كنتُ قد عزمت على حج عام 1425هـ الموافق 2005 ميلادياً، على أن ترافقني أختي بصفتي مَحرماً لها، وقدّمنا في إحدى الجمعيات المصرية المنظمة للحج ودفعنا الرسوم بالفعل التي كانت على ما أذكر في حدود 15 ألف جنيهاً، أي ما يعادل 2600 دولار عن كل واحد منا في ذلك الوقت، لكن بعد أن حصلنا على الموافقة، عُرضت عليّ فرصة عمل كمدرب على أحد برامج المونتاج في السعودية من وكيل شركة سوني في مصر أثناء زيارتي لمعرض أقيم في القاهرة لعرض أحدث تقنيات أجهزة البث التلفزيوني.
كنت أشعر بالحيرة، هل أقبل عرض العمل وأضيع فرصة الحج التي تمت الموافقة عليها لي ولأختي؟
ثم الأخطر، هل أنا آثم إن تركت فريضة الحج التي تيسرت لي في هذا العام؟ والله تعالى يقول في سورة آل عمران “… وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”، وهل أنا قاطع رحم إن ضيعت على أختي فرصة حج صعبة التكرار، كوني مَحرمها المتاح؟ فقد حج زوجها بالفعل من قبل، ولا يستطيع توفير نفقات الحج لهما معاً هذه المرة.
وبعد أسابيع قليلة، اتضح أن أختي سترزق قريباً بطفل بعد طول انتظار، وبالتالي لن تتمكن من الذهاب إلى الحج في هذا العام.
فتواصلنا مع الجمعية واسترددنا أموالنا بعد أن ألغينا الحج، ثم حصلتُ على تأشيرة زيارة للسعودية من جهة العمل في الرياض مختوم عليها “ممنوع عليه الحج لهذا العام”، كوني ذاهباً إلى الرياض قبل بداية مناسك الحج بأقل من شهر فقط، وهذا إجراء تنظيمي معتاد لغلق أي باب خلفي لقيام بعضهم بالحج دون تصريح رسمي، منعاً لتكدس أعداد تفوق قدرة الدولة على تنظيم الحج ورعاية الحجيج.
قبلت بالأمر الواقع، إلى أن أبلغني ثلاثة زملاء مصريين في العمل قبل الحج بأسبوعين أنهم ذاهبون لأداء المناسك، فهل أرغب في أن أكون رابعهم؟ فأجبتهم بأني ممنوع رسمياً من حج هذا العام، فقالوا إنه مجرد إجراء روتيني لا ضرورة للاتزام به حرفياً على من هو متواجد بالفعل داخل السعودية، سألتهم: ولكن كيف؟ قالوا: نحجز مع حملة حج محلية.
دفعت المبلغ المطلوب وهو 4000 ريال أي ما يعادل وقتها حوالي 6000 جنيه شاملة التنقل ذهاباً وإياباً والمبيت والأكل، أي قرابة ثُلث التكلفة الأرخص للحج من مصر، وأخذنا تطعيمات الحجيج المطلوبة، وانطلقت بنا الحافلة من الرياض التي كان يقودها لأكثر من 10 ساعات كهل سوري مرح ذو لهجة بدوية لم أعهدها من قبل، علمتني السنون فيما بعد أنه غالباً كان من دير الزور، قاطعين قرابة 800 كيلومتر إلى أن وصلنا إلى منطقة السيل الكبير وهو ميقات أهل الرياض.
نزلت من الحافلة في أول استراحة بقدمين متورمتين من طول فترة الجلوس، لكن مشاعر الفرح مع نية الإحرام والتلبية ببدء مناسك الحج والعمرة قارناً كانت لا توصف.
وعند طواف القدوم إلى بيت الله الحرام ورؤية الكعبة لأول مرة انتابني شعور بالدهشة من برودة مشاعري، كنت أتوقع دموع الخشية أو الفرح، لكنها لم تأتي، فقد كنت منهمكاً في تأدية المناسك على أكمل وجه أجده في كتيب المناسك، كأنني في مارثون رياضي أحاول أن لا أخالف قواعده.
شاهدت العشرات ممن يتمسحون بجدران الكعبة ويتعلقون بأستارها وهم يدعون ويبكون بحرقة، لكن كل هذا لم يؤثر في، فازددت قلقاً على حالي، حتى أنه عندما سنحت لي فرصة الوصول إلى الحجر الأسود مسحته بيدي ولم أقبله تجنباً لآثار ملايين الشفايف التي قَبّلته من قبل، وتذكرت مقولة عمر بن الخطاب الذي سميت بعد أقل من سنتين ابني الأول على اسمه “وَاللَّهِ، إنِّي لأُقَبِّلُكَ، وإنِّي أَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، وَأنَّكَ لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ”.
طفت أول شوط أو شوطين في الصحن، ثم تجنبا لشدة الزحام صعدت الدرج إلى الطابق الأخير، كان الزحام أقل، لكن الدائرة أوسع والطواف أطول، دخلت معه في انعزال تام عن أمواج البشر المحيطة، وصفاء ذهني لم أعهده من قبل، وتأمل روحاني تحمله قدمان منهكتان تدغدهما لذة ملامسة الرخام البارد في شهر يناير.
ثم كان السعي سبع مرات بين جبلي الصفا والمروة مشياً وهرولة الذين اكتسى معظمهما بالبلاط الفاخر، فلم يبقَ ظاهراً للعيان منهما إلا شيء يسير من قمتهما، ولأغتنام الفرصة بين حين وآخر بالنظر إلى الكعبة من بعيد، لا يقطعه سوى صياح عامل نظافة أسيوي يمسح البلاط قائلاً بعربية مكسورة “طريق يا حاج!”، فأتساءل: تُرى ما الذي بينه وبين الله ليحظى من بين 2 مليار مسلم بهذه الوظيفة في بيت الله؟ وهل لقب “حاج” الذي نادني به مستحق عند الله فعلا؟ فأروي عطش أسئلتي بكوب من ماء زمزم الموزعة حاوياته في كل زاوية وركن.
وعندما حان يوم التروية في ثامن أيام شهر ذي الحجة، خرجت مع حملتي في الحافلة من مكة إلى منى وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وبتنا بها ليلة، ثم نقلتنا الحافلة من منى إلى عرفة بعد طلوع شمس يوم عرفة الموافق التاسع من ذي الحجة، وبقينا على صعيد جبل عرفات إلى أن أُذّن لصلاة المغرب.

ثم نزلت بنا الحافلة من عرفات متجهة إلى مشعر مزدلفة، ببطء شديد كقطر العسل جراء زحام الحافلات المتراصة والراجلة من البشر، وبت فيها مستلقياً على سجادة متوسطة الحجم فرشها إخوة سعوديون بجوار الحافلة ونحن جميعاً ملتحفون بالسماء، وذلك بعد أن جمعت من حصبائها 49 حصاة، منها 7 حصوات لجمرة العقبة يوم النحر، و21 للجمرات الثلاث في ثاني أيام العيد، ومثلها في ثالث أيام العيد، وأثناء تجاذبنا لأطراف الحديث صاح شاب سعودي منادياً: من ذا الذي أطلق على بولتوث جواله “أوكيه بالباب”؟ لم أفهم ماذا يقصد، ثم انتبهت وقلت له ربما تقصد Okbelbab؟ قال:نعم، قلت له: إنه أنا، هذا لقب عائلتي “عقب الباب” وليس “أوكيه بالباب”، فانفجر كلانا في الضحك.
في يوم النحر كان رمي جمرة العقبة سهلاً ميسراً، ثم ذهبنا لبيت الله الحرام لأداء طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، وهو ما تدربت عليه سابقاً في طواف القدوم.
لكن في اليوم التالي، أي في أول أيام التشريق الموافق للحادي عشر من ذي الحجة، عندما ذهبت مع زملاء عملي المصريين الثلاثة لرمي الجمرات الثلاث الكبرى والوسطى والصغرى كانت الحشود في منى أضخم مما نتوقع، وأفلتت أيدينا من بعضنا البعض، وذهب كل منا في طريقه مع تيار البشر الجارف، ولم أعد أرى أحداً منهم، كنت مضغوطاً بين الحشود التي لا يوجد فيها فاصل بيني ومن هو أمامي أو خلفي، بدأ الرعب ينتابني، فلم أعد أستطيع التقدم أو التأخر أو الخروج، حتى قدماي بت لا أراهما، فقط أشعر أنهما تلامسن الأرض، وأحياناً تخطوان على أشياء لا أعرف كنهها، ربما حقيبة ظهر أو سجادة مطوية، تركها اضطراراً بعض من أقدموا على الحج من فقراء المسلمين دون قدرة على توفير مأوى.
وفجأة، سقط أمامي ما لا يقل عن عشرة أشخاص من كبار السن من المسلمين الهنود، فحاولت جاهداً أن لا أسقط معهم أو أمشي فوقهم، هنا بدأ البعض يقفز فوقهم مثل قرود هائجة فرت من قسورة، وأنا في حالة من الرعب أكاد أجزم معه أن ساعتي قد حانت.
وسط هذا الكم من المسلمين العجم تذكرت كعربي أني بالأربعمائة مليون من بني جلدتي بمسلميهم وغير مسلميهم أنتمي فعلياً لأقلية صغيرة جدا في أمة الإثنين مليار مسلم، فطفقت أبحث عن لغة تواصل معهم تحد من هذا الهرج، فلم أجد سوى أن أصيح بأعلى صوتي بمفردة “السكينة” القرآنية التي للأسف لم يلتقطها مني أحد وسط هذا الهرج الصاخب.
قررت أن أغادر المكان فوراً دون أداء هذا النسك، لكن أنّى لي الخروج من هذا الطوفان البشري؟ ثم وجدتني بالقرب من ظهر جندي سعودي يمنع هو وصفُّ طويل من زملائه دخول المزيد من الحجاج، فربت على كتفه مشيراً إليه بأني أريد الخروج، فسمح لي، وعدت إلى خيمتي في منى انتعل حذاءً واحداً بعد أن خُلع الآخر من قدمي، ولم أجرؤ وسط هذا الزحام على أن أنحني لألتقطه.
سألني من في الخيمة: هل رميت الجمرات؟ قلت له: وهل شكلي يوحي بذلك؟ ضحك الجميع وأنا أقول إنني لن أؤدي هذه الشعيرة، وسأُنيب عني من يقوم بها، أو أقدم ذبيحة، هنا انبرى أحدهم قائلاً: تنيب عنك أو تقدم ذبيحة؟ هل أنت امرأة أو رجل مسن؟ كم عمرك؟ أجبته 35، فضحك أكثر، ثم قال: هل تخشى الموت في مكان كهذا؟ يالها من ميتة يتمنها أي مسلم.
تأثرت بكلامه واستجمعت قواي وذهبت هذه المرة مع شاب فلسطيني، لكن عندما اقتربنا من الحشود تذكرت لحظات الرعب وعدت مجدداً إلى الخيمة، وبدأ حفل التحفيز الساخر مرة أخرى.
ثم في المحاولة الثالثة انطلقت مع ثلاثة شبان سعوديين ومصري عجوز من النوبة، وكان الزحام قد خف، فرميت الجمرات الثلاث بسرعة البرق، ثم عدت أدراجي سريعاً.
