spot_imgspot_img
بيتالطفلجدلية عمالة الأطفال في العالم المعاصر

جدلية عمالة الأطفال في العالم المعاصر

عندما نسمع عبارة عمالة الأطفال، يتبادر إلى أذهاننا على الفور صورة طفل بائس، يكدّ في مصنع مظلم أو منجم يتصاعد منه الغبار، فيصدم العالم بضعفه فيما يحمل فوق كتفيه أوزاناً تفوق طاقته، هذه الصورة المأساوية المؤلمة، تجعلنا نرفع أصواتنا بالرفض، ونطالب بالقوانين والتجريم، ونشعر بالراحة الأخلاقية أننا قمنا بواجبنا.

لكن، لو نظرنا أعمق قليلاً، ولو أزحنا العناوين البراقة والبيانات الرسمية، سنكتشف أن الظاهرة أكثر تعقيداً بكثير، سنجد وجوهاً أخرى لعمالة الأطفال، وجوهاً لا تشبه أولائك الصغار المستضعفين في المناجم أو المصانع، لكنها وجوه لا تقل بؤساً وحزناً.

خذ مثلاً لاعباً صغيراً في فريق ناشئين، أو طفلة موهوبة في فرقة باليه، أو صبياً يتدرب في معهد موسيقي، يتلقون تدريبات شبه عسكرية، تمتد لساعات يومية طويلة، تُنتزع من وقت تعليمهم وألعابهم وأحلامهم البسيطة.

نصفّق لهم حين يحققون الإنجازات، ونحتفي ببطولاتهم على المنصات، لكننا نغض الطرف عن الثمن الباهظ: جسد مُنهك، وطفولة مسروقة، ونفسية مُثقلة بالضغوط والتوترات.

هذه المفارقة تكشف ازدواجية في موقفنا، إذ نرفض عمالة الأطفال في منجم للفحم، لكننا نصفّق للطفلة التي تنزف قدماها من التدريب على الرقص، أو للصبي الذي يتعثر في المدرسة لأنه يقضي الليل في التمارين الرياضية.

تدريب الجمباز في الصين لخمسة ملايين طفل

الملفت أن الداعين إلى التشدد المطلق في حظر عمالة الأطفال، يتقبلون في الوقت نفسه بصدر رحب انخراط الطفل الصارم في ممارسة رياضات وفنون منذ سني عمره المبكرة، وما يصحابها من تمرينات مكثفة وضغوط عصبية شديدة وانضباط شبه عسكري، ليس بهدف اللعب والمرح، بل بهدف تحقيق مراكز متقدمة والاحتراف وجني الأموال، وهو ما يؤثر سلباً في الغالب على التحصيل الدراسي.

فلماذا لا يجد هؤلاء أي غضاضة في الضغوط التي يتعرض لها الطفل أثناء ممراسته لهذه الأنشطة الرياضية أو الفنية، بينما يطالب بالحظر الكامل لعمالة الأطفال، بحجة الحفاظ على طفولتهم وعدم إعاقة مسارهم التعليمي؟

وهل التعليم التقليدي الذي يركز على مهارات عقلية معينة ويهمل المهارات الأخرى هو الخاير الأمثل لنمو الطفل وإعداده للمستقبل؟

في مقال بعنوان ابتسم واحتمل في صحيفية ذي إندبندنت البريطانية تقول أيقونة لعبة الجمباز البلاروسية أولغا كوربوت التي مثلت الاتحاد السوفيتي في أولمبياد ميونخ في 1972 وهي في السابعة عشرة من عمرها إن مدربها رينالد كنيش “قبيل أولمبياد ميونيخ 1972، الذي فازت فيه وهي في سن المراهقة بثلاث ميداليات ذهبية، أجبرها على ممارسة الجنس معه، بعد أن دسّ لها بعض الكونياك الرخيص بعناية”.

كما صرحت لصحيفة روسية بأن “كنيش، ومعه مدربون سوفيت آخرون، كانوا يرون لاعباتهم لسن مجرد لاعبات جمباز محتملات، بل محظيات مستقبليات، واتهمته بأنه ضربها وسعى للسيطرة الكاملة على حياتها، خوفاً من أن يلهيها أي ارتباط بشباب عن الرياضة”.

وعلى حد قولها “فقد اخترع لها مدربها القاسي حركات جريئة مثل قفزة كوربوت، حيث كانت تقذف نفسها للخلف من العارضة العليا لتلتقطها مرة أخرى، حيث استغرق الأمر خمس سنوات وثلاث ارتجاجات دماغية حتى أتقنتها”.

لاعبة الجمباز السوفيتية أولغا كوربوت أثناء مشاركتها بعمر 17 عاماً في أولمبياد ميونخ 1972

يتناول ريتشارد أنكر في دراسة له بعنوان الاقتصاديات المرتبطة بعمالة الأطفال: إطار منهجي للقياس ظاهرة عمالة الأطفال من منظور اقتصادي، لفهمها بصورة أعمق وأكثر شمولاً، فهو يرى أن الاكتفاء بالنظرة التبسيطية التي تعتبر عمل الأطفال شراً محضاً تغض الطرف عن  التعقيد الكامن في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع بالأطفال إلى العمل.

من هنا، يؤكد الباحث على ضرورة بناء مقاربة دقيقة للقياس، وتمييز الأشكال المختلفة للعمل، ثم يقترح سياسات أكثر فعالية للحد من الجوانب الضارة لعمالة الأطفال.

تنطلق الدراسة من أن عمالة الأطفال ترتبط بثلاثة محاور رئيسية، الأول حماية الطفل، لأن الطفولة مرحلة هشّة تتطلب حماية خاصة من الأعمال الخطرة أو الاستغلالية، وقد جاءت اتفاقية أسوأ أشكال عمالة الأطفال (1999، رقم 182) لتعكس هذا الإجماع الدولي.

المحور الثاني ينصب على تنمية الطفل، إذ إن العمل المفرط غالباً ما يتعارض مع التعليم والتحصيل الدراسي، ورغم أن بعض أشكال العمل الخفيف قد تُكسب الطفل مهارات حياتية كالاعتماد على النفس والخبرات الاجتماعية المفيدة، إلا أن العمل إذا تجاوز حدوداً معينة (15 ساعة أسبوعياً مثلاً) أظهر آثاراً سلبية على التعليم.

أما المحور الثالث فيتعلق بالآثار الاقتصادية وسوق العمل، إذ على المستوى الجزئي يشكل دخل الأطفال عنصر بقاء للأسر الفقيرة، بينما على المستوى الكلي يسهم عملهم في خفض أجور الكبار وزيادة معدلات البطالة بينهم، مما يكرّس من دائرة الفقر بين الأجيال.

في المقابل فإن الاستثمار في التعليم يمهد الطريق أمام دورة تنموية تقوم على ارتفاع الإنتاجية وتحسن الوضع الصحي وتوسيع نطاق العدالة.

ثم ينتقل الباحث في هذه الدراسة إلى صعوبات التعريف والقياس، فالأرقام الكلية المتداولة لعمالة الأطفال تتفاوت تفاوتاً كبيراً، فقد قدّرت منظمة العمل الدولية في عام 1995 أن هناك 73 مليون طفل عامل تتراوح أعمارهم بين 10 و14 سنة، ثم ارتفع الرقم في عام 1996 إلى 250 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة، وترجع هذه القفزة في الإحصائيات إلى ضعف البيانات وتباين المعايير.

لهذا يشدد أنكر على أن رقماً واحداً لا يكفي، لأنه يخلط بين أشكال مختلفة من العمل، من الخفيف إلى الخطير، ومن المأجور إلى غير المأجور، ومن المتوافق مع التعليم إلى المعيق له، هنا تظهر الحاجة إلى مقاييس متعددة تميز بين عمالة الأطفال المقبولة والضارة.

هذا ما انعكس أيضاً في اتفاقيات منظمة العمل الدولية، مثل اتفاقية الحد الأدنى للسن (رقم 138/1973) التي وضعت حداً أدنى لسن العمل في الدول النامية أو للأعمال الخفيفة، واتفاقية أسوأ أشكال العمل (رقم 182/1999) التي حظرت العبودية والاستغلال الجنسي والأعمال الإجرامية والأعمال الخطرة على الصحة والأخلاق.

