spot_imgspot_img
بيتقانونالموت الرحيم بين الفلسفة والأخلاق والقانون

الموت الرحيم بين الفلسفة والأخلاق والقانون

في المنظور المادي للحياة يَرى الإنسانُ نفسه حبيس جسده، لا يستطيع الخروج من جلده، ولا الإفلات من حدود مادته، وكل ما حوله ليس إلا جدراناً صماء من الغرائز والحاجات، وكل ما أمامه ليس إلا قيوداً تحاصره بحدود الزمان والفناء.

لكن في المنظور الإسلامي يتغير المشهد  كليةً، وتُكشفُ الحُجَبُ عن قيمة أعمق، لا يَرى الإنسانُ فيها نفسه أسيراً لجسده الفاني، بل مطية مؤتمن عليها، ليمتطيها في سُلَّم الارتقاء، معتصماً بحبل الله، الصاعد به من الأرض إلى السماء.

فشتان بين من يرى نفسه أسيراً في قفص لا يُفضي بابه إلا إلى القبر، ومن يرى نفسه على موعد مع جنة عرضها كعرض السماوات والأرض.

غانم المفتاح يؤدي العمرة في بيت الله الحرام

يُروى أن أحد الصالحين كان أقرع الرأس، أبرص البدن، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين، وكان يردد: “الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً ممن خلق، وفضلني تفضيلاً”.

فمر به رجل فقال له: مما عافاك؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول، فمما عافاك ربك؟

فقال: ويحك يا رجل؛ الله هو الذي جعل لي لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وبدناً على البلاء صابراً.

في واحد من أكثر الأسئلة إنسانية وشخصية: أخلاقيات الحياة والموت، والخيارات التي نصنعها نحن البشر في مواجهة الألم والمعاناة، وقد يبدو السؤال مجرد جدل أكاديمي أو فلسفي، لكنه في الحقيقة سؤال يمسّنا جميعاً، يطرق أبواب قلوبنا حين نشاهد مريضاً يحتضر، أو نسمع قصة إنسان يستجدي الخلاص من وجع لا دواء له، إنها رحلة تحملنا عبر فلسفات عميقة، وقوانين متباينة، ومعتقدات دينية وأخلاقية متجذّرة، رحلة تكشف لنا التوتر الأبدي بين حب الحياة والخوف من الموت، بين الرغبة في الاستمرار والبحث عن المعنى، وبين الرحمة والقدسية.

منذ آلاف السنين، تساءل الفلاسفة: ما معنى أن نحيا حياة طيبة؟ هل الطيب هو الممتلئ باللذة والفرح، أم الممتلئ بالهدف والواجب؟ هل يكفي أن نشعر بالسعادة، أم لا بد أن تكون سعادتنا حقيقية متصلة بالواقع؟ نحن نحب أن نعيش، ونتمسك بالحياة بكل جوارحنا، ومع ذلك نخشى نهايتها. 

هذا الصراع يضعنا دائماً في مساحة متوترة، هل نسعى لإطالة حياتنا مهما كان الثمن؟ أم نبحث عن إنهاء معاناة لا طائل منها؟ وهنا يطل السؤال الأصعب: ما الذي يجعل الحياة ذات قيمة؟

لنبدأ من تجربة فكرية مثيرة قدّمها الفيلسوف الأمريكي روبرت نوزيك في مقاله الفوضى والدولة واليوتوبيا الذي تخيّل وجود آلة يمكن لأي شخص أن يتصل بها، فتمنحه إحساساً كاملاً بأي تجربة يريدها: كتابة رواية خالدة، أو تحقيق نصر رياضي، أو عيش صداقة مثالية، أو أي متعة خالصة بلا نهاية، لكن هناك شرطاً واحداً: كل هذا وهم، وأنت لست سوى جسد يطفو في خزان من التخيلات، بينما عقلك يعيش المحاكاة. 

السؤال: هل ستختار الدخول؟ نوزيك توقّع أن معظم الناس سيرفضون، لكن لماذا؟

لأننا نريد أكثر من مجرد الإحساس، نريد أن نشعر بالأفعال التي نقوم بها، لا مجرد متفرجين على أوهام، نريد أن نحقق الإنجاز لا أن نتخيله، نريد أن نعيش في عالم واقعي لا في محاكاة.

بالنسبة لنوزيك، الدخول إلى الآلة هو نوع من الانتحار الروحي، لأنه يلغي أصالة الوجود.

لكن في المقابل، قدّم الفيلسوف كريس هيثوود منظوراً أبسط بكثير: الحياة الجيدة هي ببساطة أن تنال ما ترغب فيه، ولا حاجة للحديث عن الأصالة أو الحقيقة، المهم هو تحقيق الرغبات.

إلا أن هذه النظرة تواجه مشكلة: ماذا لو كانت رغباتنا جاهلة أو شريرة أو قصيرة النظر؟ مما جعل هيثوود يطور ما عُرف بنظرية الرغبة المثالية.

حيث تقول هذه النظرية إن ما ينفع الإنسان فعلاً هو ما كان سيختاره لو كان عاقلاً، مطلعاً على كل الحقائق، وواعياً بعمق، أي أن الخير ليس في كل رغبة، بل في الرغبة التي تمر عبر بوابة العقل والمعرفة.

هنا يلتقي هيثوود بشكل غير مباشر مع الفكر الإسلامي الذي يرى أن القرارات المصيرية لا تُبنى على الجهل أو الهوى، بل على وعي كامل، مع الاعتراف بأن الوعي الكامل مستحيل، لأن الغيب والحقائق المطلقة بيد الله وحده.

أما الباحثة جين كازاس فقد أعطت بعداً آخر، إذا أنها ترى أن الحياة الجيدة لا تقوم فقط على الرغبات أو المشاعر، بل على حاجات موضوعية أساسية: الاستقلالية، أي أن يشكّل الإنسان حياته بقراراته لا أن يكون مجرد خاضع لقيود، من خلال سعادة مستقرة لا مجرد لذة عابرة، والتعبير عن الذات بما يعزز الاحترام والتقدير، والأخلاق التي تمنح الحياة معنى وكرامة.

هذه العناصر تلتقي بشكل لافت مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي بينها العلّامة أبو حامد الغزالي وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال كركائز لأي حياة كريمة.

فيلم يحكي قصص أندر الحالات في العالم

هنا نترك عالم الفلسفة وندخل إلى ساحة الأخلاق العملية، لنستمع إلى جيمس رايتشلز، الذي قدّم ما يُعرف بحجة الرحمة، حين رأى ما عاناه شخص يدعى جاك من ورم ميلانيني نهائي رغم الجرعات العالية من المسكنات، فكان يتمنى أن يكون كلباً كي ينعم بالقتل الرحيم، معتبراً أن الحيوانات تُعامل برحمة أكبر من البشر، إذ نخفف عن الحيوانات المريضة آلامها بقتلها، بينما نترك الإنسان يتعذب.

حجته أنه إذا أصبح الألم بلا جدوى، وقاسياً لا يُطاق، فإن القتل من وجهة نظره قد يكون فعل رحمة حقيقية، يحفظ كرامة المريض ويخفف معاناة أحبائه. 

لكن الفيلسوف جون هاريس قدّم فرضية متطرفة تُعرف بيانصيب البقاء، فقد تخيل أن قيمة البقاء مرتبطة بمعادلة رياضية، بإمكانها إنقاذ شخصين عبر التضحية بآخر سليم من خلال قتله وأخذ أعضائه كقطع غيار. 

مبرره أن الفرق بين قتل واحد لإنقاذ اثنين، أو ترك الاثنين يموتان، فرق وهمي، فالنتيجة موت أبرياء في كل الأحوال، هنا يتضح الصدام بين منطق الرحمة الذي يحاول التخفيف من الألم، ومنطق الحساب العددي البارد الذي يضع الأرقام فوق المشاعر.

لكن في هذا المنظور المادي تبقى مساحة للقتل الرحيم السلبي: أي وقف العلاج العبثي الذي لا أمل فيه، إذا قدّر الأطباء ذلك، هنا يظهر الصراع بين صون قدسية الحياة والرحمة بالمريض.

حين نضع هذه النقاشات بجانب الرؤية الإسلامية، يظهر اختلاف جوهري، فالإسلام يعتبر الحياة أمانة وهبها الله للإنسان، وليست ملكاً للفرد، ولهذا يرفض الفقهاء القتل الرحيم الفعال رفضاً قاطعاً، ويرونه قتلاً عمداً أو انتحاراً، مهما كانت نية الرحمة.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:”من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالداً مخلَّداً أبداً ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالداً مخلَّداً”. 

ومع ظهور المفهوم الطبي المعروف بالموت الدماغي مع استمرار القلب في النبض، انقسمت المجامع الفقهية، فبعضها اعتبره موتاً مقبولاً من الناحية الفقهية يُجيز رفع الأجهزة المساعدة على الحياة عن المريض، وبعضها تمسّك بتوقف القلب والتنفس كمعيار، وهو انقسام بين من يرى وضع أو رفع الأجهزة تدخلاً في قضاء الله، ومن يرى رفعها إنهاءً لمعاناة لا جدوى منها.

يُترجم هذا المنظور في قانون العقوبات القطري رقم 14 لسنة 1971 الذي لا يختلف كثيراً عن معظم قوانين الدول العربية الأخرى، فالمادة 150 تشدد العقوبة على القتل العمد في حالات مثل سبق الإصرار أو الوحشية أو قتل موظف أثناء عمله، أما المادة رقم 151 فتفرض الإعدام على القتل العمد، لكنها تترك هامشاً من الرحمة يسمح بالعفو أو الدية لتخفيف العقوبة، بينما تحكم المادة 152 بالسجن المؤبد على القتل العمد في غير الحالات المشددة، مع إمكانية التخفيف بقبول الدية.

وتغطي المواد 153 و154 حالات القتل غير المتعمد والخطأ، وتضع لها عقوبات مخففة، حيث أن المادة 155 تعتبر الإنسان حياً ودمه معصوماً بمجرد خروجه على قيد الحياة من رحم أمه. 

وهناك أيضاً قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004 الذي ينص على معاقبة من شرع في الانتحار “بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر، وبالغرامة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين”، على اعتبار أنه “أتى فعلاً من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة.”

هذه المواد تُظهر أن القانون القطري يحمي قدسية النفس البشرية بشكل صارم، ويجرّم القتل الرحيم، لكنه يتيح أدوات للرحمة مثل العفو عن القاتل أو قبول الدية.

عندما نخرج من الوطن العربي وننظر إلى العالم، نرى صوراً مختلفة أشارت إليها سارة يونغ في مقال لها بعنوان الوضع القانوني للمساعدة على الموت في مختلف البلدان على موقع وكالة رويترز، حيث شَرّعنت القتل الرحيم أو المساعدة الطبية على الموت تحت شروط صارمة كل من سويسرا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، وألمانيا، وفرنسا، وأيرلندا، وكندا، وأستراليا، وبعض الولايات الأمريكية، بينما مازلت المملكة المتحدة في خضم جدل مجتمعي وتشريعي حول السماح به وفق ضوابط صارمة.

فسويسرا رائدة الإنتحار الرحيم بين تلالها البديعة تسمح بالمساعدة على الانتحار إذا نفذها الشخص بنفسه، بل والسماح به حتى للأطفال شريطة موافقة الوالدين، أما أستراليا ونيوزيلندا فقد أقرتا قوانين تبيح للمصابين بأمراض ميؤوس منها إنهاء حياتهم طبياً.

هذه التشريعات تنطلق من مبدأ الاستقلالية الفردية والحق في اختيار النهاية، بينما يقف الفقه الإسلامي، كما هو منعكس على قوانين قطر التي ترى موقفاً مختلفاً يعتبر الحياة أمانة مقدسة لا يحق للفرد إنهاءها بإرادته.

تقول فيديريكا مارسي في مقال لها على موقع الجزيرة الإنجليزية بعنوان موافقة البرلمان البريطاني على مشروع قانون المساعدة على الموت: كيف سيعمل؟ إن السياسية البريطانية كيم ليدبي ترى مشروع قانون اسمته البالغون المحتضرون ونهاية الحياة، لتعطي الضوء الأخضر في البرلمان للقبول بالقتل الرحيم وفق ضوابط معينة.

يقضي هذا المشروع بتمكين البالغين العقلاء المصابين بأمراض عضال تُنذر بوفاتهم خلال ستة أشهر أو أقل، ويعيشون في إنجلترا أو ويلز، من اختيار إنهاء حياتهم بمساعدة طبية.

لكن ما لفت نظري، هو هذا التناقض العجيب في موقف الدول العلمانية التي ما زالت تُجرِّم القتل الرحيم أو تقيده بضوابط صارمة، لكنها في الوقت نفسه لا تجد أي غضاضة في تزويد عملائها من الجواسيس الأصحاء بكابسولات السيانيد شددية السمية، كي يكون بإمكانهم الانتحار في حال وقوعهم في أسر العدو، هنا يصبح فجأة القتل الرحيم مباحاً دون قيود، مادام أن للدولة فيه مصلحة.

السيانيد – نظرة تاريخية

فقيمة حياة الإنسان الحقيقية في الأنظمة المادية معيارها فقط ما يُدرونه من أموال في خزينة الدولة، ولا مانع لديها من الدفن المبكر للمرضى الميؤس من شفائهم أو المكتئبين غير المنتجين، أو الأسرى المحتجزين، بحجة الرأفة المزعومة بأحوالهم، على عكس النازية التي كانت أكثر صدقاً مع قُبحها. 

بينما أرحم الراحمين في كتابه العزيز في سورة المائدة يقول “…مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…”. 

هنا نفس واحدة تعدل كل البشر، وكل البشر لا يزيدون عن نفس واحدة.

Huda Mohamed
Huda Mohamed
حوارية لا تُقهر، تسأل وكأنها تطارد الحقيقة بإصرار، ضيفها لا يستطيع المراوغة فهي تملك الأسلحة السرية لإخراج اعقد الإجابات بابتسامتها الذكية، دون أن تفقد الكاريزما.
مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية