زادت الحاجة في هذا العصر الرقمي الذي نعيش فيه إلى حقوق الملكية الفكرية بهدف مكافحة القرصنة وحماية الخصوصية، وهو ما يعزز حماية الإبداع والابتكار والثقة والتعاون، فحماية الملكية الفكرية الناجزة تكفل أن يشارك المبدعون والمبتكرون أعمالهم بثقة، كونها تحظى بالاحترام والتقدير، كما تدعم حقوق الملكية الفكرية الإبداعات الرقمية والتجارة الإلكترونية، مما يسهل المعاملات التجارية والتعاون الدولي، فمن خلال دعم حقوق الملكية الفكرية، يمكن للأفكار أن تزدهر في بيئة صحية، مما يدفع بنمو اقتصادي يثري التجارب الرقمية للجميع.
ففي موقف عجيب واجهت مؤخراً صديقتي هناء، وهي صانعة محتوى تدريبي رقمي فترة عصيبة في عملها، فقد تراجعت مبيعاتها بشكل حاد، ومع ذلك يبدو أن منافسيها كانوا على ما يرام.
قررتُ أن أبحث بعمق لمعرفة الأسباب، أما ما اكتشفتُه فقد كان صادما بكل المقاييس،
إذ تبين أن معظم عملائها المستهدفين كانوا يتجهون نحو صانعة محتوى تدريبي أخرى، تدعى سوسن.
الآن دعنا نخمن، ما الذي كانت تفعله سوسن بشكل أفضل؟
كانت ببساطة تبيع محتوى صديقتي دون الرجوع إليها.
نعم!
كانت تبيع الدورة نفسها، وبدون إضافات، لكن بسعر أقل من المتوسط.
وبذلك يكون عمل صديقتي الشاق الذي استغرق منها شهوراً إن لم يكن سنوات قد تعرض للسرقة، بل والتربح منه عبر طرحه للبيع بسعر أقل.
هذا ما دفعني للتفكير.
هل كانت سوسن تعلم أن ما قامت به يعد أمراً مخالفاً للقانون؟
وهل كان لدى هناء أي فكرة عن كيفية حماية حقوقها في المقام الأول؟
الأسوأ من ذلك، ماذا لو قامت سوسن بنسخ عمل هناء كأنه عملها الخاص، كيف يمكن لهناء في هذه الحالة أن تدافع عن نفسها؟
ويتضح أن هناك فجوة كبيرة ونقص في الوعي بحقوق الملكية الفكرية.
أهمية اليوم العالمي للملكية الفكرية
تجسد تجربة هناء أهمية اليوم العالمي للملكية الفكرية الذي يُحتفل به سنوياً في 26 أبريل، وقد تم تحديد هذا اليوم في عام 2000 من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، وذلك للاعتراف بالدور الحيوي الذي تلعبه الملكية الفكرية في تعزيز الإبداع والابتكار والتنمية الاقتصادية.
إنه يوم يجتمع فيه الكل من مختلف أنحاء العالم لخلق وعي عالمي بحقوق الملكية الفكرية، ومعالجة التحديات والتهديدات التي تشكلها القرصنة والتزوير واستغلال الأعمال الإبداعية دون إذن، ومواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية.
أما بالنسبة لهناء والمبدعين الآخرين، فيذكّرهم اليوم العالمي للملكية الفكرية بضرورة اتخاذ خطوات استباقية لحماية حقوقهم الفكرية، بما في ذلك تسجيل حقوق النشر لأعمالهم الإبداعية، والحصول على براءات اختراع لمبتكراتهم، وتنفيذ استراتيجيات لحماية علاماتهم التجارية وأسرارها.
تقدر دولة قطر وسائر الدول العربية بشكل عام اليوم العالمي للملكية الفكرية نظراً لدوره المهم في الحفاظ على أنماط الإبداع التقليدي، إضافة إلى حمايته حقوق الملكية الفكرية للإبداعات المعاصرة.
فاليوم العالمي للملكية الفكرية يعمل باختصار كمنصة محادثة تعزز التعاون الموجّه لسد الفجوة بين الإرث الثقافي الغني وأشكال الإبداع الحديثة.
حقوق الملكية الفكرية في دولة قطر
أدركت الدول في جميع أنحاء العالم الحاجة الملحة لتطوير قوانين الملكية الفكرية للتغلب على التحديات الناشئة والمتواصلة، وقد صدر في دولة قطر قرار وزير الاقتصاد والتجارة رقم (153) لسنة 2018 بتشكيل لجنة التظلمات من القرارات المتعلقة بتسجيل براءات الاختراع وبالترخيص الإجباري باستغلال الاختراع والإجراءات المتبعة أمامها.
وترى مؤسسة سابا للملكية الفكرية أن هذه اللجنة تقدم منصة مستقلة لحل النزاعات المتعلقة ببراءات الاختراع، مما يتيح للمتقدمين إمكانية التظلم على القرارات التي يتخذها مكتب البراءات، حيث تشمل مسؤولياته: مراجعة قرارات طلبات براءات الاختراع بدقة، وتقييم الأدلة المقدمة، وضمان سير الإجراءات بشكل عادل.
علاوة على ذلك، تعتبر دولة قطر عضواً فاعلاً في مختلف الهيئات والمعاهدات الدولية البارزة التي تعزز المعايير الخاصة بحقوق الملكية الفكرية على المستوى العالمي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية، ومعاهدة الويبو بشأن حق المؤلف، ومعاهدة الويبو بشأن الأداء والتسجيل الصوتي، واتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية.
هذه الاتفاقيات تمهّد الطريق أمام قطر للمساهمة في وضع تشريعات للملكية الفكرية تتسم بالاستمرارية والفعالية على الصعيد العالمي، مما يضمن للمبتكرين والمبدعين التقدير والحماية اللائقة بأعمالهم وإبداعاتهم.

تحديات الملكية الفكرية في العصر الرقمي
لا تزال هناك تحديات تواجه صانعي المحتوى تَحُول دون ضمان عدم انتهاك حقوقهم للملكية الفكرية، وقد ناقش الاجتماع العالمي للملكية الفكرية (GIPC) ضرورة معالجة هذه التحديات في المشهد الرقمي الحالي، وأكد على ضرورة وجود استراتيجيات شاملة تغطي تحديث الأطر القانونية واستغلال التكنولوجيا وتعزيز التعاون الدولي لحماية حقوق النشر والبراءات والعلامات التجارية بشكل فعّال.
ويعتبر تنفيذ هذه الإجراءات أمراً حيوياً لحماية حقوق المبدعين وضمان استمرار الملكية الفكرية في تحفيز الابتكار والتنمية الاقتصادية في العصر الرقمي، لذلك تقوم مثل هذه الخطوات بالدفع قدماً نحو مساهمات فريدة للمبتكرين، مع تعزيز لثقافة العدالة واحترام الإنجازات الفكرية، ومن خلال ذلك يمكن خلق بيئة تسمح بازدهار الإبداع والابتكار، مما يدفع بالمزيد من التقدم التكنولوجي الذي يسهم في الازدهار الاقتصادي العالمي.
درست ديانا أبو العدل – محامي أول في مجال الملكية الفكرية في مكتب التميمي ومشاركوه القانوني – التحديات التي تواجهها قطر في عصر الرقمنة، وقد أبرزت مناقشتها ضرورة حماية وتنفيذ حقوق الملكية الفكرية في ظل التطور الرقمي السريع، بالإضافة إلى مكافحة القرصنة عبر الإنترنت والمنتجات المزيفة، حيث تطرقت إلى تعقيدات إدارة الحقوق الرقمية مع ظهور تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، بالإضافة إلى تنامي القلق حول خصوصية البيانات والأمن السيبراني.
وقد شددت أبو العدل على أهمية تحديث الأطر القانونية واستخدام حلول تكنولوجية مبتكرة وتعزيز التعاون الدولي، كخطوات أساسية لحماية الإبداعات الفكرية بفعالية خلال التحول الرقمي المتواصل.
الاستخدام العادل وتطبيقاته الحيوية
هل يمكن لأي مجتمع أن يستفيد إذا احتفظ مبدعوه بإبداعاتهم لأنفسهم؟ بالتأكيد، لا.
لذلك هناك سؤال هام يطرح نفسه: كيف يمكننا التوفيق بين حقوق المبدعين واحتياجات المجتمع؟
يكمن الجواب في مفهوم الاستخدام العادل، وهو ما يعني السماح باستخدام محتوى شخص ما إلى حد معين أو وفقاً لشروط معينة.
وتعتبر مبادئ الاستخدام العادل أساسية لتعزيز التعليم والمشاركات الثقافية في مختلف المجالات الإبداعية، وذلك كما يتضح من خلال المثال التالي:
يوضح دليل تم تطويره من قبل منظمات تعليمية ممولة من قبل مؤسسة ماكارثر وفورد أن مبادئ الاستخدام العادل تُمكّن المدرسين من تطوير أساليب تدريسهم عن طريق إدراج المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر، مثل نصوص مكتوبة أو مقاطع مرئية، لتعميق فهم الطلاب للمواضيع.
على سبيل المثال، يمكن للمعلمين إثراء حصة العلوم في المدرسة باستخدام مقاطع من أفلام وثائقية، وكذلك يمكن توضيح طرق تحليل الخطاب من خلال استعراض مقتطفات أدبية، مما يساعد الطلاب على الاستفادة بشكل كبير من هذا المنهج، وتوفير تجربة تعليمية متنوعة تتسم بجودة عالية توظف المحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر ضمن حدود الاستخدام العادل.
وقد أجرت جانت بلاك الأستاذة المشاركة في جامعة شهيد بهشتي دراسة حول خطوط التماس والتقاطع بين حقوق الملكية الفكرية والإرث الثقافي، إذ ناقشت الدراسة حماية التعبيرات الثقافية التقليدية والفلكلور والموارد التراثية والمعارف التقليدية ضمن إطار قانون الملكية الفكرية، بلاك قدمت تحليلاً مفصلاً للجوانب القانونية للملكية الفكرية من حيث صلتها بالتراث الثقافي، ولكنها لم تقدم أفكاراً محددة بشأن تعزيز المشاركة الثقافية في حدود مبادئ الاستخدام العادل.
وشددت بلاك على أهمية الموازنة بين الاحتكارات القانونية للابتكار والحفاظ على التراث الثقافي، فقد كشفت عن حماية أشكال التعبير التقليدية وتأثيرات الرقمنة على التراث الثقافي، بهدف إظهار كيف يمكن لقانون الملكية الفكرية والحفاظ على الثقافة أن يفيدا المجتمع بشكل مشترك.
علاوة على ذلك، تعتبر مبادئ الاستخدام العادل أساسية لتعزيز مختلف المجالات الإبداعية من خلال تحقيق توازن بين تشجيع الإبداع وضمان تحقيق تعويض عادل للمبدعين، وذلك من خلال دعمهم عن طريق الشراء مباشرة منهم، وحضور فعالياتهم لتعزيز العلاقات الشخصية، ويجب كذلك مشاركة أعمالهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لزيادة فرص المشاهدة، إضافة إلى المشاركة في المهرجانات وتبني تنوع المشهد الإبداعي في المجتمع، مما يثري الحياة الثقافية.
إن الترويج لحقوق الملكية الفكرية وتقدير الأصالة وتفعيل المحتوى المشترك بشكل صحيح يعتبر كلها أموراً حاسمة في دعم المبدعين المحليين ومساهماتهم المتنوعة.

في الختام، ونحن نترقب اليوم العالمي للملكية الفكرية والتحديات التي تواجه المبدعين مثل هناء، ينبغي علينا أن نعي أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية، وأن نتخذ كافة الإجراءات الممكنة لدعم وتمكين المبدعين المحليين.
لا تنس وضع علامة في تقويمك للاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية.
لا تنس في 26 أبريل أن تشارك المجتمع العالمي لنشر الوعي حول حماية حقوق الملكية الفكرية، ودعم المبدعين والمبتكرين في جميع أنحاء العالم.