على مستوى القياس التفصيلي، يوضح الباحث أن تعريف النشاط الاقتصادي وفق نظام الحسابات القومية واسع جداً ويشمل حتى العمل في المزارع العائلية للاستهلاك الذاتي، مما يعني أن الأطفال في الريف يدخلون بكثافة في نطاق هذا التعريف الواسع.

لكن المشكلة الأبرز تكمن في قياس الأعمال الخطرة بسبب طبيعتها السرية كونها غيرقانونية، لذلك يقترح الباحث مسوحات إحصائية سريعة أو الاعتماد على خبراء محليين لتحديد الأعمال الخطرة، إلى جانب طرح أسئلة مباشرة عن الإصابات ومستويات التعرض لمخاطر العمل.

كما يناقش العلاقة بين التعليم والعمل، مبرزاً أن تواجد الطفل في المدرسة لا يعني بالضرورة التعلم الفعلي، فكثير من الأطفال يذهبون للمدرسة، لكن يخرجون شبه أميين بسبب ضعف جودة التعليم، وأن المدرسة نفسها قد تكون أحياناً بيئة إساءة بسبب العنف أو الاكتظاظ أو العقوبات الجسدية.

ويشير أيضاً إلى أن الجمع بين الدراسة والعمل أمر شائع، ففي غانا مثلاً يعمل نصف التلاميذ، ويدرس 70% من العاملين كذلك، بل حتى في الدول المتقدمة يعمل بعض الأطفال بعد انتهاء اليوم الدراسي أو في العطلات الدراسية، لذا فإن السياسة المثلى هي تنظيم أوقات الدراسة بما يتلاءم مع مواسم العمل الزراعي وتكييف المناهج لتشمل مهارات عملية.

ويضيف أنكر أن الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، وإن لم تُحتسب رسمياً كعمل، فإنها تشكل عبئاً يعوق تعليم البنات بشكل خاص، ولذلك ينبغي احتسابها في التحليلات.

من الناحية السياسية، يرى الباحث أن مقاربة مزدوجة مطلوبة، فمن جهة يجب إطلاق برامج خاصة تركز على القضاء على أسوأ أشكال العمل، أي الأعمل الخطرة والاستغلالية، ومن جهة أخرى ينبغي دمج الأعمال غير الخطرة ضمن سياسات التعليم ومكافحة الفقر والتنمية الاجتماعية.

ولنجاح هذه البرامج، يجب توفير أدوات حماية قانونية صارمة، وحوافز اقتصادية كالدعم المالي للأسر الفقيرة وخلق فرص عمل بديلة للكبار، وتحسين جودة التعليم باعتباره البديل الوحيد المقنع للعمل، إلى جانب التوعية والتعاون مع أصحاب العمل وقادة المجتمع لتغيير الأعراف التقليدية، ويشدد الباحث على أن المعرفة الدقيقة والبيانات الموثوقة ضرورية لتوجيه السياسات، خاصة في ما يتعلق بتقدير حجم الأعمال الخطرة.

باختصار يرى الباحث أن عمالة الأطفال ليست ظاهرة واحدة متجانسة؛ فبعض أشكالها مدمِّر ويجب القضاء عليه فوراً، وبعضها الآخر قد يكون مقبولاً إذا لم يضر بالصحة أو التعليم، والسياسة الناجحة هي التي تراعي فقر الأسر وجودة التعليم وسياق سوق العمل، وبذلك يتحول ملف عمالة الأطفال من مجرد شعار أخلاقي إلى استراتيجية تنموية لمكافحة الفقر وبناء رأس مال بشري يحقق نمواً اقتصادياً مستداماً.

لماذا ترتفع عمالة الأطفال في أمريكا بشكل صاروخي؟ | روبرت رايش

وفي بحث آخر بعنوان عمالة الأطفال من منظور إسلامي حاول الباحثان أبو طالب محمد مناور من جامعة مالايا بماليزيا، وديوان محبوب حسين من جامعة دكا في بنغلاديش أن يستنبطا الرؤية الإسلامية لعمالة الأطفال عبر العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال الفقهاء والمفكرين المسلمين.

