ها نحن أمام قصة بحرية لا تقل إثارة عن روايات المغامرة الكبرى، لكنها هذه المرة ليست خيالاً، بل واقعاً دولياً تصوغه منظمة أممية هادئة الصوت وعميقة الأثر، وهي المنظمة البحرية الدولية التي انشأت في 1948 تحت اسم الهيئة الاستشارية البحرية الحكومية الدولية، واستطاعت أن تصبح حجر الأساس في بناء نظام قانوني عالمي للملاحة البحرية، التي تعتبر واحدة من أعقد شبكات النقل على وجه الأرض.
فمهوم الملاحة البحرية ينحصر “في البحر بتحديداته العلمية والجغرافية، وذلك بواسطة السفن التي يتوافر فيها الشروط والمواصفات التي تجعلها تتحمل مخاطر البحرية”، وفقاً لما ذكره فائز ذنون في كتابه مبادئ القانون البحري (2017).
فمنذ أن ركب الإنسان البحار، بدأ يكتشف الأهمية التي تتمتع بها، حيث إنها تشكل طرق لاتصال القارات بعضها ببعض، لذلك فقد أصبحت ذات أهمية كبيرة للمواصلات بين دول العالم، وقد استفادت الدول الاستعمارية القديمة من البحار لخدمة مصالحها التوسعية، فاستعمرت البلدان بواسطة أساطيلها التي كانت تجوب البحار.
إلا أن البحار لا تستخدم كطرق مواصلات لأهداف استعمارية فحسب، وإنما تستخدم كطرق مواصلات للسفن التجارية التي تنقل البضائع من دولة الى أخرى، فنجدها في الوقت الحاضر تستحوذ على نسبة كبيرة من المبادلات التجارية بين الدول، إضافة إلى أهميتها كطرق للمواصلات، ولا يمكن إنكار أهميتها الأخرى التي تكمن في الثروات الموجودة فيها الحيوانية والمعدنية.
ويقّسم ذنون الملاحة إلى أربعة أنواع رئيسية، فهي من حيث الأهمية تنقسم إلى ملاحة رئيسية تشمل نقل الأشخاص، أو البضائع، أو الصيد، أو النزهة، وملاحة مساعدة مثل سفن الإنقاذ والإرشاد والقطر، وكلاهما يخضع لأحكام القانون البحري.
ومن حيث المسافة، تنقسم إلى ملاحة ساحلية تجري بين الموانئ الوطنية، سواء على بحر واحد (ساحلية صغرى) أو بحرين مختلفين (ساحلية كبرى)، إضافة إلى ملاحة أعالي البحار التي تجري بين الموانئ الوطنية والأجنبية، وتخضع الملاحة الساحلية حصراً لسفن الدولة الوطنية.
أما من حيث الغرض، فتنقسم إلى ملاحة تجارية لنقل الركاب والبضائع بهدف الربح، وملاحة صيد لاستخراج الثروات البحرية، وملاحة نزهة تشمل اليخوت والسفن العلمية، وجميعها تخضع للقانون البحري باعتبار تعرضها لمخاطر البحر.
وأخيراً، من حيث الملكية، هناك الملاحة الخاصة التي تقوم بها سفن الأفراد والشركات، والملاحة العامة التي تقوم بها سفن الدولة كالحربية وسفن البحث العلمي والخدمات العامة، وتتمتع الأخيرة بحصانة قضائية خاصة وفق الاتفاقية الدولية لبروكسل 1926.
وضعت اتفاقية بروكسل 1926 قواعد موحدة للرهونات والامتيازات البحرية، فاعتبرت الرهون المسجلة نافذة دولياً، ومنحت أولوية لديون محددة مثل رسوم الموانئ وأجور الطاقم والتعويضات، وغالباً يسقط الامتياز بعد سنة ويتبع السفينة حتى لو انتقلت ملكيتها إلى مالك جديد، مع استثناء السفن الحربية، وإبقاء حرية محدودة للتشريعات الوطنية.
إلا أن الاتفاقيات الدولية بدأت قبل اتفاقية بروكسل 1926 بسنوات، حيث كان غرق سفينة تايتنك عام 1912 الشرارة الأولى التي كشفت للعالم هشاشة معايير السلامة البحرية، فكانت النتيجة أول اتفاقية دولية للسلامة في البحار عام 1914، وهذه الاتفاقية تحولت بمرور الزمن إلى دستور بحري حيّ، يتطور باستمرار ليغطي تفاصيل دقيقة من بناء السفن إلى معدات الإنقاذ ومكافحة الحرائق.
لكن الانعطافة الكبرى جاءت مع كارثة الناقلة توري كانيون عام 1967 التي أفرغت آلاف الأطنان من النفط في سواحل كورنوال البريطانية، مما أدى إلى تلوث البحر، وكشفت ثغرة قانونية مروّعة في مسألة التعويض والمسؤولية، لتُدخل حماية البيئة البحرية في صلب عمل المنظمة البحرية الدولية، وأدى ذلك إلى تأسيس لجنة حماية البيئة البحرية جنباً إلى جنب مع لجنة السلامة.
ثم جاءت اتفاقية قواعد منع التصادم في البحار عام 1972 لتضع ما يشبه الطرق السريعة البحرية، من فصل مسارات السفن في المضائق المزدحمة مثل مضيق دوفر، إلى قواعد تحديد السرعة والعبور الآمن، وكانت النتيجة دراماتيكية، حيث تراجع عدد التصادمات بنسبة كبيرة، وتحولت الفوضى إلى نظام صارم يشبه انضباط الطرق البرية.
وتتضمن اتفاقية قواعد منع التصادم في البحار 41 قاعدة موزعة على ستة أجزاء وأربعة ملاحق تغطي سلوك السفن، مثل الأضواء والإشارات، وآليات الامتثال التي تطبق عالمياً على جميع السفن البحرية لضمان سلامة الملاحة ومنع التصادمات، كما تم تحديث القواعد البحرية القديمة، وأدخلت نظم لفصل حركة المرور البحري بشكل إلزامي للحد من الحوادث.
وامتدت جهود المنظمة البحرية الدولية إلى إنقاذ الأرواح عبر اتفاقية البحث والإنقاذ عام 1979 التي أنشأت مراكز إنقاذ منسقة تعمل على مدار الساعة، وتسمح بتدخل إقليمي عابر للحدود إذا كان هناك خطر على الحياة.
هذه الاتفاقية وضعت خطة دولية منسقة لإنقاذ الأرواح في البحار عبر مراكز تنسيق وإنقاذ إقليمية، وعُدلت عام 1998 لتعزيز التعاون الإقليمي وتكامل الخدمات البحرية والجوية، وأضيفت تعديلات 2004 لتأكيد نقل الناجين لمكان آمن.
كما شملت جهود المنظمة البحرية الدولية مكافحة القرصنة والإرهاب من خلال اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية التي صدرت في عام 1988، وبروتوكولاتها التي أضيفت في عام 2005 غطت تهديدات أخرى.
وجاءت اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية لمواجهة جرائم خطف السفن والعنف ضد الطواقم والركاب، وتُلزم الدول بمحاكمة أو تسليم الجناة، أما بروتوكولات 2005 فقد وسّعت نطاق الجرائم لتشمل الأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية، والتلوث، والنقل غير المشروع للمواد الخطرة، وتضمنت أحكاماً للتسليم، والتعاون الدولي، والتفتيش على السفن والمنصات الثابتة مع ضمان احترام الكرامة وحقوق الإنسان.
وعند التمعن في الحملات العالمية المتعلقة بالتلوث، نرى تهديداً بيئياً حقيقياً قد وصل إلى مراحل متقدمة، رغم أن صدور الاتفاقية الدولية لمنع التلوث الناجم عن السفن في عام 1973، والمعروفة أيضاً بماربول، إذ تتضمن ستة ملاحق تقنية: الأول مرتبط بمنع التلوث النفطي، والثاني متعلق بالتحكم في المواد السائلة الضارة، والثالث متعلق بالمواد الضارة المعبأة، والرابع متعلق بمياه الصرف الصحي، والخامس متعلق بالنفايات، والسادس متعلق بتلوث الهواء، كما تحدد الاتفاقية مناطق خاصة بخطط صارمة للتصريف.
وتشمل التدابير إلزام الناقلات بهياكل مزدوجة، ومنع تصريف المواد الضارة قرب السواحل، وحظر إلقاء البلاستيك في البحار، وتنظيم انبعاثات الكبريت والنيتروجين، وفي عام 2011 أُضيف فصل جديد لتعزيز كفاءة الطاقة وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، مما جعل اتفاقية ماربول ركيزة لحماية البحار والمناخ العالمي.

وبشكل عام تسعى المنظمة إلى تعزيز التنمية المستدامة من خلال عناصر عديدة، فعند النظر إلى أهداف التنمية المستدامة التي أطلقتها الأمم المتحدة، سيتبين أن هناك تكاملاً بين هذه الأهداف والمنظمة البحرية الدولية وقطاع الشحن البحري، فهو وثيق الصلة بـالهدف الرابع عشر الذي يركز على الحياة تحت الماء، المعني بصون الموارد البحرية واستثمارها على نحو مستدام.
ويرتبط الموضوع كذلك بالهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، والهدف التاسع الخاص بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والهدف السابع عشر الخاص بعقد الشراكات من أجل تحقيق الأهداف.
وقد شكّل اعتماد الاستراتيجية الجديدة للمنظمة البحرية الدولية بشأن انبعاثات الغازات الدفيئة في عام 2023 محطة مفصلية نحو بلوغ الحياد الكربوني في قطاع الشحن البحري بحلول منتصف القرن تقريباً.
ولا يمكن تجاهل اتفاقية نيروبي لإزالة الحطام البحري التي ألزمت مالكي السفن بتحمل تكاليف إزالة الحطام، بما في ذلك الحاويات الغارقة، كما استعدت لمعالجة قضية إعادة تدوير السفن عبر اتفاقية هونغ كونغ التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 2025، فارضةً سجلاً للمواد الخطرة وخططاً لحماية العمال والبيئة في ساحات التفكيك.
ولبلوغ أهداف اتفاقية نيروبي تضمنت المعاهدة أحكاماً تتناول الإبلاغ عن السفن والحطام وتحديد المواقع ومعايير تحديد المخاطر التي يتسبب بها، بما في ذلك تقييم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالبيئة البحرية.
وتنص الاتفاقية أيضاً على التدابير الرامية إلى تيسير إزالة الحطام، فضلاً عن مسؤولية المالك عن تكـاليف تحديد موقعه والتوسيم والإزالة، إذ يتوجّب على مالك السفينة المسجَّل أن يكتتب تأميناً إلزامياً أو ضماناً مالياً آخر لتغطية المسؤولية.
وعند التفكير ملياً في الحوادث سيظهر أن من المستحيل منعها كلياً، ولهذا وضعت المنظمة نظاماً للتعويض المالي من خلال الاتفاقية الدولية للمسؤولية المدنية عن أضرار التلوث النفطي لعام 1969، والبروتوكول المعدل لعام 1992، إذ تهدف إلى ضمان تعويض المتضررين من حوادث تسرب النفط من السفن، وتضع المسؤولية المباشرة على مالك السفينة، مع إلزامه بالتأمين أو ضمان مالي، وتحديد نطاق المسؤولية بحسب حمولة السفينة.
وقد وسع بروتوكول 1992 نطاق الاتفاقية ليشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة، وأقر تعويض تكاليف إعادة البيئة لوضعها الطبيعي، والتدابير الوقائية حتى عند عدم وقوع تسرب فعلي، كما قيدت مسؤولية الملاك في حال كان الضرر ناتجاً عن خطأ جسيم أو عمد.
وأدخلت عليها تعديلات عام 2000، لتعطي زيادة بنسبة 50% في حدود التعويض، فبالنسبة للسفينة التي لا يتجاوز وزنها الإجمالي 5,000 طن، تقتصر المسؤولية على 4.51 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 5.78 مليون دولار أمريكي).
أما السفينة التي يتراوح وزنها الإجمالي بين 5,000 و140,000 طن، تكون المسؤولية محددة بـ 4.51 مليون وحدة حقوق سحب خاصة مضافاً إليها 631 وحدة عن كل طن إضافي يتجاوز 5,000 طن.
وبالنسبة للسفينة التي يزيد وزنها الإجمالي عن 140,000 طن، تقتصر المسؤولية على 89.77 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، وهذه التعديلات جعلت النظام أكثر عدلاً وملاءمة للتعامل مع الأضرار البيئية والاقتصادية الناتجة عن حوادث التلوث النفطي.
يضمن هذا النظام دفع التعويض للصيادين والمجتمعات الساحلية، حتى لو تجاوزت التكاليف قدرة مالك السفينة، من خلال صندوق دولي ممول من شركات النفط المستوردة، وقد توسع هذا النموذج ليشمل وقود السفن والمواد الكيميائية.
وتتجه الأنظار الآن إلى مستقبل الملاحة البحرية، وهناك تقنيات حديثة بدأت في الظهور تستحق طرح أسئلة حول أطر قانونية جديدة ربما تُعيد تعريف علاقتنا بالبحار، مثل السفن الذاتية القيادة، والوقود الأخضر، والدفع المتطور، والتحديات المتزايدة للتغير المناخي.
وفي هذا السياق، يبدو شعار يوم الملاحة البحرية العالمي لعام 2025 “محيطنا، التزامنا، فرصتنا” بمثابة تلخيص بليغ لمعادلة دقيقة، فالبحر شريان للحياة والتجارة، لكن حمايته مسؤولية جماعية، وفرصة لصناعة مستقبل أكثر استدامة.
بهذا المعنى، تصبح المنظمة البحرية الدولية ليست مجرد جهاز بيروقراطي أممي، بل الحارس الصامت لسلامة البحار، وضامن لتوازن دقيق بين التجارة العالمية وحماية كوكبنا الأزرق.




