spot_imgspot_img
بيتأيام عالميةيوم الأغذية العالمي - 16 أكتوبر

يوم الأغذية العالمي – 16 أكتوبر

لا أُخفيك عزيزي القارئ، أنني عندما بلغت منتصف هذا المقال انتابني شعور تدريجي بميل طاغ إلى أن أصبح نباتياً، أو على الأقل لنقل نصف نباتي، وهو آخر ما كنت أتوقعه من نفسي التي ترى في الطهي فناً وثقافة وهُويّة، بل إحدى أهم ملذات الحياة المشروعة، لذلك ينبغي عليّ أن أحذرك مما ستطلع عليه هنا، فقد تلحق بي.

الخيار الآخر الذي يُروَّج له على نطاق واسع، ولا سيما في الغرب، هو تناول منتجات غذائية مُستخلَصة من الحشرات، وقد بدأتْ بالفعل في التسلل إلى رفوف المتاجر في أوروبا وأمريكا، وهذا ما لا أقبله شخصياً، جملة وتفصيلاً.

لكن قبل الوصول إلى هذه المحطة المُربكة، دعنا نُلقي نظرة على موقف الأمم المتحدة من تحدّيات الغذاء عالمياً، بوصفها كياناً يجمعُ تحتَ قبته مُمثلي البشر من مختلف الأعراق والمشارب والأيديولوجيات.

ينص قرار رقم 70/35 في الدورة 83 للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في 5 ديسمير 1980 – يوم الأغذية العالمي على أن “الجمعية العامة، إذ ترى أن الغذاء ضروري لبقاء البشر ورفاههم وأنه حق من حقوق الإنسان الأساسية، ترحب بالاحتفال بيوم الأغذية العالمي الذي سيعقد للمرة الأولى في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1981، ثم يعقد سنوياً بعد ذلك، كما قَرر بالإجماع مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في دورته العشرين، في قراره 79/1 المؤرخ في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، وتحث الحكومات والمنظمات الوطنية والإقليمية والدولية على الإسهام إلى أقصى حد ممكن في الاحتفال على نحو فعال بيوم الأغذية العالمي.”

وتحت شعار “يداً بيد من أجل أغذية ومستقبل أفضل” يحتفل موقع يوم الأغذية العالمي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) بهذا اليوم في 16 أكتوبر 2025 . 

جدير بالذكر أن المنظمة أعلنت أنها تواجه عالمياً ضغوطاً غير مسبوقة في توفير الغذاء لأسباب مختلفة، منها الاحتباس الحراري المضر بالمناخ والتربة والزراعة وسلاسل الإمداد الغذائي التي أصبحت هشّة للغاية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية والعسكرية التي خلفت مليارات من البشر الجائعين إلى حد المجاعة في بعض المناطق من العالم.

وقد شهدت 10٪ من الأراضي تدهوراً بفعل البشر، منها 60٪ أراض زراعية، ويُفقد أو يُهدر نحو 30٪ من الأغذية عالمياً، منها حوالي 13٪ خلال الحصاد والنقل، فيما يُهدر 19٪ في مراحل البيع بالتجزئة والاستهلاك.

كما أن نحو 673 مليون شخص يعانون من الجوع، بينما يعاني حوالي 900 مليون بالغ من السمنة، ويعاني 35.5 مليون طفل دون سن الخامسة من زيادة الوزن.

وبنظرة واسعة للكوكب، نجد وفقاً لمقال على موقع منظمة الفاو بعنوان المزيد من الوقود لجدل الغذاء مقابل العلف أن النباتات توفر حوالي 86٪ من السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر عالمياً، وهي المسؤولة في الوقت نفسه عن 98٪ من الأكسجين الذي نتنفسه، ومع ذلك فإن تسعة أنواع فقط من النباتات تشكّل 66٪ من إجمالي إنتاج المحاصيل.