يبيّن الباحثان أن عمالة الأطفال تحولت إلى ظاهرة عالمية معقدة، حيث يجتمع فيها البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فبينما تنظر إليها منظمات حقوق الإنسان على أنها انتهاك صريح لحقوق الطفل، ترى كثير من العائلات الفقيرة أنها وسيلة للبقاء على قيد الحياة وضمان الحد الأدنى من الدخل.

هنا يثور سؤال محوري: هل يمكن للإسلام أن يقدم تصوراً متوازناً يحمي حقوق الطفل ويستجيب للضرورات الاقتصادية والاجتماعية؟

يستعرض البحث الأدبيات التي تناولت عمالة الأطفال عالمياً، فالفقر هو السبب الأبرز الذي يدفع الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل، ويلي ذلك ضعف البنية التعليمية وعدم توافر المدارس أو بعدها عن المناطق الريفية، ثم استغلال أرباب العمل لرخص أجور الأطفال، كما أن التقاليد الاجتماعية في بعض المجتمعات تكرس فكرة أن الطفل يجب أن يساهم مبكراً في دخل الأسرة.

في مقابل هذه المعطيات، يقدم الإسلام صورة مشرقة لمكانة الطفل وحقوقه، فالقرآن الكريم والسنة النبوية يضمنان للطفل الحق في الحياة منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه، ويحظر الإجهاض إلا لضرورات قصوى، كما أن للطفل الحق في النسب والميراث والرعاية الصحية والتغذية السليمة والتعليم والتنشئة الأخلاقية، وقد كان رسول الله ﷺ مثالاً في رحمته بالأطفال، فكان يلاعبهم ويلاطفهم ويخفف صلاة الجماعة من أجل بكاء الصبي.

فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما،عن أبي هريرة “أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُقبِّلُ الحَسَنَ بنَ علِيٍّ، فقال الأقرَعُ بنُ حابِسٍ: إنَّ لي عَشَرةً مِن الوَلَدِ، ما قبَّلتُ منهم أحَدًا. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ”.

كل ذلك يدل على أن الإسلام يضع الطفل في موضع التكريم والرعاية، ويمنحه حقوقاً لا يجوز التعدي عليها.

في الوقت نفسه يولي الإسلام قيمة كبيرة للعمل، ويرى فيه عبادة وقربة إلى الله، شريطة أن يكون عملاً مشروعاً وخالياً من الظلم، وقد نصت النصوص الشرعية على وجوب دفع الأجر للعامل دون تأخير، وعلى منع تحميله ما لا يطيق، كذلك دعا الإسلام إلى مراعاة التوازن بين واجبات العامل وحقوقه، وبين مصالح صاحب العمل وكرامة الأجير.

لكن السؤال: كيف ينطبق هذا على الأطفال؟

هنا يميز البحث بين عدة مفاهيم، أولها العمالة الاستغلالية وهي استخدام الطفل كعامل في أعمال شاقة أو خطرة أو مضرة بصحته أو بنفسيته أو بمساره التعليمي، لذلك يحظر الإسلام هذا النوع من عمالة الأطفال، لأنه يندرج تحت قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.

وثاني هذه المفاهيم، أن التشغيل التربوي المفيد، هو إسناد مهام للطفل تساعده على تنمية مهاراته أو تمنحه دخلاً معقولاً دون أن تعرضه للضرر أو تحرمه من التعليم، مثل المساعدة في متجر العائلة بعد المدرسة أو تعلم مهارات حرفية خفيفة، وهذا النوع جائز ومطلوب إذا كان وسيلة للتربية العملية. 

وثالث هذه المفاهيم، أن الخدمة أو الأعمال البسيطة التي يؤديها الطفل في بيئته الطبيعية مثل مساعدة الوالدين في شؤون المنزل أو شراء حاجيات بسيطة، فجائزة شرعاً وتُعد جزءاً من التربية وتنمية الشعور بالمسؤولية.

أبرز مثال على ذلك هو خدمة الصحابي الجليل أنس بن مالك للنبي ﷺ لمدة تسع سنوات، فقد عُرف أن النبي كلفه بمهام بسيطة مثل حمل الماء أو العصا أو المِسواك، ولم يكلفه قط بما يرهقه، ولم يعنفه إذا قصر، بل كان النبي يناديه بأسماء تصغير محببة مثل أنيس وبنيّ، ويعامله كابن له، هذا النموذج يعكس كيف يمكن أن يكون عمل الطفل وسيلة للتربية والتعليم واكتساب الخبرة، لا أداة للاستغلال.

من خلال استقراء النصوص وآراء العلماء، يمكن استخلاص ضوابط واضحة، منها ألا يكون العمل في مجال محرم أو غير أخلاقي، وألا يتجاوز قدرات الطفل الجسدية أو يعرض صحته للخطر، وألا يحرم الطفل من التعليم أو يعيق نموه العقلي أو النفسي، مع ضرورة الحصول على موافقة الوالدين باعتبارهما المسؤولين عن رعايته، وأن يكون العمل محدداً من حيث طبيعة مهامه والوقت والأجر، وأن يراعى حق الطفل في اللعب واللهو الضروري لنموه النفسي والجسدي، وأن يعامل الطفل بالرحمة واللين لا بالقسوة أو العنف.

ويرى البحث أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على الدولة، بل تتوزع على أربعة مستويات مترابطة، الأول هو المستوى الفردي، حيث ينبغي على الطفل نفسه أن يتعلم منذ صغره القيم الإسلامية التي تساعده على التمييز بين ما ينفع وما يضر، بحيث لا يُستدرج إلى عمل يفسد دينه أو صحته.

والثاني هو المستوى الأسري، حيث تتحمل الأسرة مسؤولية حماية أبنائها وتوفير احتياجاتهم قدر الإمكان وتعليمهم وتربيتهم أخلاقياً، وأن توازن بين حاجتها المادية وحماية حقوق الطفل. 

والثالث هو المستوى المؤسسي أو الوظيفي، حيث يتحمل أصحاب العمل مسؤولية الالتزام بمبادئ الإحسان والرحمة، فلا يستغلون حاجة الأطفال، بل يوفرون لهم بيئة سليمة ويركزون على تعليمهم لا على إرهاقهم.

والرابع هو المستوى السياسي، حيث تتحمل الدولة مسؤولية سن القوانين المستندة إلى مقاصد الشريعة الإسلامية التي تحمي الطفل، مثل قاعدة “الضرر يزال”، كما يجب أن تعالج جذور المشكلة من فقر وبطالة وضعف تعليمي بدلًا من الاكتفاء بحظر شكلي لعمالة الأطفال.

ما يميز الرؤية الإسلامية هو أنها لا تقتصر على القوانين أو الجوانب المادية، بل تضيف بعداً روحياً وأخلاقياً، فالمعاملة بالرحمة والإحسان جزء من العبادة، والسعي لتحقيق مصلحة الطفل ليس واجباً اجتماعياً فحسب، بل وسيلة لنيل رضا الله، هذا البعد يجعل الرؤية الإسلامية أكثر شمولية، لأنها تجمع بين الدافع المصلحي والدافع الإيماني.

ورغم وضوح الرؤية الإسلامية، يبقى التطبيق صعباً في كثير من الدول الإسلامية بسبب الفقر والبطالة وضعف التعليم، وقد تضطر الأسر المعدمة إلى إرسال أبنائها إلى العمل حتى لو كانت تعرف أن ذلك لا يتماشى مع تعاليم الإسلام، لذا يوصي البحث بالتركيز على القضاء على عمالة الأطفال الخطرة بدلاً من السعي غير الواقعي للقضاء على كل أشكال عمالة الأطفال، بمعنى آخر، الهدف هو حماية الطفل من الاستغلال والأذى لا حرمانه من كل تجربة عملية مفيدة.

وقد خلص البحث إلى أن الموقف الإسلامي لا يختلف كثيراً عن الموقف الدولي المعاصر، فالإسلام يُحرٍِّم عمالة الأطفال الخطرة والاستغلالية، لكنه لا يمنع مشاركة الطفل في أعمال خفيفة مفيدة تعلمه المسؤولية وتعين أسرته الفقيرة، بشرط ألا تتعارض مع تعليمه أو صحته أو كرامته، في رؤية وسطية لعمالة الأطفال، دون إفراط يسمح بكل أشكال العمالة، ودون تفريط يحظر كل عمل.

هل تقتل المدارس الإبداع؟ | السير كين روبنسون | تيد

وفي نظرة نقدية لنظم التعليم السائدة عالمياً يؤكد السير كين روبنسون في محاضرة له بعنوان هل تقتل المدارس الإبداع؟ – على قناة تيد في يوتيوب – على أن المجازفة هي كلمة السر في التعليم الفعال الذي يترك أثراً إيجابياً في المتلقي، فالأطفال بطبعهم لا يخافون الخطأ، بل يجربون، ويخطئون، ثم يحاولون مجدداً، لكن مع مرور الوقت، ومع أنظمة التعليم الصارمة، تنكمش فيهم هذه الجرأة، وفي المقابل يخشى الكبار من الوقوع في الخطأ، وتُدار أماكن الدراسة والعمل بروح عقابية تُجرِّم الزلل، لتكون النتيجة أن يكبر الناس وقد فقدوا القدرة على الإبداع، لأنهم لم يعودوا مستعدين لأن يكونوا مخطئين.

ويذكر هنا روبنسون مقولة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو يقول فيها إن “كل الأطفال يولدون فنانين، لكن المشكلة هي كيف نظل فنانين ونحن نكبر”، وهذا بالضبط جوهر الفكرة، فالتعليم التقليدي لا يوسع آفاق الإبداع، بل غالباً يضيّقها حتى تنطفئ.

ويرى روبنسون أن كل أنظمة التعليم في العالم تتبنى تقريباً الهيكل نفسه، حيث تكون الرياضيات واللغات في القمة ، ثم تليها العلوم الإنسانية، وفي أسفل الهرم الفنون، وحتى داخل الفنون، تحظى الموسيقى والفنون التشكيلية بمكانة أعلى من المسرح والرقص، هذا الترتيب الهرمي عالمي، ولم يظهر اعتباطاً، بل نتيجة ارتباط التعليم منذ القرن التاسع عشر باحتياجات الثورة الصناعية.

كان الهدف حينها إعداد أيدٍ عاملة مؤهلة، ولذلك اعتُبرت المواد المرتبطة بالعمل والإنتاج أكثر أهمية، فالموهبة الفنية كالعزف والرسم والرقص لم تكن تُقدَّر، لأنها لا تفضي مباشرة إلى وظيفة، وهكذا حُرِم ملايين الأطفال من تطوير مواهبهم لأن المدرسة دفعتهم بعيداً عنها، بحجة أنهم “لن يجدوا عملاً في هذا المجال”.

اليوم، تغير العالم جذرياً، ولم يعد ممكناً أن نحصر المستقبل في الصناعات التقليدية أو المهن المحكومة بالتصنيفات القديمة، فالثورة الرقمية والتقنية غيّرت خريطة العمل، ومع ذلك لا يزال التعليم أسيراً لتلك البنية الهرمية العتيقة.

يتساءل روبنسون فيقول: لو جئنا من خارج المنظومة التعليمية وسألنا عن الهدف النهائي من التعليم العام، لكان الجواب ببساطة إعداد أساتذة جامعيين، فالنظام بأسره يبدو وكأنه قناة طويلة المدى تنتهي في الجامعة، حيث تُقاس القيمة العليا بالقدرة الأكاديمية البحتة.

لكن هذا التصور يظلم الملايين من البشر الموهوبين الذين لا يتوافقون مع معايير الجامعة التقليدية، وكثيرون ممن يملكون مواهب عظيمة في الفن، أو التفكير الحركي، أو الابتكار العملي، وُصِموا في المدارس بأنهم فاشلون، لأنهم لم يتفوقوا في المواد الأكاديمية، لذلك كانت النتيجة أن ذكاءهم لم يُعترف به، وإبداعهم لم يُنمَّ، فخرجوا من المنظومة وهم مقتنعون بأنهم أقل قيمة.

اليوم نشهد ما يسميه روبنسون التضخم الأكاديمي، ففي الماضي، كانت الشهادة الجامعية تفتح أبواب العمل، أما اليوم، فهي بالكاد تؤهلك للبقاء في الطابور، إذ أصبح الماجستير مطلوباً حيث كان يكفي البكالوريوس، والدكتوراه مطلوبة حيث كان يكفي الماجستير، لدرجة أن ملايين الشباب يتخرجون سنوياً، ومع ذلك يظلون عاطلين، لأن سوق العمل تغير جذرياً، هذا الانفجار الكمي جعل الشهادة أقل قيمة، وأثبت أن ربط التعليم حصراً بالقدرة الأكاديمية لم يعد صالحاً.

يرى روبنسون أن إعادة التفكير في التعليم تتطلب إعادة النظر في مفهوم الذكاء نفسه، فالذكاء متنوع، ولا يقتصر على التفكير المنطقي-اللغوي، بل يشمل التفكير البصري، والحركي، والموسيقي، والاجتماعي، والعاطفي، فنحن نفكر بأجسادنا كما نفكر بعقولنا.

كما أن الذكاء ديناميكي، وغالباً ما ينشأ من التفاعل بين أنماط مختلفة من التفكير، فالدماغ ليس مقسماً إلى صناديق معزولة، بل يعمل كوحدة متكاملة.

إضافة إلى أن الذكاء متفرد، فلكل شخص طريقة فريدة في التفكير والتعبير، وما يناسب أحدهم قد لا يناسب الآخر.

واحدة من أقوى القصص التي يسردها روبنسون هي قصة جيليان لين، مصممة الاستعراضات الموسيقية الشهيرة التي تقف خلف أعمال مثل قطط وشبح الأوبرا، التي كانت في طفولتها تُوصف بالفشل الدراسي وكثرة التململ، وظنت المدرسة أنها تعاني من اضطراب في القدرة على التحصيل، فأحالها الأهل إلى مختص، لكن الطبيب لاحظ شيئاً مهماً، فحين تُركت وحدها مع الموسيقى، راحت تتحرك بجسدها بانسجام، كأنها تفكر من خلال الحركة، وأدرك الطبيب أنها ليست مريضة، بل لديها ذكاء حركي بالفطرة، ومن هناك بدأت مسيرتها الفنية، هذه القصة تلخص جوهر رسالة روبنسون التي تقول إن المواهب لا تختفي، بل تُهدر لأننا لا نعرف كيف نراها.

يخلص روبنسون إلى أن نظامنا التعليمي الحالي لم يعد مناسباً لعصرنا، فهو مصمم لعصر الثورة الصناعية القديم، بينما نعيش حالياً ثورة معرفية وتقنية، وإذا واصلنا تدريس أطفالنا بالطريقة نفسها، فإننا نحكم على أجيال كاملة بأن تكون غير مستعدة للمستقبل.

لذلك نحتاج إلى ثورة تعليمية لا مجرد إصلاحات سطحية، ثورة تعترف بأن التعليم يجب أن يكون بيئة غنية تتيح لكل طفل اكتشاف مواهبه الخاصة، لا مجرد قناة لإنتاج عمال وأساتذة. 

يذكرنا روبنسون بأن التعليم ليس مسؤولية تقنية فقط، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، فأطفال اليوم هم الذين سيرون المستقبل الذي قد لا نراه نحن، ومهمتنا ليست أن نُعِدَّهم لحاضرنا، بل أن نساعدهم على بناء مستقبلهم، وأن نحافظ على ثراء طاقتهم الإبداعية، فلا نطفئها بالخوف من الخطأ، ولا نقيّدها بهرم المواد الجامدة، ولا نُقصيها خارج أسوار القدرة الأكاديمية.

لذلك ​​إذا أردنا فعلاً أن نبني عالماً أفضل، فعلينا أن نعيد تعريف الطفولة، ليست الطفولة مرحلة يجب أن نحميها من كل تجربة عملية، وليست أيضاً فترة يمكن أن تُستنزف باسم الإنجاز أو الأرباح، إنها مرحلة زرع الإمكانات.

حين نُوفّر للأطفال بيئة متوازنة تحميهم من الاستغلال وتفتح لهم أبواب التعلم واللعب والإبداع، فإننا لا نحميهم فقط، بل نستثمر في مستقبل البشرية كلها.

أنواع المدارس في ألمانيا
Rand Saad
Rand Saadhttp://www.qawl.com
لم تكن تدري أن فن العمارة سيفتح لها باباً آخر تصمم فيه مدخلاً لجمهور المنصات، ونافذةً للتفاعل والآراء، ومشربية تحد من الجهل، وقوس متكأ على أعمدة العلم والمعرفة، لتصبح حجر زاوية للجميع.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية