وهذه مصارف الزكاة الثمانية المعروفة.
ويوضح د. الهنداوي أن الأمر “آتوا الزكاة” في القرآن وجوبي، لأنه لم تأتي قرينة تصرفه إلى الاستحباب.
كما جاء الأمر بالزكاة صريحاً في حديث النبي ﷺ حين عدها من أركان الإسلام الخمسة، ولم يكن موقف الصحابة رضي الله عنهم أقل قطعاً في هذا الباب، إذ أعلن أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفه الحازم في قتال مانعي الزكاة، مؤكداً أن التفريط فيها هو تفريط في أصل من أصول الدين.
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة حصر المال في النقود فقط، بينما المال كما يقول د. الهنداوي في ميزان الزكاة أوسع من ذلك بكثير، فالذهب والفضة مال، والأنعام بأنواعها المختلفة مال، والزروع والثمار مال، كما أن عروض التجارة من بضائع وممتلكات معدّة للبيع تُعد مالاً تجب فيه الزكاة.
لكن يوضح د. الهنداوي أن ليس كل ما يملك تجب فيه الزكاة، وإنما هو مال مخصوص بمعايير محددة شرعاً، فقد يملك المرء مثلاً عدداً كبيراً من السيارات للاستخدام الشخصي، ومع ذلك لا تُعد مالاً تجب فيه الزكاة، كونها للاستخدام الشخصي، بل إن اللؤلؤ على حد قوله لا تجب فيه الزكاة.
أما عن شروط الزكاة فقد وضح د. الهنداوي أنها شروط دقيقة تضبط وجوبها، أولها الإسلام، فلا تصح الزكاة من غير المسلم، والشرط الثاني بلوغ المال النصاب، وهو الحد الأدنى الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة.
وكل نوع من الأموال له نصاب خاص، فنصاب الذهب مثلاً 85 غراماً من الذهب الخالص، ونصاب الفضة 595 غراماً من الفضة عيار 925.
وعن سبب تحديد الأنصبة بهذه المعايير تحديداً، قال د. الهنداوي إنها توقيفية تعبدية، لا دخل للعقل في تحديدها، مَثلها مثل عدد ركعات الصلاة.
ورغم أن الذهب والفضة في عصرنا الحالي لم يعودا يستخدما في البيع والشراء وحلت محلهما النقود التي بدورها لم تعد مرتبطة بغطاء ذهبي، إلا أن الزكاة كما يقول د. الهنداوي واجبة فيها، كما وضح أن سبب انخفاض نصاب الفضة مقارنة مع نصاب الذهب، هو أنه أحظ للفقراء، لأن انخفاضه يجعل الزكاة واجبة على عدد أكبر من المسلمين، أما اعتماد نصاب الذهب أو الفضة فهو أمر اجتهادي.
وعن كيفية تحديد نصاب النقود يقول إن تقديره يكون باحتساب ما تشتريه هذه النقود من ذهب أو فضة في تاريخ وجوب الزكاة، وهو مبلغ متغير بسبب تغير أسعار الذهب والفضة، فالعبرة بموعد وجوب الزكاة.
أما عروض التجارة وهي البضاعة التي تم جردها في المتجر والمخازن يوم مرور الحول عليها إذا بلغ مجموع قيمتها وما يوجد من نقود في الحساب نصاب الذهب أو الفضة، فتُقوَّم البضاعة بسعر السوق، لا بسعر الشراء، ويُخرج منها ربع العشر، أي 2.5%.
أما الأنشطة التجارية الخدمية التي لا توجد لديها بضائع، فزكاتها على المبالغ المتبقية في الحساب إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة في تاريخ مرور الحول، ومقدار زكاتها 2.5٪.
وأضاف د. الهنداوي أن الأنعام ثلاثة أنواع، وهي الإبل، والغنم ويلحق بها الضأن، والبقر ويلحق بها الجاموس، فقد حدد الشرع أنصبة كل نوع منها بدقة، ففي الإبل يبدأ النصاب من 5 رؤوس وزكاتها شاة، وفي البقر والجاموس من 30 رأساً وزكاته تبيع أي صغير البقر، فإذا بلغت خمسين رأساً أصبحت زكاتها مُسنة، أما الأعداد الأكبر فلها جدول نحسب من خلاله الزكاة، وفي الغنم من أربعين إلى مئة وعشرين، ويُخرج عنها شاة واحدة، فإذا بلغت 121 رأساً أصبحت زكاتها شاتين، فإذا بلغت 200 رأساً أصبحت زكاته ثلاثة شياه، فإذا بلغت 400 رأساً أصبحت زكاته 4 شياه، وعن كل مائة إضافية زكاتها شاة واحدة.
وأما الزروع والثمار، فليست كلها محلاً للزكاة، فبحسب مذهب الحنابلة تجب الزكاة عليها إذا بلغت النصاب وقت الحصاد على ما كان يُكال ويُدّخر، كالقمح والتمر والزبيب والكمون والشطة والبهارات، وعليه وفقاً للشيخ ابن عثيمين ليس على الخضروات والفواكه زكاة لأنها لا تكال ولا تدخر، وحتى لو جُففت مثل الملوخية والبامية فالعبرة بأصل الخِلقة.
ومن شروط الزكاة أيضا حولان الحول على الذهب والفضة والنقود وعروض التجارة، أي مرور سنة هجرية كاملة على المال.
ومن يضطر لاتباع السنة المالية الميلادية في احتساب زكاته عليه أن يخرج 2.5775٪، بسب وجود فارق 11 يوماً بين التأريخ الهجري والتأريخ الميلادي.
ووفقاً للأحناف تُحدد بداية الحول عند بلوغ المبلغ النصاب وتخرج الزكاة في نهاية الحول على المبلغ الموجود في هذه اللحظة إذا كان لا يزال بالغاً للنصاب، لا بما يدخل أو يخرج من أموال خلال الحول، فلا نعد حولاً على كل مبلغ مستقل، وهو المرجح في إدارة شؤون الزكاة.
ويضيف د. الهنداوي أن المدرسة الشافعية تجعل حول خاص لكل مبلغ يتحقق فيه شرط النصاب، وهو ما قد يشكل عنتاً حسابياً على المزكي.
ولا يشترط حولان الحول في الزروع والثمار، وإنما تخرج زكاتها وقت حصادها، وكذلك والركاز والمعادن تُخرج زكاتها فور استخارجها من باطن الأرض.
ومن شروط زكاة المال تحقق الملكية التامة له دون قيود، فلا تجب الزكاة في القول الراجح على المدين بل على الدائن، لأنه هو صاحب المال، إلا إذا ماطل المدين فلا تجب الزكاة على الدائن إلا مرة واحدة إذا استرده ومر عليه الحول وكان بالغاً للنصاب.
والشرط المختلف عليه فقهياً أن يكون المال قابلاً للنماء، سواء كان نماء حقيقياً كالزروع والأنعام، أو نماءً تقديرياً كالذهب والفضة وعروض التجارة.
وقد تعجب الجناحي من أن الزكاة لا تتعلق بسن المالك أو عقله، فهي كما قال د. الهنداوي واجبة في مال الصغير والمجنون، ويخرجها عنهما الولي أو الوصي، عند جمهور الفقهاء باستثناء الحنفية، لأنها عبادةٌ مالية يُنظر فيها إلى المال ذاته وضروة عودة نفعه على المجتمع، بخلاف الصلاة التي هي عبادةٌ بدنية تتعلق بالمكلَّف في شخصه.
وأضاف د. الهنداوي أن من لم يخرج زكاة ماله لعدة سنوات وهو طفل، وجب عليه أن يخرجها عن كل سنة سابقة، لأن الزكاة لا تسقط بالتقادم.
وعن كيفية تحديد المزكي لمستحقي زكاته قال د. الهنداوي إن على المزكي أن يتق الله ويتأكد قدر استطاعته من ظروف الذي يدفع له زكاته، بحيث لا يخرج عن مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الآية الكريمة من سورة التوبة، فالزكاة أمانة، فإن لم يتحرى المزكي الدقة، ثم اتضح له أن الشخص الذي دفع إليه زكاته غير مستحق، وجب عليها أن يخرج زكاته مرة أخرى لمن يستحق، فإن تحرى الدقة، واتضح له أن أمواله ذهبت لغير مستحق، فلا شيء عليه.
لذلك تدقق إدارة شؤون الزكاة من خلال قسم الأخصائيين الاجتماعيين في دراسة حالات طلب المساعدة، بل يصل هذا التدقيق إلى حد أن يتهمها البعض بالتعنت وكثرة الأوراق والبيانات المطلوبة، لكن يُلتمس لها العذر في أنها تسعى جاهدة إلى أن تصل الزكاة إلى مستحقيها، فتحقق بذلك شرع الله وتكسب ثقة المزكين.
واختتم الجناحي البودكاست بشكر د. الهنداوي على هذه الحلقة الغنية بالمعلومات والماتعة في آن واحد، وبادله الدكتور شكراً بشكر وأضاف أن الزكاة موضوع مليء بالتفاصيل ولا تكفيه حلقة واحدة، بل يحتاج لحلقات وحلقات.