وفي آخر يوم اتمت طواف الوداع، وأخذت الحافلة إلى مدينة الرياض، لكن لم تكتمل فرحتي بزيارة المسجد النبوي بسبب الأمطار الشديدة، وهو ما قمت به بعد ذلك بعدة سنوات منطلقاً من الدوحة في دورة تدريب بالتعاون مع مؤسسة إعلامية بريطانية قدمتها في تلفزيون الرياض، وانتهزت إجازة نهاية الإسبوع لآخذ الطائرة إلى مدينة رسول الله ﷺ، والوقوف بين يديه مُسَلّماً عليه وعلى صاحبيه.
في مقاله هل مناسك الحج وثنية؟ من كتابه المشهور حوار مع صديقي الملحد (1970)، يغوص الدكتور مصطفى محمود في دهاليز التساؤلات الفلسفية والدينية، حيث يعرض، بأسلوبه المتّقد بالتأمل، تساؤلاً لطالما تردد على ألسنة المشككين، وهو أليست مناسك الحج ممارسات وثنية مستترة؟
يبدأ الحوار على نحو مسرحي، إذ يصف الدكتور صاحبه وهو يفرك يديه نشوة، ويبتسم ابتسامة خبيثة كمن يستعد لتوجيه ضربة قاضية، ثم يسأل “أليس الطواف حول الكعبة، وتقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمرات، والهرولة بين الصفا والمروة، والتقيد برقم سبعة، ما هو إلا امتداد لخرافات وأساطير الطلسم القديم؟ ويتساءل بازدراء عن لباس الإحرام، قائلاً إنه أشبه بكفن على اللحم!”.
لكن الدكتور، وفي هدوء العلماء، يرد ببصيرة العارف قائلاً “ألا ترى أنت أيضاً أن في قوانين الطبيعة ذاتها طوافاً أزلياً؟ فالإلكترون يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس، والشمس حول المجرة، حتى تنتهي الرحلة إلى الأكبر المطلق… إلى الله”.
فإذا كان الصغير يدور حول الكبير في الكون، فلمَ يُستثنى الإنسان؟ نحن نطوف باختيارنا حول بيت الله، أول بيت وُضع للناس، بينما أنت تطوف مجبراً ضمن مجموعتك الشمسية، إن كل شيء في هذا الكون في حركة دائرية إلا الله، هو وحده الساكن الصامد.
ثم يضرب الدكتور مثلاً ملجماً قائلاً “ألستم أنتم من تطوفون حول ضريح محنط في الكرملين؟ أليست لكم طقوس تضعون فيها باقة ورد على حجر يسمونه الجندي المجهول؟ فلمَ تلوموننا على أن نقذف حجراً إلى رمز الشر؟ أليست حياتكم نفسها هرولة من الميلاد إلى الموت؟ وهذا هو تماماً ما نحياه في سعينا بين الصفا والمروة، من العدم إلى الوجود، ومن الوجود إلى العدم، رحلة بندولية تشبه دورة الحياة نفسها”.
أما رقم سبعة، الذي سخر منه الصديق، ففيه من أسرار الخلق ما يُحير العقل، فالسلم الموسيقي بسبعة مقامات، والطيف الضوئي بسبعة ألوان، وعدد مدارات الإلكترونات في الذرة سبعة، والجنين لا يكتمل نموه إلا في الشهر السابع، وأيام الأسبوع سبعة، رغم اختلاف اللغات والثقافات، أليس في ذلك كله ما يدل على رمز كوني أعمق من مجرد رقم؟
ويتساءل الدكتور بشيء من الشجن: ألست تتلقى رسالة من حبيبتك فتقبل الورقة التي كتبتها؟ فهل أصبحت بذلك وثنياً؟ نحن لا نعبد الحجر الأسود، بل نوقّر المعنى، ونحفظ الذاكرة، ونتبع خطى نبي حمله بيديه الطاهرتين.
مناسك الحج ليست شعائر جامدة، بل طقوسٌ تبعث الفكر، وتحرك القلب، وتوقظ الضمير، أما لباس الإحرام، فليس مجرد ثوب أبيض، بل رمز للتجرد من الزينة والمناصب والثراء، تمامًا كما نأتي إلى الدنيا عراة ونغادرها ملفوفين في كفن، إنه إعلانٌ صامت بأن لا أحد فوق أحد أمام الله، الغني والفقير سواء، الملك والعامة سواء.
الحج، إذن، ليس فقط عبادة فردية، بل مؤتمر سنوي عالمي، تتلاقى فيه الأرواح والوجوه، وتذوب فيه الفروق، تماماً كما تتلاقى في صلاة الجمعة أرواح المؤمنين كل أسبوع. وما أبعد هذه الروحانية السامية عن الوثنية!
وفي لحظة الختام، يدعو الدكتور صاحبه، ولو مرة، أن يقف معه على جبل عرفات، في حضرة ملايين البشر، يرددون “لبيك اللهم لبيك”، بلغات تتجاوز العشرين، بقلوب تذوب خضوعًا، وأعين تفيض بالدموع، فلو شهد المشهد، لبكى هو أيضاً دون أن يدري، وتلاشى في الجمع، شاعراً بفيض إلهيّ لا يوصف، أمام مالك الملك، الذي بيده مقاليد كل شيء.
الحج في الإسلام هو رحلة إيمانية عظيمة، تجمع بين الروحانية والطاعة، وتُجسد وحدة المسلمين وتلاحمهم، فهو الركن الخامس من أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المسلمين في السنة التاسعة للهجرة، كما جاء في قوله تعالى من سورة آل عمران، “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”.
وقد حج رسول الله ﷺ مرة واحدة في حياته، وهي حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، حيث علّم المسلمين مناسك الحج، وألقى خطبته الشهيرة التي أتم فيها قواعد وأساسات الدين الإسلامي.
الحج ليس مجرد طقوس تؤدى، بل هو مدرسة تربوية جامعة، يتعلم فيها المسلم الصبر والتواضع والتجرد من الدنيا، ويشعر فيها بوحدة الأمة الإسلامية، حيث يجتمع المسلمون من شتى بقاع الأرض في مكان واحد، يؤدون نفس المناسك، ويرددون نفس التلبية.
ومن فوائد الحج أيضاً أنه يغفر الذنوب، ويطهر النفس، ويجدد العهد مع الله، حيث يروي البخاري أن رسول الله ﷺ قال: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.
وهكذا، يظل الحج رحلة روحانية عظيمة، تسمو بالنفس، وتغسل الذنوب، وتُجسد معاني التوحيد والوحدة بين المسلمين.

وقد لفت انتباهي مقال في موقع المنار عن شكل الحج قديماً، حيث كانت فيه رحلة الحج مغامرة محفوفة بالمخاطر، نظراً لما كانت القوافل تجوبه من صحاري شاسعة، فتواجه العطش وقطاع الطرق، وقد كانت الدولة العثمانية تولي اهتماماً بالغاً بتيسير هذه الرحلة الروحية، فقد نظمت قوافل الحج، وأقامت الحصون، وحفرت الآبار، وبنت الخانات على طول الطرق، وعينت أمراء للحج يشرفون على شؤون القوافل، ويتولون أحيانًا قيادة الجيوش المرافقة لحمايتها.
كانت القوافل تضم حجاجاً من مختلف الطبقات الاجتماعية، من الأمراء والأثرياء إلى الفقراء والمعدمين، حيث كان الأثرياء يركبون هوادج الجِمال والخيول، بينما يقطع الفقراء الطريق مشياً على الأقدام، وكانت القوافل تحظى بترحيب وحفاوة من الأهالي والمسؤولين في الولايات التي تمر بها، حيث يسلمون أمير الحج أموال الأوقاف والهدايا المرسلة إلى الحرمين الشريفين.
وكانت الدولة العثمانية ترسل مع القوافل “الصرة الهمايونية”، وهي هدايا سلطانية توزع على أهل المدينة وأشرافها، ويتقدم موكب الحج “المحمل الشريف”، وهو مجسم للكعبة المشرفة موضوع على ظهر بعير، يرافقه “السنجق”، علم رسول الله ﷺ.
وكانت قوافل الحج تنطلق من مختلف أنحاء الدولة العثمانية، مثل قافلة الحج الشامي التي تضم حجاج بلاد الشام والجزيرة وأذربيجان والقوقاز والأناضول والبلقان، وقافلة الحج المصري التي تضم حجاج مصر وشمال إفريقيا، وتحمل معها المحمل المصري وكسوة الكعبة المشرفة الجديدة، وقافلة الحج العراقي التي تضم حجاج العراق وفارس، وقافلة الحج اليمني التي تضم حجاج اليمن والهند وماليزيا وإندونيسيا.
وكانت الأفراح تبدأ في منزل الحاج منذ اختياره في قرعة الحج، حيث يستمر الغناء بالدفوف والزغاريد حتى موعد مغادرته إلى الأراضي الحجازية، وتبدأ الاستعدادات للرحلة الطويلة بتجهيز الملابس، وإعداد الأطعمة الجافة التي سيحملها معه، مثل “الدقة” المصنوعة من السمسم المحمص، والملوخية اليابسة، والخبز الشمسي المحمص، والجبن القريش.
وكان التراث الشفهي المصري مليئاً بالأغاني والأناشيد التي يودع بها الناس الحجاج ويستقبلونهم بها، مثل: “طرف شال الحجيج أبيض من العلامة/ وأبيض من لبن الحليب يا حاج يوم السلامة”.
وكانت كسوة الكعبة من أشهر العادات السنوية التي يتنافس الحكام والسلاطين المسلمون على نيل شرفها، حيث كان موكب المحمل الذي يحمل كسوة الكعبة والهدايا يصل إلى مكة المكرمة براً من مصر، وسط احتفالات كبيرة.
وهكذا، كانت رحلة الحج في العصور القديمة تجربة روحانية واجتماعية وثقافية فريدة، تعكس وحدة المسلمين وتلاحمهم، وتُظهر اهتمام الدولة بتيسير أداء هذه الفريضة العظيمة.
وفي إطار استعدادات المملكة العربية السعودية لموسم الحج، أعلنت وزارة الحج والعمرة في الدليل الإرشادي لشروط وآلية تسجيل الحجاج من داخل المملكة (2022) عن الشروط والضوابط المنظمة لأداء هذه الفريضة، وذلك لضمان سلامة الحجاج وتيسير أداء المناسك في أجواء من الطمأنينة والسكينة.
وتؤكد الوزارة على ضرورة أن يكون المتقدم لأداء الحج مواطنًا أو مقيمًا إقامة نظامية داخل المملكة، وألا يزيد عمره عن 65 عاماً، مع إعطاء الأولوية لمن لم يسبق له أداء فريضة الحج، كما يشترط أن يكون المتقدم مكتمل التحصين وفقاً لتطبيق “توكلنا”، وأن يتمتع بحالة صحية مستقرة تؤهله لأداء المناسك دون مشقة.
تتم عملية التسجيل عبر المسار الإلكتروني أو تطبيق “اعتمرنا”، حيث يُطلب من المتقدمين إدخال بياناتهم الشخصية واختيار الباقات المناسبة لهم، مع إمكانية إضافة مرافقين في نفس الطلب، وبعد انتهاء فترة التسجيل، تُجرى قرعة إلكترونية عشوائية لاختيار المرشحين لأداء الحج، ويتم إشعار المقبولين عبر رسائل نصية، على أن يتم سداد الفاتورة خلال 48 ساعة من الإشعار.
وتشدد الوزارة على أهمية مراجعة الطبيب قبل السفر للتأكد من استقرار الحالة الصحية، وأخذ التحصينات الضرورية قبل الحج بوقت كافٍ، خاصة لمن يعانون من أمراض مزمنة، كما يُنصح بالاهتمام باللياقة البدنية وتجهيز حقيبة تحتوي على المستلزمات الطبية الأساسية، بالإضافة إلى الالتزام بمرافقة المجموعة طوال الرحلة وحمل بطاقة نسك الذكية وبطاقة عنوان السكن المخصص.

تأتي هذه الإجراءات في إطار حرص المملكة على توفير بيئة آمنة وميسرة لضيوف الرحمن، بما يضمن أداءهم للمناسك بكل يسر وسهولة.
ونقلت الجريدة الرسمية أم القرى في المملكة العربية السعودية أن الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة ونائب رئيس لجنة الحج المركزية، خلال إطلاق حملة “الحج عبادة وسلوك حضاري” في موسمها السادس عشر تحت شعار “لا حج بلا تصريح”، أن أنظمة الحج ستُطبق بصرامة على المخالفين، ولن يُسمح لأي شخص بأداء الحج دون تصريح رسمي.
وأشار إلى أن الحملة ساهمت في الأعوام السابقة في كشف الحملات الوهمية، وتقليص أعداد الحجاج غير النظاميين، مما حسن مستوى الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وأتاح لهم أداء المناسك في راحة وسكينة. كما ثمّن دعم القيادة السعودية وحرصها على أمن وسلامة الحجاج، مشيداً بفتوى هيئة كبار العلماء التي حرّمت الحج دون تصريح، لما في ذلك من اعتداء على النظام العام وإضرار بالحجاج النظاميين.
من جانبه، أعلن مدير الأمن العام الفريق محمد البسامي جاهزية قوات الأمن كافة لموسم الحج، مبيناً أن رجال الأمن بدأوا فعلياً ضبط مداخل مكة منذ 15 شوال، ولن يُسمح لأي شخص بتجاوز الميقات دون تصريح، كما تم إعداد خطط ميدانية لمسح دور الإيواء في مكة لضبط المخالفين، بالتنسيق مع وزارة الحج والعمرة.
وقد أعلنت وزارة الداخلية السعودية عن بدء تطبيق العقوبات النظامية بحق مخالفي تعليمات وأنظمة الحج، وذلك على كل من يُضبط داخل مدينة مكة المكرمة، المنطقة المركزية، المشاعر المقدسة، محطة قطار الحرمين بالرصيفة، مراكز الضبط الأمني، مراكز الفرز، والمراكز الأمنية المؤقتة، دون حمل تصريح حج.
وأكدت الوزارة أن غرامة مالية قدرها 10 آلاف ريال ستُفرض على كل مواطن أو مقيم أو زائر يُضبط داخل النطاق الجغرافي المذكور دون تصريح حج، وفي حالة تكرار المخالفة، تُضاعف الغرامة لتصل إلى 20 ألف ريال. كما أوضحت أنه سيتم ترحيل المخالفين من المقيمين بعد تنفيذ العقوبة، مع منعهم من دخول المملكة لمدة تُحدد وفقا للنظام.
كما نبهت إلى أن من يُضبط ينقل مخالفين لا يحملون تصاريح حج، سيُعاقب بالسجن لمدة تصل إلى 6 أشهر، وغرامة مالية تصل إلى 50 ألف ريال ومصادرة وسيلة النقل بحكم قضائي، وترحيل الناقل إذا كان وافداً، مع منعه من العودة للمملكة لفترة زمنية يحددها النظام، وتُحتسب الغرامة عن كل مخالف منقول على حدة، مما يعني مضاعفة العقوبة بعدد المخالفين.
كان ولا يزال شعار الزائر لبيت الله الحرام “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك” شعاراً خالداً يفتح الباب لكل مسلم، لكن الضرورات تبيح المحذورات، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وهو ما نراه في قوله تعالى من سورة البقرة”يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ …”، فلا يقبل شرعاً فتح الباب على مصرعيه أمام كل المسلمين البالغ عددهم 2 مليار مسلم لأداء فريضة الحج في العام نفسه، وإلا هلك الناس.