أما الإنتاج الحيواني فيوفّر نحو 18٪ فقط من السعرات الحرارية العالمية، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وبخاصة الميثان بكميات كبيرة، وله أيضاً عدد من التأثيرات غير المباشرة على صحة الإنسان، وغلات المحاصيل، وصحة الغطاء النباتي من خلال دوره كمقدمة لتشكيل أوزون التروبوسفير وفقاً لموقع تحالف المناخ والهواء النظيف.

ويعد الميثان المعوي منتجاً جانبياً لعملية الهضم الطبيعية في الحيوانات المجترة، مثل الأبقار والماعز والأغنام والجاموس،  حيث أن روثها وتجشئها يشكلان معاً أكثر من 32% من انبعاثاته التي تعتبر ضمن أسباب الاحتباس الحراري، وما يترتب عليه من تغير مناخي للأرض، وذلك كما يشير مقال على موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) بعنوان الثروة الحيوانية والميثان المعوي.

أما عن كيفية تكون الميثان المعوي، فتتلخص في أن الميكروبات عندما  تقوم بتحليل وتخمير الطعام والألياف في الجهاز الهضمي للحيوان المجترّ، وتحديداً داخل منطقة الكرش، فإنها تُنتج الطاقة والمغذيات للحيوان، ولكن تُطلق في الوقت نفسه غاز الميثان الناتج عن فقدان الطاقة القابلة للهضم، وتُعرف هذه العملية الهضمية باسم التخمّر المعوي، وعلى هذا النحو أصبحت تربية المواشي على نطاق واسع أحد أهم مصادر انبعاثات الميثان في العالم.

الثروة الحيوانية والميثان المعوي | منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)

الغذاء الحشري بديلاً عن الغذاء الحيواني

أمام هذه التحديات ترى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن الحاجة باتت ملحة إلى أفكار جديدة وتعاون وثيق بين الحكومات والمنظمات الدولية والمزارعين لاختيار أنماط غذائية جديدة.

لكن من أعجب المقترحات للحد من انبعاثات الميثان المضر بالمناخ التي اطلعتُ عليها وأنا مصدوم، ما أشار إليه مقال على موقع المنظمة بعنوان أربعة أسباب تجعل الحشرات الصالحة للأكل خياراً واعداً من أجل الأمن الغذائي وسبل العيش، إذ يستشهد المقال بأن تايلاند تُعرَضُ في أسواقها المحلية الحشرات الصالحة للأكل مثل ديدان البامبو، والقواقع المقلية، وتُقدّم ساخنة ومقرمشة.

يضيف المقال أن أكثر من 1900 نوع من الحشرات الصالحة للأكل تُستهلك عالمياً في كثير من الدول، وأنها تشكل بالفعل جزءاً غنياً من الأنظمة الغذائية، فمثلاً في آسيا تُعد ديدان النخيل الحمراء من الأطعمة الفاخرة في عدة بلدان.

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية يتغذى العديد من أفراد شعب النغاندو على اليرقات خلال مواسم الأمطار، وفي أوروبا وأمريكا الشمالية بدأت المنتجات المُستخلَصة مكوناتها من الحشرات الغنية بالبروتين تُباع في الأسواق، كما أن الاتحاد الأوروبي وضع بالفعل معايير ما أسماه الأمان الغذائي للاستهلاك الآدمي للحشرات.

وترى المنظمة في مقالها أن الحشرات الصالحة للأكل تحتوي على قيمة غذائية مهمة، يمكن أن تكون إضافات صحية للنظام الغذائي، فهي توفر طاقةً ودهوناً وبروتيناً وأليافاً، وقد تكون مصدراً جيداً للعناصر الدقيقة مثل الزنك والكالسيوم والحديد، مما يؤهلها لأن تكون بديلاً للبروتين التقليدي من اللحوم.

وعندما قارنت المنظمة وجبة لحم بقري بوجبة من الديدان، وجدت أن الديدان تحتوي على معادن مماثلة ومحتوى أعلى من الفيتامينات، رغم أن لحم البقر يحتوي على نسبة أعلى من الأحماض الأمينية والدهون، كما أن تربية الحشرات لها مزايا بيئية عديدة، فهي تنتج انبعاثات غازات دفيئة أقل بكثير من مصادر البروتين الحيواني، كما أنها تستهلك ماء أقل مقارنة بالماشية، ولا ريب أنها تتطلب مساحات صغيرة جداً من الأراضي.

وتستشهد المنظمة في مقالها على ذلك بأن حتى الصراصير مثلاً تحتاج إلى علف أقل باثني عشرة مرة مقارنة بالبقر لإنتاج الكمية نفسها من البروتين، لدرجة أن جنوب شرق آسيا انتشرت فيها تربية الصراصير بوتيرة متسارعة.

ولضمان التوافق مع معايير السلامة الغذائية الدولية نشرت المنظمة بالتعاون مع قسم علم الحشرات في جامعة خون كاين التايلاندية دليلاً بعنوان إرشادات حول التربية المستدامة للصراصير: دليل عملي للمزارعين والمفتشين لمعالجة الفجوات المعرفية بين المربين والحكومات، خاصة أنه مع تزايد عدد سكان العالم، يزداد الضغط على الموارد الطبيعية والزراعة التقليدية لتلبية الطلب على الغذاء والبروتين.

لذلك ترى المنظمة أن الحشرات تمثل مورداً غير مستغل بالكامل بعد، مما يمكن أن يساعد في سد هذه الفجوة الغذائية، مع ضرورة أخذ السلامة الصحية والنظافة كأولوية ضرورية، حيث نشرت المنظمة تحليلاً بعنوان تناول الحشرات الصالحة للأكل من زاوية سلامة الغذاء يراجع الآثار المرتبطة بالسلامة الغذائية لتناول الحشرات، ويدعم ممارسات التصنيع السليمة.

وموقف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) ليس ببعيد عن موقف الاتحاد الأوروبي الذي أصدر في 20 يناير 2025 تفويضاً رسمياً عممته اللائحة التنفيذية للمفوضية الأوروبية رقم 2025/89 يسمح بتسويق مسحوق دودة تسمى دودة جريش الذرة الصفراء المعالَجة بالأشعة فوق البنفسجية كغذاء جديد، بهدف استخدامه في منتجات غذائية، مثل الخبز، والكعك، والبسكويت، والمعكرونة، ومنتجات الألبان، وغيرها، بحيث تُوجه إلى عموم المستهلكين.

ولذر الرماد في عيون الممتعضين من هذا التعميم تؤكد الفقرة الأولى من المادة الثالثة من هذه اللائحة التنفيذية للمفوضية الأوروبية على أنه “يجب أن يُذكر بوضوح على الملصق أن المكوّن هو مسحوق دودة جريش الذرة الصفراء المعالَج بالأشعة فوق البنفسجية”.

مستقبل الغذاء: الحشرات الصالحة للأكل

المعضلة الأخلاقية للغذاء المعاصر

يفترض د. أليستر نوركروس قصة خيالية في ورقة بعنوان الجراء، والخنازير، والبشر: أكل اللحوم والحالات الاستثنائية، ورغم أن العنوان يبدو غامضاً في البداية للبعض، إلا أنه يمثل مرآة أخلاقية تعكس بوضوح ثقافتنا الغذائية المعاصرة، حيث يدفعنا الكاتب دفعاً نحو مواجهة إدعاء خطير وهو أن أكل اللحوم المنتَجة في المزارع الصناعية لا يختلف أخلاقياً كثيراً عن بشاعة تعذيب جرو صغير لمجرد المتعة.

يتخيل نوركروس في قصته الخيالية تلك أن رجلاً يُدعى فريد يعذّب في قبو منزله عدداً كبير من الجراء، حيث يسجنها ويعذبها لستة أشهر، فقط بهدف الحصول على مادة كيميائية أسماها كوكومون، لأنها تضفي مذاقاً أفضل على الشوكولاتة، وحين يُكشف أمره، يثور الرأي العام، ولا يتردد أحد في إدانة فعلته، ولا تُقبَل رغبته في طعم ألذ كمسوغ مشروع.

هنا يَطلب منا نوركروس أن نتمسك بتعاطفنا هذا قليلاً، لأنه في فكرته التالية سيقارن بين قصة فريد الخيالية الذي يعذب الجراء في قبوه وبين واقع تربية المواشي والطيور في المزارع الصناعية، حيث تُسجن المليارات منها وتُعذّب في سبيل إشباع متعة تذوق الطعام لدى البشر.

ولتحكيم المفارقة، يمضي نوركروس في تخيل عرض شوكولاتة شهية على القارئ، الذي يكتشف لاحقاً أن أحد مكونتها مأخوذ من مادة الكوكومون الناتجة عن تعذيب وحشي لجراء، وطبعاً سيرفض أكلها حتى من لم يشارك في هذه الجريمة، لأن أي إنسان سيرى أن مجرد استهلاك نتاج هذا الفعل يبدو عملاً غير أخلاقي، وهنا يتساءل نوركروس: ما الفرق بين ذلك وبين تناول لحوم المزارع الصناعية؟ خاصة وأن واقع معاناة مليارات المواشي والطيور يفوق كثيراً في بشاعته قصة فريد الخيالية.

يقول نوركروس إن البعض سيتحجج بأن خياراته كفرد لن تُحدث فارقاً، لكنه يرفض هذا الدفاع تحت مسمى العجز السببي، ويشبّهه بوالد يرفض تثبيت طفله في مقعد السيارة بحجة أن الحوادث نادرة، ذلك أن الخطأ الأخلاقي يبقى خطأ أخلاقياً مهما كان المبرر، ولأن السلوك الفردي مهما كان محدوداً، إلا أنه يبقى جزءاً مكوناً للسلوك الجمعي ككل، وهكذا، فإن كل عملية شراء فردية للحوم من المزارع الصناعية تسهم في استمرار الطلب عليها.

في النهاية، لا يترك نوركروس مساحة كبيرة يرتاح فيها آكلو اللحوم، فإذا كان تعذيب جرو صغير جريمة أخلاقية مروعة، فإن دعم المزارع الصناعية عبر استهلاك منتجاتها لا يقل عنه بشاعة، بل يفوقه حجماً، فالجوع ولذة الطعام مع وجود بدائل غذائية نباتية لا يمكن أن تبرر المعاناة الممنهجة لمليارات الكائنات.

فالقضية من وجهة نظر نوركروس ليست حقوق الحيوانات وحدها، بل تتخطاها إلى مدى توافق سلوكنا الغذائي مع المبادئ التي نزعم الدفاع عنها، أم تُرى أننا نعيش في نسخة موسعة من قبو فريد الذي يعذب فيه الجراء، ونحن متواطئين في صمت، على حد قوله؟

المساواة بين الحيوانات: قسوة صادمة في مزارع كبد الإوز في فرنسا

أخلاقيات الغذاء في الإسلام

في قلب النقاش الإسلامي يبرز مفهوم استخلاف الله للإنسان في الأرض، حيث ترى بعض التفسيرات الإسلامية أنه تفويض إلهي للإنسان بالسيطرة على الطبيعة، بينما تطرق آخرون إلى محورية مفهوم الرحمة والتوازن والانسجام الكوني في الإسلام.

يقول الأستاذ المساعد شوقي الزهر بجامعة قطر في كتابه الرجعية في الفكر الإسلامي والكتاب المقدس: نحو نظرية قرآنية للوظيفة الوجودية الإنسانية (2023) إن الحيوانات ليست مجرد موارد، بل جزء أصيل من الخلق الإلهي له قيمة ذاتية ينبغي على المسلم أن يحترمها.

وتقول زينيرا الشيخ في ورقتها بدعة أم خلق إلزامي؟ إن صورة الفِلاحة البسيطة في الماضي التي كانت تنتج كماً محدوداً من اللحوم والطيور ومنتجات الألبان والبيض من مزرعة صغيرة لأسرة واحدة، لم تعد تنطبق على الواقع المعاصر للمزارع الصناعية التي يُذبح فيها سنوياً أكثر من 70 مليار حيوان وطائر. 

إذ يُحشر اليوم الدجاج في أقفاص ضيقة، وتُسحق الكتاكيت الذكور حية، وتُجبر الأبقار على الحمل القسري بشكل متواصل، ثم في كل مرة تُفصل عنها عجولها مباشرة فور ولادتها، لتحلب ضروعها بخراطيم شفط حتى تدمي، بل أن ما يُطلق عليه مراعي مفتوحة تخفي واقعاً قاسياً، تفرضه هذه الصناعة المتوحشة، ومن ثم تَطرح إشكالات أخلاقية وروحية عميقة.

ثم تنتقل الباحثة إلى واقع تربية الحيوانات والطيور والأسماك المرير المعاصر، حيث يُقتل سنوياً أكثر من 70 ملياراً من الحيوانات البرية للأكل، وهذا الحجم الضخم يستلزم اكتظاظ غير رحيم لهذه الكائنات، تُقدَّم فيها المضادات الحيوية وتُمارَس فيها ممارسات قاسية، مثل حقن الدواجن بهرمونات تضاعف وزنها في زمن قصير وهي محبوسة في أماكن ضيقة، وحبس دجاج البيض في أقفاص لا تسمح بفرد الأجنحة، وطحن أو خنق صيصانُ الذكور لأنها لا تبيض، كما تُقطّع المناقير وتُقصّ الأجنحة دون تخدير. وتعريض أبقار الألبان لمعاناة رهيبة في دورات حمل وولادة قسرية وانفصالٍ مبكّر عن عجولها الوليدة، مع تعرضها لأمراضٍ كالتهاب الضرع.

وتنقد زينيرا الشيخ ما تسميه فقاعة الحلال، فبدلاً من دفع الناس إلى الامتناع، ينصرف بعض الخطاب إلى تحسين الشروط التقنية، لكن تطبيق ضوابط الحديث النبوي في منظومات صناعية هائلة غير واقعي عملياً، كما أن الحليب الناتج عن فصل العجول ومعاناة أمهاتها وأمراض الضرع لا يُمكن عدها عملاً طيباً أو خالياً من الأذى، فضلاً عن امتداد بعض آثاره الصحية إلى البشر.

وتؤسس حجتها على مفهوم مقاصد الشريعة بوصفها رعايةَ مصالح خلق الله كافة، بشراً وغير بشر، وعلى ترجيح المصالح ودرء المفاسد بما يحفظ البيئة ويمنع الفساد في الأرض. 

كما تناقش أن الأمن الغذائي الحيواني يستهلك كميات ضخمة من الحبوب لإطعام الحيوانات والطيور بدلاً عن البشر، التي لو حُوِّلت إلى غذاء نباتي مباشر للإنسان لأمكن إطعام مليارات إضافية من الجائعين.

في الخلاصة، تدعو الباحثة إلى اجتهاد إسلامي يُعيد تقييم الذبح واسع النطاق للحيوانات في ضوء معطيات غير مسبوقة تاريخياً، وترى أن الضرر المترتب على أكل الحيوان لم يعد قضية ذوق أو رفاهية، بل أصبح مساهمة مباشرة في تفاقم تغير المناخ وتهديد الأمن الغذائي والحياة على الأرض، ومن ثم لا يُسوغ للمستهلك المسلم أن يبقى جزءاً من تمويل هذه المنظومة غير الرحيمة، بل عليه تحمّل مسؤوليته الأخلاقية بالامتناع والسعي إلى خيارات نباتية أرحم بالخلق والأرض.

لماذا تقوم صناعة البيض بتمزيق الكتاكيت حديثة الولادة؟

ولو تأملنا فلسفة الغذاء في الإسلام لوجدنا له آداب أصيلة توارثها المسلمون جيلاً بعد جيل، اقتداء برسول الله ﷺ.

فمن آداب الطعام الإسلامية المتعارف عليها اجتماعياً حتى يومنا هذا على مستوى العالم الإسلامي المترامي الأطراف، ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: “كُنْتُ غُلَامًا في حَجْرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: يا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيَمِينِكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيكَ فَما زَالَتْ تِلكَ طِعْمَتي بَعْدُ”.

وكذلك التحذير من الإسراف في الطعام أو الشراب، وقد أخرج الترمذي في سننه، عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول الله ﷺ قال: “ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه، حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه، فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفّسِه”.

وللتواضع أمام نعم الله وشكره عليها أثر كبير على آداب الطعام في الإسلام، ومن ذلك ما أوصى به رسول الله ﷺ من لعق الأصابع بعد الفراغ من الأكل، وتخيل معي اليوم جماعة من الوجهاء أو العظماء وهم يلعقون أصابعهم بعد الفراغ من أكلهم، هل يُبقي ذلك في نفوسهم شيء من كبر أو استعلاء؟

يستوقفني في هذا المقام، موقف طريف مع صديق سوري يملك شركة إنتاج أفلام، تعاونت معه في إنتاج عدد من التقارير التلفزيونية عن كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر، وكان أحد هذه التقارير عن شاب ألماني رحالة يجوب العالم على دراجته الهوائية.

كان يعيش حياة المغامرة التي لا تخلو من تقشف وزهد، ويرفض بشدة القيم الاستهلاكية الرأسمالية الحديثة، فيبيت حيثما حط الرحال في أي مكان بسيط، ولا غاية له سوى الترحال في أرض الله الواسعة، فكانت الدوحة إحدى محطاته أثناء كأس العالم.

بعد أن انتهينا من تصوير الشاب الألماني، دعانا صديقي السوري إلى مطعم شعبي لتناول وجبة من اللحم مع الأرز المندي المطهو على الطريقة الأفغانية، وكنا جميعاً جلوساً على الأرض نتجاذب أطراف الحديث عن مغامرات هذا الرحالة، وحين فرغنا من الطعام، فوجئت أنا وصديقي السوري بمشهد لا يُنسى.

فضيفنا الألماني لم يترك في صحنه حبة أرز واحدة، أما قطعة اللحم فلم يتبق منها سوى قطعة عظم ملساء نظيفة، ثم إذ به يلعق صحنه المعدني الذي لم يتركه من يديه إلا بعد أن أصبح لامعاً تماماً، كأنه غُسل بالماء والصابون.

في تلك اللحظة شعرت بإعجاب صادق ودهشة عميقة أمام هذا التواضع من ضيفنا الألماني، وهذا التقدير العظيم لنِعَم الله التي بين أيدينا.

الرحالة الألماني في الدوحة خلال كأس العالم 2022

إن موضوع الغذاء اليوم لم يعد مجرد مسألة زراعة أو تجارة، بل تحول إلى أزمة وجودية تطال المناخ والأخلاق ومستقبل الإنسانية جمعاء.

إن العلاقة بين هذه القضايا واليوم العالمي للغذاء، الذي تحتفل به منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) سنوياً في السادس عشر من أكتوبر، هي علاقة أصالة وجوهر، فالاحتفال ليس ترفاً، بل هو صرخة في وجه واقع بعيد كل البعد عن مبدأ أن “الغذاء ضروري لبقاء البشر ورفاههم وأنه حق من حقوق الإنسان الأساسية”.

لقد أصبح تحقيق شعار مثل “يداً بيد من أجل أغذية ومستقبل أفضل” هدفاً صعب المنال بسبب التحديات البيئية والأخلاقية الضاغطة، فالكوكب منهك، يهدده الاحتباس الحراري الذي يُضعف التربة والزراعة ويجعل سلاسل الإمداد الغذائي هشة.

باختصار، يقدم اليوم العالمي للغذاء فرصة سنوية للتحول الجذري في نظرتنا للغذاء، تحول من مجرد حق ننتظره من الحكومات، إلى مسؤولية أخلاقية وبيئية يتحملها كل مستهلك، لضمان مستقبل مستدام وعادل لكوكبنا.

Ahmad Okbelbab
Ahmad Okbelbab
يَنظُمُ الحروفَ كحبات اللؤلؤ، لكنها سرعان ما تنفرط ليجمعها من جديد بحثاً عن شيء ما، ثم في النهاية يستسلم أمام الكلمات التي تأسره، والمعاني التي تفاجئه.
مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية