spot_imgspot_img
بيتإسلامياتفريضة الزكاة ومصارفها وشروطها

فريضة الزكاة ومصارفها وشروطها

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعطي الإنسان شيئاً دون مقابل، سواء آجلاً أو مُسبقاً، حتى علاقة الحب بين طرفين لا تستقيم دون أن يحترق العاشق فيها إلى عشق مقابل، وما أتعس علاقة حب من طرف واحد، يتمنى فيها المرء الخلاص من عذاب هذا التعلق النفسي والإدمان المَرضي.

وحتى الأعمال التطوعية دون مقابل مادي لا تخلو من أن يَنتظر المتطوع في مقابلها تقديراً معنوياً أو تكريماً رمزياً أو اعترافاً علنياً. 

هذا المقابل قد يكون لاحقاً، فيعطي الإنسان طمعاً في الثمن المأمول والأجر الموعود، فإذا مُنع سخط وعادى واتهم، أو يكون مسبقاً، فيعطي المرء امتناناً وعرفاناً، كي لا يكون جاحداً.

فإذا غرته نفسه باختيار طريق النكران أو الجحود، لم يجد في لحظة تفكر مقبلة مفراً من احتقار نفسه، وإذا استمرأ الأخذ دون عطاء وبات مطبوعاً عليه، انكدر إلى شبه لص يأخذ دون وجه حق، يترقب انتقام الناس منه في أية لحظة.

وسبب انتظار الإنسان لأي مقابل أمام عمله هو غريزة حب الذات التي تدفعه للعمل والطموح وتجنب الأخطار واقتحام الصعاب، في بحث لا ينقطع عن مصلحته حتى نهاية العمر.

لكن عظمة الإسلام في أنه لا يتجاهل أبداً غرائز البشر أو يقمعها، بل يروضها ويستثمرها فيما هو أنفع، فيربي الإنسان على أن يتماهى أكثر مع أنانيته على نحو مفيد للفرد والمجتمع، من خلال الطمع في مقابل أخروي أكبر وأبقى يستحق الطمع فيه والبذل له، فيرتقي بغريزة الأنا المتجذرة، ليمد الإنسان بصره المحدود متخطياً مصالحه الدنيوية، طمعاً في نعيم مقيم لا مقطوع ولا ممنوع، لا يُقارن بأي حال بأي نعيم دنيوي مهما كبر أو عظم.

من مظاهر هذا الارتقاء الرباني بالإنسان أن إيمان المسلم لا يكتمل إلا إذا أحب الخير للآخرين كما يحبه لنفسه، وهو ما نجده في الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري، عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ “لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”.

وحتى تَحمّل مشقة إزالة الأوساخ أو العقبات من طريق الناس دون مقابل، كي لا تضر أحداً، تُعدّ درجة من درجات الإيمان، وهو ما يشير إليه ما أخرجه ابن تيمية في مجمع الفتاوى، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: “الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قولُ لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ”.

ورغم تشريع القصاص في الإسلام من خلال القضاء، إلا أن الصبر على إساءة الآخرين ورد الإساءة بالإحسان ممدوح ومحمود، فالمقابل من الله على ذلك ثواب عظيم يطمع فيه كل ذي عقل وبصيرة، ويقول الله تعالى في سورة فصلت “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”. 

وتأمل معي هذه الدعوة الربانية اللطيفة التي يدعو الله فيها الإنسان إلى أن يُحاوِل التغلب على أنانيته العمياء التي تَحُول بينه وبين الجائزة الكبرى، حيث يقول تعالى في سورة البلد “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ”.

وتأمل تشجيعه سبحانه وتعالى للإنسان في موضع آخر على أن يحمي نفسه من نفسه، حيث يخاطبه في سورة الحشر قائلاً “… وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.

كل أركان الإسلام الخمسة بين المرء وربه، إلا الزكاة فهي بين المسلم والمجتمع، هذه العلاقة تحتاج إلى من يُشرف عليها جباية وتوزيعاً ورقابة، مما يجعلها مسؤولية سياسية اقتصادية ذات مرجعية دينية تقع على عاتق رأس السلطة التنفيذية.

سُمي المالُ في اللغة العربية مالاً لأنه ما تميل إليه النفس، فإذا كان رسول الله ﷺ قد وصف الصلاة بأنها عماد الدين، كما أخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: “الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ”، فقد وصف ﷺ الزكاة بأنها قنطرة الإسلام، كما أخرج الطبراني في المعجم الأوسط، عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: “الزكاةُ قَنْطَرَةُ الإسلامِ”.

الزكاة لغة في كتاب أساس البلاغة لأبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري تعني “البركة، والنماء، والطهارة، والصلاح، وهي اسم مأخوذ من الفعل زَكّا، وزَكّا الشيء: نما وزاد”، أما اصطلاحاً، فتُعدّ الزكاة من أركان الإسلام العظيمة، التي شرّعها الله لتطهير النفوس والأموال، وتحقيق التكافل بين أفراد الأمة.

غير أن هذا التشريع الإلهي، على سمو مقاصده وعدالته الشاملة، جاء أيضاً ليؤكد نقاء دعوة رسول الله ﷺ من أي مصلحة دنيوية أو نفع شخصي له أو لآل بيته أو لذريته، فقد حُرِّمت الزكاة عليه ﷺ شخصياً، وعلى آل بيته الأطهار، وعلى ذريته إلى قيام الساعة، ولا يستثني الفقهاء هذا الحكم إلا للضرورة الشديدة، وفي ذلك تفصيل، تأكيداً على أن رسالته كانت خالصة لوجه الله، لا يبتغي بها جزاء ولا شكوراً، وإنما هداية الخلق إلى بارئهم، ونفعهم في الدنيا والآخرة.

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة أن رسول الله قال “أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضيَ اللهُ عنهمَا تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَقالَ النبيُّ ﷺ: كِخْ كِخْ. لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قالَ: أَمَا شَعَرْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ”.

وبعد وفاة رسول الله ﷺ، ظنّت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أنّ لها حقاً في ميراث أبيها ﷺ، غير أنّ المسألة كشفت عن حكمٍ رباني خاصٍّ بالأنبياء، إذ لا يُورّثون مالاً ولا عقاراً، وإنما يُورّثون العلم والرسالة، فلم تكن على علم أن رسول الله ﷺ قال: “لا ‌نورث، ما ‌تركنا ‌صدقة”، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.

ويذكر لنا التاريخ ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بكر الصديق، عن عروة بن الزبير، أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ ابْنَةَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وفَاةِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، ممَّا تَرَكَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ممَّا أَفَاءَ اللَّهُ عليه – فَقالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: لا نُورَثُ، ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بنْتُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حتَّى تُوُفِّيَتْ، وعَاشَتْ بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، سِتَّةَ أَشْهُرٍ.

قالَتْ عائشة رضي الله عنها: وكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا ممَّا تَرَكَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ، مِن خَيْبَرَ، وفَدَكٍ، وصَدَقَتَهُ بالمَدِينَةِ، فأبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذلكَ، وقالَ: لَسْتُ تَارِكًا شيئًا، كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْمَلُ به إلَّا عَمِلْتُ به، فإنِّي أَخْشَى إنْ تَرَكْتُ شيئًا مِن أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ فأمَّا صَدَقَتُهُ بالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إلى عَلِيٍّ، وعَبَّاسٍ، وأَمَّا خَيْبَرُ، وفَدَكٌ، فأمْسَكَهَا عُمَرُ، وقالَ: هُما صَدَقَةُ ﷺ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتي تَعْرُوهُ ونَوَائِبِهِ، وأَمْرُهُما إلى مَن ولِيَ الأمْرَ، قالَ: فَهُما علَى ذلكَ إلى اليَومِ.

متى تحل الصدقة لآل البيت، وما هو سبب تحريمها عليهم؟ — الشيخ الددو

ولا تجوز الزكاة على من يلزم المسلم بالإنفاق عليه شرعاً، كالزوجة والأبناء الصغار، والوالدين، باستثناء الغارم يجوز سداد دينه من زكاة الملزم بالنفقة عليه، لأن الزكاة هنا تسد دينه أو بعض دينه كغارم مستحق للزكاة، ولا تمنع أو تقلل الاستمرار في الإنفاق الواجب على المزكي.

في المقابل يجوز للزوجة أن تخرج الزكاة على زوجها إن كان من مستحقي الزكاة شرعاً، لأنها غير ملزمة بالإنفاق عليه.

والفارق بين الصدقة التطوعية والزكاة أن الصدقة التطوعية ليست فرضاً، لكن الزكاة فرض يجبيه ولي الأمر قسراً إن تقاعس الفرد عن تأديتها، بل هي أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يصح إسلام المرء إلا بها إذا تحققت شروطها، وكثيراً ما ورد في القرآن إيتاء الزكاة مقروناً بإقامة الصلاة.

قال تعالى في صفات المؤمنين في سورة المؤمنون “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)”.

وقد شدد القرآن الكريم على فرضها وأمر بأدائها صراحة، كما توعد من امتنع عنها أو كنز ماله بالعذاب الأليم، ومن شدة مكانتها في الدين أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة بعد وفاة رسول الله ﷺ، ليؤكد أن تركها ليس مجرد تقصير في عبادة، بل نقض لأحد أركان الإسلام الخمسة.

وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يأخذ الزكاة أخذاً ممن تجب عليهم، فقال تعالى في سورة التوبة “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.

كما توعد الله من يكنز الأموال ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب شديد، قال تعالى في سورة التوبة “… وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ”.

وموقف أبي بكر الحازم المعروف بالرقة فيما يخص مانعي الزكاة بعد وفاة رسول الله ﷺ نلمسه فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: “لمَّا توُفِّيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وَكانَ أبو بَكْرٍ بعدَهُ، وَكَفرَ من كفرَ منَ العرَبِ، قالَ عمرُ يا أبا بَكْرٍ كيفَ تُقاتلُ النَّاسَ، وقد قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَمن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فقَد عَصمَ منِّي مالَهُ ونَفسَهُ إلَّا بحقِّهِ، وحسابُهُ على اللَّهِ تعالى ؟ قالَ أبو بَكْرٍ: واللَّهِ لأقاتِلنَّ، قالَ أبو اليَمانِ: لأقتُلنَّ من فرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، واللَّهِ لو مَنعوني عَناقًا كانوا يُؤدُّونَها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ لقاتَلتُهُم على مَنعِها، قالَ عمرُ : فواللَّهِ ما هوَ إلَّا أن رَأيتُ أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد شرحَ صَدرَ أبي بَكْرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ للقتالِ، فعَرفتُ أنَّهُ الحقُّ”.

تفسير سورة التوبه – الآية ( 34 – 36 ) – الشيخ الشعراوي

إن الزكاة في الإسلام ليست تفضلاً من الغني على الفقير، وليست عملاً تطوّعياً يُمنّ به الإنسان على غيره، بل هي حق واجب شرعه الله في أموال الأغنياء لمستحقيه، تحقيقاً للعدالة والتكافل بين أفراد المجتمع، فهي عبادة مالية تُطهّر النفس من البخل، وتُعيد التوازن بين أطراف المجتمع.

فهي واجب فرضه الله على المزكي فرضاً، وحق أثبته للمستحق إثباتاً، قال تعالى في سورة المعراج: “وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”.

ولا تجب الزكاة على مبلغ الدين الذي على المدين عند جمهور الفقهاء، لأن أحد شروط الزكاة امتلاك المال، بينما المدين لا يملك هذا المال، وإنما هو ملزم بأن يرده لصاحبه، ماله فكيف يُزكي على ما لا يملكه فعلياً، وهنا يكون الدائن هو الملزم بتأدية زكاته.

وبالتالي الدائن عليه تزكية الدين الذي أقرضه في كل حول هجري إن كان مطمئنناً إلى أنه سيسترده، أما إذا كان مشكوكاً في استرداده، فلا زكاة عليه حتى يسترده، وحينها يدفع زكاة حول واحد، وهذا يشبه زكاة الزروع والثمار التي لا تجب إلا وقت حصادها، لا قبل ذلك، وبالمثل المال الغائب أو غير المقدور عليه لا تجب زكاته.

وتوزع مصارف الزكاة على ثمانية أنواع من المستحقين، وقد ذكر الله تعالى مستحقيها تفصيلاً في قوله تعالى من سورة التوبة: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”.

ويمكن أن نلخص مصارف الزكاة الثمانية في نوعين أساسيين، نوع لسد حاجة الفرد وهم الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب والغارمين، ونوع يسد حاجة المجتمع إليه، وهم العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله، وهناك لعلماء الفقه شروح تفصيلية في كتبهم عن المستحقين المذكورين للزكاة في الآية المذكورة.

وقد اختلف علماء اللغة والفقه في التفريق بين الفقير والمسكين، فذهب بعضهم إلى أن الفقير أكثر حاجة من المسكين، ومن أدلتهم ذكر الفقراء قبل المساكين في الآية، أما البعض الآخر فيرون العكس، ومن أدلتهم الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: “ليسَ المسكينُ الَّذي يَطوفُ علَى النَّاسِ تردُّهُ اللُّقمةُ واللُّقمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولَكِنِ المسكينُ الَّذي لا يجدُ غنياً يُغنيهِ، ولا يُفطَنُ فيتصدَّقُ علَيهِ ولا يقومُ فيسألُ النَّاسَ”.

وعموماً، بغض النظر عن الفرق بين الفقراء والمساكين، فكلتا الفئتين وفقاً للآية الكريمة التي ذكرتهما صراحة مستحقتان للزكاة بغض النظر عن درجة الحاجة.

ما الفرق بين الفقير والمسكين ؟ الشَّيخ سَعيد الكَمَلي

وفي المذاهب الأربعة بالإجماع ينبغي أن يُعطى الفقير والمسكين من أموال الزكاة ما يكفيهما، والمقصود بالكفاية تغطية الحاجات الأساسية للمستحق ومن هو ملزم بإعلتهم من طعام، وملبس ومسكن وعلاج وتعليم لمدة سنة، حتى لو زاد المبلغ عن نصاب الزكاة، قال أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي في كتابه الروضة “يُعطى الفقير والمسكين ما يغنيه في عامه ولو زاد على النصاب”.

كم يعطى الفقير أو المسكين من الزكاة؟ .. د. عبدالحي يوسف

وقد باتت مصارف الزكاة عند جميع الفقهاء في العصر الحالي 7 مصارف بعد إلغاء الرق عالمياً، وعند البعض الآخر أصبحت 6 مصارف بعد أن لم تعد هناك حاجة من وجهة نظرهم لتأليف قلوب الكفار.

يقول كمال السيد سالم أبو مالك في كتابه صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة (2003) إن “الكفار على ضربين: من يرجى إسلامه فيُعطى لتميل نفسه إلى الإسلام، أو من يُخش شره ويُرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه”.

ثم يتساءل “هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم بعد رسول الله ﷺ أم أنه لا يزال باقيا؟

يجيب الكاتب قائلاً إن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على قولين: “الأول: أن سهم المؤلفة قلوبهم باق كغيره من الأصناف المذكورة في كتاب الله: وهو مذهب أحمد، والمعتمد عند المالكية والشافعية، وهو قول الحسن، والزهري، والثاني: أن سهمهم قد انقطع بعد رسول ﷺ، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحجتهم: أن الله قد أعز الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه الرجال، واستدلوا لهذا بأن عمر بن الخطاب لم يعط هذا السهم إلى من كانوا يعطونه، وقال: «هو شيء كان رسول الله ﷺ يعطيكموه ليتألفكم، والآن قد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم …»”.

ويتابع أبو مالك كلامه بأن “عمر لم يُسقِط هذا السهم مطلقاً، وإنما منعهم لزوال الوصف عنهم، الذي بموجبه سُموا المؤلفة قلوبهم، وهذا من قبيل الاجتهاد في توافر شروط تطبيق النص، وليس من قبيل إبطال حكم النص، وهذا واضح”.

ويستنتج الكاتب أنه “إذا ظهرت حاجة في إعطاء من تتحقق فيهم معاني وأوصاف المؤلفة قلوبهم، فإن الإمام يعطيهم من هذا السهم حسب مصلحة المسلمين، لا سيما وقد انقلبت عزة المسلمين ذلاً وظهر عليهم أعداؤهم، والله أعلم”. 

أما المال الذي تجب فيه الزكاة فعلى خمسة أنواع: أولها زكاة النقود (الذهب والفضة والنقود الورقية والمدخرات في الحسابات البنكية والعملات المشفرة، وكل ما يُتداول كعملة)، ونصابها أي الحد الأدنى لها هو ما يعادل منها قيمة 85 غراماً من الذهب أو 595 غراماً من الفضة تقريباً، مع اختيار سعر المعدن الأفضل للفقراء.

وقول جمهور العلماء المعاصرين أنه إذا اختلف نصاب الذهب والفضة، يُختار الأحظ للفقراء، ، ومنهم القرضاوي، ومجمع الفقه الإسلامي، فسعر الذهب المرتفع يجعل النصاب مرتفعاً وبالتالي عدد المزكّين أقل، بينما سعر الفضة المنخفض يجعل النصاب منخفضاً، وبالتالي يكون عدد المزكّين أكثر، وهو أمر أنفع للفقراء.

ومقدار الزكاة فيها رُبع العشر، أي 2.5٪، حيث أخرج أبو داود في صحيحه، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله قال: ” هاتوا رُبُعَ العشورِ مِن كلِّ أربعينَ درهمًا درهمٌ وليسَ عليكُم شيءٌ حتَّى تتِمَّ مائتَي درهَمٍ فإذا كانَت مائتَي دِرهمٍ ففيها خمسةُ دَراهمَ فَما زادَ فعلَى حِسابِ ذلِكَ…” 

ووقت وجوبها إذا مر على الاحتفاظ بها من دون نقصان حول كامل، أي 12 شهراً هجرياً، حيث أخرج ابن ماجة في صحيحه، عن عائشة بنت أبي بكر قالت: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ‏ “‏لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ”. 

أما مقدار زكاة الأسهم فيختلف حسب نية الاستثمار، فإذا كانت الأسهم للتجارة، فازكاتها 2.5 من قيمتها السوقية، أما إذا كانت للاستثمار بغرض الانتفاع بالأرباح، فزكاتها تُخرج على الأرباح السنوية 2.5٪ منها، ويتم خصم الديون المستحقة قبل الحساب، وفي بعض الحالات مثل الأسهم لغرض الانتفاع بالأرباح في الشركات التي لا تمارس نشاط التجارة، قد لا تجب الزكاة على أصل الأسهم بل على ريعها فقط.

وثاني الأنواع زكاة الزروع والثمار المخصصة للاستخدام الشخصي ومن تلزم الشخص إعلاتهم شرعاً، ويدخل فيها ما يُكال ويُدَخر من الحبوب والثمار، مثل: القمح، والشعير، والذرة، والأرز، والتمر، والزبيب، لكن لا زكاة في الخضروات أو الفواكه لأن تخزينها لسنة كاملة غير متيسر، إلا إذا جُففت وجبت فيها الزكاة، مثل الزبيب الناتج عن تجفيف العنب، ولا تشمل هذه الزكاة الزروع والثمار المخصصة للمتجارة بها، فلها حكم يأتي بيانه في النوع الرابع.

ونصابها 5 أوسق، والوسق يساوي 60 صاعاً، أي ما يعادل 653 كجم تقريباً من المحصول الجاف الصافي، حيث أخرج النسائي في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: “ليسَ فيما دونَ خَمسةِ أواقٍ صدقةٌ، ولا فيما دونَ خَمسِ ذَودٍ صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسِ أوسُقٍ صدقةٌ”.

ومقدار الزكاة فيها هو 10٪ عن الزروع التي تُسقى بالأمطار والأنهار والعيون، و 5٪ عن التي تُسقى بالآلات والحيوانات لأن بها كلفة على الزارع، حيث أخرج البخاري في صحيحه، عن عبدالله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: “فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ”، ووقت وجوبها ليس بعد مرور الحول على جمعها، وإنما مرة واحدة يوم حصادها من الأرض، قال تعالى في سورة الأنعام “… كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”.

وثالث الأنواع زكاة بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز غير المخصصة للمتاجرة بها، حيث نجد نصاً من أشهر الوثائق التشريعية في الإسلام، كتبه الخليفة أبو بكر حين بعث عماله إلى الأمصار لجمع الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ، وفيه تفصيل دقيق لأنصبة الزكاة ومقاديرها كما فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين بأمر الله.

ويبدأ النص بتأكيد أن هذه الفريضة مأمور بها من الله تعالى، وأن على المسلم أن يؤديها كما هي دون زيادة أو نقصان، فمن طُلبت منه الزكاة على وجهها الصحيح وجب عليه دفعها، أما إن طُلب منه أكثر من الواجب فلا يُعطي.

ثم يوضح النص أحكام زكاة الإبل تفصيلاً، فيجعل في أقل من 25 من الإبل زكاة مقدارها شاة واحدة عن كل 5، فإذا بلغت 25 وجبت فيها بنت مخاض، وهي أنثى الإبل التي أتمت سنة، إلى أن تبلغ 35 من الإبل.

فإن لم توجد بنت مخاض جاز إخراج ابن لبون ذكراً بدلاً عنها، فإذا بلغت 36 إلى 45 من الإبل، وجبت بنت لبون، وهي أنثى الإبل التي أتمت سنتين، فإذا بلغت 46 إلى 60 من الإبل ففيها حقة، أي ناقة أتمت ثلاث سنوات وتصلح للتلقيح، فإذا بلغت الإبل 61 إلى 75 ففيها جذعة، وهي الناقة التي أتمت أربع سنوات، وإذا بلغت 76 إلى 90 ففيها بنتا لبون، أي ناقتان من هذا السن، وإذا بلغت 91 إلى 120 ففيها حقتان، ثم يبيّن النص أنه بعد 120 تستمر القاعدة نفسها، ففي كل 40 من الإبل بنت لبون، وفي كل خمسين من الإبل حقة، أي يُقدّر الواجب على هذا النمط كلما زاد العدد.

ويشرح النص كذلك أحكام التعويض عند اختلاف أسنان الإبل، فإن كان الواجب جذعة ولم توجد عند المزكي وعنده حقة أصغر منها، قبلت منه الحقة بشرط أن يضيف إليها شاتين أو يدفع عشرين درهماً، والعكس صحيح، فمن وجبت عليه حقة ولم يجد إلا جذعة أكبر منها، قُبلت منه ويعطيه العامل على الزكاة عشرين درهماً أو شاتين تعويضاً.

وكذلك إذا وجبت عليه حقة ولم يجدها وعنده بنت لبون، فُتقبل منه بشرط أن يضيف شاتين أو عشرين درهماً، ومن وجبت عليه بنت لبون ولم يجدها وعنده حقة، تُقبل منه ويُعوض العامل عليه شاتين أو عشرين درهماً، وهكذا في بقية الحالات المشابهة، وأما من وجبت عليه بنت مخاض ولم يجد إلا ابن لبون ذكراً، قُبل منه دون أن يُطالب بزيادة أو نقص.

ثم يبيّن النص أنه لا زكاة فيمن يملك 4 من الإبل أو أقل إلا إن شاء التبرع، وأن في الغنم السائمة، أي التي ترعى الكلأ الطبيعي ولا يعلفها مالكها على نفقته زكاة محددة، فإذا كانت 4 من الغنم ففيها شاة واحدة حتى تصل إلى 120 من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى 200، فإذا زادت واحدة ففيها 3 شياه إلى 300، فإذا زادت على ذلك ففي كل 100 شاة واحدة.

ويُشترط ألا تؤخذ في الزكاة عجوز ولا معيبة، ولا تيس الغنم إلا برضا العامل على الزكاة، ولا يجوز أن يُجمع القطيع المتفرق أو يُفرق المجتمع بقصد التحايل لتقليل الزكاة، لأن الزكاة تُحسب على المال المجموع بحق.

ويذكر النص حكم الخليطين، أي إذا اشترك اثنان في قطيع واحد، فيُحسب نصاب الزكاة عليهما معاً ثم يتقاسمان الواجب بينهما بالسوية، كما يوضح أن من كانت غنمه أقل من أربعين رأساً ولو بواحدة فلا زكاة عليه إلا تطوعاً.

وفي ختام النص يبيّن حكم زكاة النقود، البالغ مقدارها ربع العشر، أي 2.5% من المال إذا بلغ النصاب ومر عليه الحول، أما من كان ماله أقل من مئتين، أي تسعين ومئة درهم، فلا تجب عليه الزكاة إلا أن يتبرع بها.

وهذا هو النص الذي أخرجه النسائي في سننه عن أنس بن مالك: “أن أبا بكر، رضي الله عنه كتب له أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل في خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستة وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمسة وسبعين، فإذا بلغت ستة وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة، فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا حقة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده بنت لبون وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليست عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربعة من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة، فإذا زادت واحدة ففي كل مائة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيه شيء إلا أن يشاء ربها.”

أما زكاة البقر، فيوضحها معاذ بن جبل عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ليُعلّم الناس الإسلام ويأخذ منهم الزكاة المفروضة، حيث بيّن له مقادير زكاة البقر بحسب عددها، فإذا كان عند مالك الأبقار 30 بقرة وجبت فيها زكاة مقدارها تبيع، وهو العجل الذي أتم سنة ودخل في الثانية، وإذا بلغت 40 بقرة وجبت فيها مسنة، أي الأنثى التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة.

فإذا كان العدد بين 40 ولم يكمل 70، فلا تتغير الزكاة، فإذا بلغ العدد 70 بقرة وجبت فيها تبيع ومسنة معاً، فإذا بلغت 80 بقرة ففيها مسنتان، ثم أمر  رسول الله ﷺ معاذ بن جبل أن يستمر على هذا النمط الحسابي، فكلما زاد العدد يضاف في كل 30 تبيع، وفي كل 40 مسنة.

وهذا هو النص الذي أخرجه أبو داود في سننه، عن معاذ بن جبل أنه قال: “بعثني رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى اليمنِ، وأَمَرَنِي أن آخُذَ من كُلِّ ثلاثينَ مِنَ البقرِ تبيعًا أوْ تبيعَةً، ومن كُلِّ أَرْبَعينَ مسنَّةً، فإذا زادتْ على الأربعينَ؛ فلا شيءَ في الزائدِ ، حتى يبلغَ سبعينَ وفيها تبيعٌ ومُسِنَّةٌ إِلى ثَمانِينَ، وفيها مسنتانِ، ثم كذلكَ”.

أما الخيل غير المخصصة للمتاجرة بها، فلا زكاة عليها عند الجمهور باستثناء أبي حنيفة، حيث أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما، عن أبي هريرة أن رسول الله قال ﷺ “ليسَ علَى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ وغُلَامِهِ صَدَقَةٌ”، لكن تجب الزكاة عليها إذا كانت معدة للمتاجرة بها، وتعامل مثل عروض التجارة، الوارد ذكرها لاحقاً، وعليها تقاس السيارات في عصرنا الحالي.

ورابع الأنواع زكاة عروض التجارة، وتجب في كل ما يقتنيه المسلم بنية بيعه فيما بعد تجب فيه الزكاة،  مثل الزروع، والثمار، والفواكه المجففة، وحتى غير المجففة، والخضروات، والأنعام، والخيل، والعقارات، والحلي، والملابس، والآلات، وأي منتجات أخرى.

وهنا تلعب نية المسلم التي لا يطلع عليها غير الله دوراً حاسماً في احتساب مقدار الزكاة وموعد سدادها، وهي محاسب عليها أمام ربه يوم القيامة، فقد أخرج  ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام، عن سمرة بن جندب  أنه قال: “كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمُرُنا أن نُخْرِجَ الصَّدقةَ من الَّذي نعدُّهُ للبيعِ”.

وتعامل زكاة عروض التجارة تماماً مثل زكاة النقود، ومقدارها رُبع العشر، أي 2.5٪، ووقت وجوبها إذا مر على اقتنائها من دون نقصان حول كامل، أي 12 شهراً هجرياً.

وخامس الأنواع زكاة ما يستخرجه الفرد من الركاز وما في باطن الأرض من خامات، وبداية الركاز هي الأموال والكنوز المدفونة في باطن الأرض منذ القدم، أما الخامات التي في باطن الأرض، فهي مثلا المعادن المختلفة والنفط والفحم.

ووقت إخراج زكاتها تجب مرة واحدة فور العثور عليها، ومقدار زكاة الركاز هو الخُمس، أي 20٪، لكن لا زكاة على الدولة إذا كانت هي من قامت باستخراج الركاز أو ما في باطن الأرض من خامات، لأن الدولة ليست فرداً، بل إن مواردها كلها لخدمة كل أفراد المجتمع.

في العصر الحالي ظهرت الحاجة إلى الاجتهاد في استنباط أحكام زكاة الأسهم، وهي ثلاث حالات: أولاً: إذا كانت الأسهم للمتاجرة والبيع والشراء (مضاربة)، وتُعتبر هذه الأسهم من عروض التجارة، ويجب تقويمها بسعر السوق عند حولان الحول، ثم تُخرج عنها الزكاة بنسبة 2.5% من القيمة السوقية الكاملة للأسهم + الأرباح المتراكمة (إن وجدت).

ثانياً: إذا كانت الأسهم للاستثمار الطويل (لتحصيل الأرباح لا لبيع السهم)، فتُزكّى الأرباح فقط، لا أصل السهم،
ما دامت الشركة نفسها تُخرج زكاتها الشرعية، لكن إن لم تُخرج الشركة الزكاة، فيجب على المساهم أن يُخرج الزكاة عن نصيبه من أصولها الزكوية (كالأموال السائلة والبضائع)، ويُقدّر هذا عادة بنحو 10% من القيمة السوقية للسهم تقريباً إن لم يعرف التفاصيل الدقيقة.

ثالثاً: إذا كانت الشركة تمارس نشاطاً زراعياً أو صناعياً أو خدمياً، فإن كان النشاط تجارياً بحتاً، أي بيع وشراء، عندها تحتسب الزكاة 2.5 على كامل القيمة السوقية، أما إن إن كان النشاط صناعياً، فتحتسب الزكاة 2.5 على الموجودات الزكوية فقط، مثل النقود، والمواد الخام، والمنتجات، لكن إن كان النشاط خدماياً، مثل الاتصالات، والمواصلات والمستشفيات، فتحتسب الزكاة 2.5 على الأصول السائلة والأرباح الجارية فقط.

ووفقاً لقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (143/16/1) حين تُجمّد الأموال لسنوات طويلة، يظن البعض أن الزكاة عنها تسقط أو تتأجل، غير أن الفقه الإسلامي ينظر إلى المسألة من زاوية أعمق؛ زاوية الملك والقدرة على التصرف.

فالمال الذي يظل في ملك صاحبه وإن حُبس في حساب أو وديعة أو مشروع استثماري، يبقى مالًا ناميًا يستوجب الزكاة كل عام، لأن التجميد لا يُلغي الملكية، بل هو قيد مؤقت على السحب لا على الحق. إن في بقاء المال داخل منظومة الاستثمار نماءً خفيًا، والزكاة إنما تُفرض على النماء ولو كان في طور الكمون.

أما الأموال التي تُحتجز قسرًا أو تُقيد في حسابات لا يستطيع صاحبها الوصول إليها، كودائع الضمان أو التأمينات التي لا تُسترد إلا بعد زمن غير معلوم، فإنها تخرج من نطاق الملك التام، فلا تجب الزكاة فيها إلا مرة واحدة بعد الإفراج عنها واستلامها. فالحكم هنا مرتبط بعودة اليد إلى المال، إذ عندها يتحقق شرط التملك الكامل الذي تُبنى عليه الزكاة.

وبين الحالتين تتجلى حكمة الشريعة؛ فلا تكلّف الإنسان ما لا يمتطبق لك، ولا تعفيه مما يملك، بل تزن الأمور بميزان العدالة والقدرة، لتبقى الزكاة أداة تطهير للمال ونظامًا عادلًا يربط الغنى بالمسؤولية، ويعيد للحياة الاقتصادية توازنها مهما تغيّرت أشكال المال أو تجمدت حساباته.

ووجدت أن المملكة العربية السعودية جباية الزكاة وجزءًا أصيلًا من نظامها الدستوري والإداري وفقاً للدليل الإرشادي العام للزكاة، فهي لا تنظر إلى الزكاة بوصفها عملاً تعبديًا فحسب، بل باعتبارها واجبًا شرعيًا ومهمة سيادية للدولة، تُدار وفق أنظمة ولوائح دقيقة تضمن تحقيق مقاصدها في العدالة والتكافل الاجتماعي.

وقد أرسى النظام الأساسي للحكم هذا المبدأ في مادته الحادية والعشرين، حين نصّ على أن “تُجبى الزكاة وتُنفق في مصارفها الشرعية”، ليؤكد أن الدولة مسؤولة عن تحصيلها وتوزيعها، كما نصّت المادة السابعة على التزام الحكم في المملكة بالشريعة الإسلامية، وهو ما يجعل الزكاة ركنًا تشريعيًا له قوة النظام والقانون.

ومنذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز – رحمه الله – أُنشئت منظومة إدارية متكاملة لضمان تحصيل الزكاة وتنظيمها، بدءًا من المرسوم الملكي الصادر عام 1370هـ (1951م)، مرورًا بسلسلة من اللوائح والقرارات الوزارية التي توضح أساليب الجباية والمحاسبة، وصولًا إلى اللائحة التنفيذية الحديثة لعام 1440هـ (2019م) التي حدّدت بوضوح مسؤوليات المكلفين وإجراءات الإقرار والفحص والسداد، وربطت العملية كلها بإطار إلكتروني رقابي متطور تشرف عليه هيئة الزكاة والضريبة والجمارك.

ولا تقف جهود المملكة عند جمع الزكاة، بل تمتد إلى توجيهها نحو مصارفها الشرعية، إذ تُودع الحصيلة في حساب الضمان الاجتماعي لتُصرف على الفقراء والمساكين والمستحقين، وفق ما نص عليه المرسوم الملكي لعام 1383هـ (1963م) الذي أوجب جباية الزكاة من الشركات والمؤسسات والأفراد وتخصيصها للفئات التي جعلها الله حقًا في أموال الأغنياء.

وخلافاً، للأنظمة الضريبية المعاصرة، لا تُفرض الزكاة في الدول الإسلامية إلا على المسلمين، وهي كما اطلعنا على كثير من تفاصيلها لا تقارن بضخامة الضرائب المفروضة على كل المتواجدين تقريباً في المجتمعات الرأسمالية التي تتراوح بين 20٪ وأحياناً أكثر من 50٪ حسب الشريحة الضريبية.

ناهيك عن ضريبة القيمة المضافة على بضائع وخدمات دفع بالفعل منتجوها، ثم موزعوها، ثم تجار جملتها، ثم تجار تجزئتها ضرائب على أرباحهم منها، ليأتي المستهلك النهائي في نهاية هذه السلسة من الضرائب، ليدفع فوقها ضريبة على منتج أنفق عليه ماله ولم يضف إليه أي دخل إضافي. 

وعلى عكس الأنظمة الاشتراكية أو الشيوعية لا يضع الإسلام حداً على أموال الناس وأملاكهم التي اكتسبوها، فلا تقييد لطموح الفرد ما دام النشاط غير محرم، وما دام يدفع ما يجب عليه من زكاة.

وعلى عكس الأديان الرهبانية المحتقرة للمال، التي تمجد الانعزال والتقشف، يَعد الإسلام التاجر الأمين أن يرافق الأنبياء في الجنة، فقد أخرج الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال “التاجرُ الصَّدُوقُ الأمينُ: مع النَّبِيِّينَ، والصِّدِّيقِينَ، والشهداءِ، والصالحينَ”.

وما انتشر الإسلام في كثير من دول القارة الآسيوية، مثل إندونيسيا التي يوجد بها أكبر تجمع للمسلمين على مستوى العالم بتعداد يبلغ اليوم 240 مليون مسلماّ، إلا بسبب أخلاق التجار المسلمين الذين كانوا يبحرون إلى جنوب شرق آسيا عبر المحيط الهندي منذ القرن الثامن الميلادي.

Huda Mohamed
Huda Mohamed
حوارية لا تُقهر، تسأل وكأنها تطارد الحقيقة بإصرار، ضيفها لا يستطيع المراوغة فهي تملك الأسلحة السرية لإخراج اعقد الإجابات بابتسامتها الذكية، دون أن تفقد الكاريزما.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية