spot_imgspot_img
بيتالمرأةسوق السحر في زمن العقل

سوق السحر في زمن العقل

حين يعجز الإنسان عن تحقيق مبتغاه، يبدأ في البحث عن قوة تتجاوز قدراته؛ فبعضهم يلجأ إلى وساطة صاحب نفوذ، أو إلى مال وفير يسخّره لنيل مراده، بينما يتجه آخرون بفطرتهم نحو الغيب، ساعين إلى قوة لا تُرى.

وهنا تتمايز العقول والقلوب، فالمؤمن حين يؤمن بالغيب، يفعل ذلك إيماناً بغيب فوق العقل، وبقدرة عليا أرشدته بوحي صادق إلى ما وراء المشاهد والمحسوسات، أما غير المؤمن، فينزل بإيمانه إلى غيب تحت العقل، يلهث خلف خرافات العرافين، ويضع ثقته في ورقة تاروت أو قراءة كف، وإن كان يزعم أنه لا يصدق إلا ما يخضع للمختبر.

المفارقة أن المجتمعات اللادينية التي طالما رفعت شعار “العلم أولاً” هي ذاتها التي تحتفي بتوقعات الأبراج وتغذي أسواق الشعوذة، لأن الإنسان حين يفقد اليقين، يتشبث بأي وهم يَعِد بالخلاص.

أما المسلم، فقد نُهي عن إطلاق الأحكام إلا ببينة، ودُعي إلى طلب العلم وتقدير العلماء، لكنه في الوقت ذاته يؤمن أن للغيب سلطاناً لا يُدرك بالعقل المجرد، بل بنور الوحي الذي يكشف له ما لا يُدرَك بالحواس.

نحن اليوم نعيش في زمن الذكاء الاصطناعي والطب الجزيئي والسفر إلى المريخ، وما زالت الطلاسم تجد طريقها إلى قصور السياسيين، وجيوب الفقراء، وقلوب الخائفين، ويتسلل السحر بكل أشكاله في كل بقاع الأرض، من العراق إلى المغرب، ومن واشنطن إلى مومباي، ليعيد تشكيل ملامح السلطة والمال والحب والمرض، تماماً كما كان يفعل قبل آلاف السنين.

لدي صديقة لا يخلو حديثها من قصص عما فعلته فلانة بزوجها، وأخرى بصديقها، ما بين سحر تفريقٍ يُولِّد الشكّ والكره وانعدام التقدير، ويُشعل النار في بيت الزوجية، وسحر محبّة يجعل من الرجل خاتماً في إصبعها، شغوفاً ملهوفاً بجنون، لا يستطيع فراقها، وتحركه كما تشاء؛ سواء بدافع الطمع في ماله، أو لكيلا يرى غيرها، أو لتفعل ما تشاء وهو أعمى لا يرى ما يحدث حوله.

وكلا هذين النوعين ذُكِرا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ فالنوع الأول نجده في سورة البقرة في قصة الملكين هاروت وماروت في قوله تعالى: “فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ”، وأما النوع الثاني فقد سمّاه النبي ﷺ التِّوَلَة، وقد نهى عنها وقال: “إن الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَة شركٌ”، وهي تأتي على شكل خيط يُقرأ فيه شيء من السحر، أو قرطاس يُكتب فيه شيء من الطلاسم بغرض جلب المحبة.

وتروي عائشة رضي الله عنها أن رسول صلى الله عليه وسلم كان قد سحر على يد لبيد بن الأعصم، أحد يهود بني زريق، الذي استخدم مشطاً وبعض شعر النبي ﷺ، مع شيء من طلع النخل، ووضع العمل في بئر “ذروان”، مما جعل النبي ﷺ يُخيّل إليه أنه فعل شيئاً ولم يفعله، ومع ذلك، لم يؤثر السحر على عقله أو وحيه، فدعا النبي ﷺ ربه حتى أتاه ملكان، فأخبراه بمكان السحر، فاستُخرجوه، وحُلّت عقده بالمعوذات، فزال أثره.

ولا ننسى قصة نبي الله موسى عليه السلام مع سحرة فرعون، حين اجتمعوا في يوم الزينة أمام الناس، وألقوا حبالهم وعصيّهم فسُحرت أعين الناس، وخُيّل إليهم أنها تسعى، فخاف موسى عليه السلام، لكن الله طمأنه بقوله: “لا تخف إنك أنت الأعلى”، فألقى عصاه، فإذا بها تلقف ما صنعوا، فانقلب السحرة من خصوم إلى مؤمنين، وسجدوا لرب موسى وهارون عليهما السلام.

وبذلك يتبين أن السحر ليس – كما يتصور البعض – خرافة أو وهم، بل حقيقة غيبية مؤكدة ثبت وقوعه في النصوص الشرعية، وذُكر في القرآن، وأجمعت عليه السنة، فهو لا يؤثر في الأبدان والعقول إلا بإذن الله، كما هو الحال مع الفيروسات والبكتيريا عندما تصيب الإنسان، وله صور متعددة.

تشير دراسة الدكتور عبد المقصود محمد شعيب المنشورة في مجلة الدراسات القانونية إلى أضرار جسيمة يسببها السحر في العالم العربي على أكثر من مستوى. 

فعلى الصعيد النفسي والاجتماعي، يُعد السحر أحد أسباب الانهيار الأسري وتفكك العلاقات، إذ يؤدي إلى انتشار الوساوس المرضية، والقلق المستمر، والخوف من الآخرين، ويزرع الشك بين الأزواج والأقارب، مما يحوّل البيوت إلى ساحات من التوتر والعزلة. 

ومن الناحية الصحية، فإن كثيراً من ضحايا السحر يلجأون إلى مشعوذين يصفون أعشاباً مجهولة المصدر أو يقومون بممارسات خطرة قد تنتهي بتسمم أو أضرار جسدية بالغة، خصوصاً عندما يتم استخدام مواد نجسة أو ضارة تحت ستار “العلاج الروحاني”. 

و لا يقل الأثر الاقتصادي خطورة، فهوس التخلص من السحر أو جلب المحبة يدفع البعض إلى دفع مبالغ طائلة للسحرة والدجالين، وقد يتم الترويج لمواد بأسعار خيالية، مما يؤدي إلى استنزاف مالي يثقل كاهل الأفراد والأسر.

المصيبة أن صديقتي تتحدث وكأن معظم من حولها يمارسون هذه الأعمال، وكأن السحرة متوفرون بكثرة، يقدّمون خدماتهم بلا حسيب أو رقيب، وكأن لديهم دكاكين منتشرة كالبقالات، تفتح أبوابها علناً وتستقبل طابور الزبائن المنتظرة دورها على أحر من الجمر، فكلامها يجعل المرء يتساءل بجدية عن القوانين التي تجرّم هذه الأفعال، وعن العقوبات الرادعة التي يُفترض أن تطال مرتكبيها.

في الحقيقة، تطرق القانون القطري إلى تجريم أفعال السحر والشعوذة صراحةً بموجب التعديل الذي أدخله قانون رقم (22) لسنة 2015 على قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم (11) لسنة 2004، حيث خصص له فصلاً مستقلاً بعنوان “جرائم الشعوذة والدجل”، وحدد فيه العقوبات بوضوح.

فبحسب المادة 299 من قانون العقوبات، يُعاقب كل من يضلّل الآخرين بادعاءات تتعلق بالسحر أو العرافة أو معرفة الغيب أو القدرة على دفع الضرر وجلب المنفعة، بعقوبة تصل إلى السجن 15 سنة وغرامة تصل إلى 200 ألف ريال، أو بإحدى العقوبتين.

ولا تقتصر العقوبة على من يمارس هذه الأفعال مباشرة، بل تمتد لتشمل من يهيّئ مكاناً لها، أو يديرها، أو يروج لها، أو يتستر على مرتكبيها، ما يقطع الطريق أمام كل أشكال الدعم والتمكين لها، وتصادر الأدوات والمبالغ المرتبطة بالجريمة، مع إمكانية إغلاق المكان الذي ارتكبت فيه.

وقد أعطى المشرع مساحة تُعفي من العقوبة لمن يُبادر بالإبلاغ عنها قبل اكتشافها، بينما يُعاقب من يشرع فيها، حتى لو لم تكتمل الجريمة، بنصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة، مما قد يفتح نافذة للإفلات من العقاب، وتنقذ مرتكبي السحر والدجل حين تشتد الدائرة عليهم، أو ربما يفتح باباً للتوبة والندم.

الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة هو أن السحر بطبيعته غامض، وغير محسوس وغير مرئي، وبالتالي فإن إثباته أمام المحكمة يبدو مهمة بالغة الصعوبة، فلا توجد أدلة مادية عليه في معظم الحالات، و لا بصمات تُرفع، ولا مقاطع فيديو توثق ما حدث، بل أقوال مرسلة، ونيات باطنية، وشكوك يصعب إخضاعها لميزان العدالة.

إضافة إلى أن القانون يفتح المجال لاجتهادات فردية، وتفاوت في تفسيره وتطبيقه، فهو لا يُفرّق بين ما هو دجل محض، وما هو علاج روحي، أو حتى معتقدات اجتماعية تمارس منذ أجيال، وبين الرقية الشرعية، والعلاج بالطاقة، وادعاء الغيب، فخيوط هؤلاء متشابكة، وتجعل من الحكم أمراً صعباً.

إن الاختلاف في تصنيف الجريمة نفسها يمثل إشكالية إضافية، فشخص يزعم القدرة على جلب الحبيب أو فتح النصيب، قد يُتهم بالنصب لا بالشعوذة، فتُخفف العقوبة، وتُغيّر جهة التحقيق، ويسدل الستار على فعل كان يجب أن يُدان بصفته الحقيقية.

وكما أن لصديقتي قائمة بمرتكبي السحر وزبائنه، فهي أيضاً تملك قائمة أخرى تضم رجالاً تقول إنهم متعاونون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لديهم القدرة على فك السحر والمس وإزالة أثره، وبذلك يتضح أن هناك سوقاً موازياً من مدعي الولاية والصلاح، ممن يُشفي العليل ويُعيد المرء إلى صوابه.

يُقدّم موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر قائمة بالرقاة الشرعيين ضمن خدماتها المتنوعة، ويصف أحد الرقاة المدرجين في هذه القائمة، نفسه بأنه إمام كغيره من أئمة المساجد، ولا يعتقد أنه مميز أو وليّ، بل يرى أن جميع المؤمنين أولياء، وقد تم ترشيحه من قِبل الوزارة لممارسة الرقية الشرعية دون مقابل.

ويقول إنه يستخدم الآيات القرآنية والأدعية الواردة في السنة النبوية لعلاج من يأتونه، ومعظم الحالات التي تمر عليه عبارة عن اضطرابات وتهيؤات ووساوس، وليس لديه من الأدوات سوى الماء الذي يقرأ عليه بعض آيات القرآن، فيدعو المعتل إلى أن يشرب منه، أو يمسح به وجهه ويديه، أو موضع الألم إن وجد، وقد لا تكفي جلسة واحدة، وذلك حسب الحالة.

وينصح كذلك من يظن أنه محسود أو مسحور باللجوء إلى من أُدرجوا في قائمة الرقاة المعتمدين، لأن هناك الكثير من المزيفين الذين يشترطون مبالغ مالية لقاء قراءتهم، وقد يطلبون من المريض إحضار أشياء شخصية كملابس وغيرها، بينما الراقي الحقيقي يكتفي بقراءة القرآن بوضوح، والنفث على المريض والدعاء له، دون اشتراط أي مبلغ مالي، إذ تكون قراءته لوجه الله تعالى.

وفي هذا قال الشيخ محمد أبو بكر بأسلوب حازم دون تردد في إحدى حلقات برنامجه إني قريب الذي يعرض على قناة النهار إن من يستحضرون الجن يتصفون بالكفر، ويؤكد على أن ما يفعلونه ليس إلا سلوكاً ضالاً لا يتم إلا بوسائل شركية وكفرية.

فمن دخل على أحدهم فوجده يستخدم الذبح، أو النجاسة، أو ما يُسمى بـ”الطرق السفلية”، فليعلم أنه دجال، وإذا رأى أحداً يعتمد على التنجيم، أو قراءة الكف، أو استخدام أثر من متعلقات الناس، أو المندل، أو الزار، أو الكهانة، أو الزهر المرقم، أو حساب الطالع، أو الخط على الرمل، أو تحضير الأرواح، أو حتى حساب السبحة، أو ما يُعرف بـ”البشعة”، فعليه أن يدرك فوراً أنه أمام مشعوذ دجال.

ويؤكد الشيخ أنه، وإن كان قد كشف هذه الوسائل، إلا أنه امتنع عن شرحها تفصيلاً، حرصاً منه على ألا تصبح الحلقة وسيلة لتعلم السحر، بل لتوعية الناس وتمكينهم من كشف من يتلبسون بلباس الدين وهم أبعد ما يكونون عنه، خاصةً أن السحر في مصر منتشر، وأن مجموع ما يكسبه السحرة يضاهي تجارة السلاح والمخدرات.

يقول إبراهيم حشاد في مقاله السحر والشعوذة والدجل فى حياة الزعماء العرب إن”العالم العربي ينفق من 5 إلى 7 مليارات دولار سنوياً لفك السحر وجلب المحبة وايقاع الضرر بين الناس ، ولعمل الحظوة ولدفع الأذى ، وحب السيطرة ونزعة الشر ، وجلب المال والجاه ، والنجاح في العمل والحياة”

وليس من الغريب أن نجد السحر منتشراً في مجتمعاتنا، ما دمنا قد سمعنا – بل وتواترت القصص – عن حكام وزعماء كانوا يترددون على السحرة والعرافين، ويستعينون بالمشعوذين في اتخاذ قراراتهم أو تأمين بقائهم في الحكم، ما يثير تساؤلات حول مدى تأثير العرافات على قرارات مصيرية داخل السلطة، وهنا يظهر جانب خفي من علاقة السحر بالسياسة في العالم العربي.

يقول حشاد إن حسني مبارك استعان بالعرافين، وأبرزهم العرافة أم ماجد التي زارته بالمستشفى الذي كان يرقد فيه بشرم الشيخ لقراءة الطالع له ولتخبره بالمستقبل الغامض الذى ينتظره، وكان يؤمن بتنبؤات حول استمراره في الحكم وتوريث السلطة لجمال مبارك.

تعود علاقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالعرافين والدجالين إلى أواخر الخمسينيات حين كان ضابطاً في السودان، حيث تنبأ له عراف سوداني بأنه سيصبح رئيساً لمصر، رغم أن طموحه حينها لم يتجاوز منصب محافظ. 

هذه النبوءة، التي تحققت لاحقاً، مهدت الطريق أمام ثقته بالعرافين، وخلال فترة عمله كنائب للرئيس السادات، بدأ يتردد على عرافة في حي مصر الجديدة، أكدت له أنه سيصعد للحكم عبر الدم، وهو ما حدث فعلاً بعد اغتيال السادات في حادث المنصة.

لم يتوقف اهتمام مبارك بالعرافين عند الحدود المصرية، ففي باريس عام 1982، تنبئت له منجمة فرنسية بأنه سيموت في نفس العام الذي يعيّن فيه نائباً، وهو ما قد يفسّر رفضه الطويل لتعيين نائب طوال فترة حكمه، وعندما عيّن عمر سليمان نائباً له عام 2011، تصاعد الحديث عن تحقق تلك النبوءة، خاصة مع تدهور صحته وزيارة أم ماجد له في المستشفى.

ورد الدكتور محمد أبو بكر في مقاله المنشور في صحيفة رأي اليوم أن ساحر ومشعوذ عراقي يدعى حامد، “أصبح منزله مكاناً يؤمّه كبار المسؤولين في البلاد، من سياسيين ووزراء، ومن الراغبين بخوض الإنتخابات النيابية.” 

وهذا الساحر العراقي “يتفاخر بنبشه للقبور واستخدام مخّ الميت في أعماله، ويشير إلى انّه دائماً يستقبل العديد من كبار المسؤولين إلى الحدّ الذي استقبل فيه أكبر مسؤول في البلاد، كما قال، مشدداً على أنّ أعماله السحرية تنجح بصورة كبيرة، وكثيراً ما حقق أشخاص النجاح في الإنتخابات البرلمانية لأنه ساعدهم من خلال سحره .”

نحمد الله أن بعض الدول الإسلامية اتخذت موقفاً واضحاً من السحر ووضعت له مواداً تجرمه، حيث إن الدول الغربية والعلمانية تعتبره نوعاً من الممارسات الروحانية أو نوعاً من الاحتيال.

قدم ميل كينان دراسة بعنوان الاستجابة القانونية الغربية للسحر في بابوا غينيا الجديدة الاستعمارية يقول فيها أن القانون الإنجليزي تطوّر عبر القرون من تجريم السحر بوصفه اتفاقاً أو ميثاقاً يعقده الشخص مع الشيطان أو وسيلة للإضرار بالآخرين، إلى إنكار فعاليته تماماً واعتباره مجرد خداع واحتيال بحلول عام 1736، مما أدى إلى نهاية محاكمات السحر في بريطانيا.

ويضيف كينان أن الاستعمار البريطاني ومن بعده الأسترالي تعامل مع السحر في بابوا غينيا الجديدة من منطلق ضبط النظام العام، دون فهم عميق للبنية الثقافية والروحية للمجتمعات المحلية، وقد سنّ قوانين تُجرّم الادعاء بامتلاك قوى سحرية، ولكنها لم تنجح في وقف الاعتداءات المرتبطة بالسحر.

ويبدو أن كينان يشير إلى ان هناك ازدواجية معايير، فقانون السحر لعام 1971 في بابوا غينيا الجديدة منحه اعترافاً ضمنياً بوجوده، لكنه حاول إنكار فعاليته في الواقع، هذا التناقض أدى إلى ضعف في تطبيق القانون وزيادة في الجرائم المرتبطة بالسحر.

وهنا يتبين أن هناك قصور لدى الغرب في استيعاب أن الإيمان بالسحر كان يشكل جزءاً حيوياً من النظام الاجتماعي في بابوا غينيا الجديدة، فقمعت هذه الظواهر بدلاً من إدماجها ضمن مقاربات قانونية تراعي السياق المحلي، وهذا ما توصي به الدراسة، خاصة في المجتمعات التي ما زال فيها الإيمان بالسحر قوياً، حيث أن الحلول الغربية الجاهزة والقائمة على أدلة مادية قد تزيد من تفاقم العنف بدلاً من احتوائه.

ونرى هذه الاستهانة أيضاً في عام 2017، في قصة السحرة والمشعوذين الذين أرادوا مواجهة صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم، فقد نظّمت مجموعة من السحرة والمتعاطفين معهم وقفة احتجاجية غير تقليدية أمام برج ترامب في نيويورك، حيث أجروا طقساً سحرياً عند منتصف الليل بهدف “تقييد” الرئيس دونالد ترامب ومنعه من التسبب بأضرار.

تقول صحيفة التايمز إن هذه الطقوس تضمنت حرق صور غير لائقة لترامب مع شموع برتقالية اللون وورقة تاروت، وهو جزء من حملة أوسع دُعي إليها عبر الإنترنت، وكان من المقرر تكرارها في كل هلال متناقص من القمر. 

ورأت الصحيفة أن ما جرى يعتبر طابعاً هزلياً ومشهداً غريباً، وأنه يرمز لتعدد أشكال التعبير عن المعارضة، خاصةً في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي شهده المجتمع الأمريكي حينها.

في المقابل رأى العديد من القادة الإنجيليين في هذه الطقوس مؤشراً على “المعركة الروحية” بين الخير والشر، مؤكدين أن دعمهم لترامب ليس فقط سياسياً بل أيضاً دينياً، حيث يعتبرونه أداة لتنفيذ مشيئة الرب، ومن ثم اعتبروا أن السحرة يمثلون قوى معادية للإيمان المسيحي، مما دفعهم إلى تعزيز جهودهم في الدعاء والتوعية الروحية.​

ورغم أن القوانين العلمانية تُنكر السحر، إلا أنها في الوقت ذاته تروّج لفكرة وجود قوى خارقة للطبيعة مرتبطة بمواد معينة.

 ومثال ذلك ما يرويه صادق الطائي عن “الزئبق الأحمر” في مقال له على صحيفة القدس العربي، حيث يصفه بأنه أسطورة ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، في ظل مخاوف من تسرب الأسلحة إلى السوق السوداء. وقد ارتبطت الشائعات بوجود مادة شديدة الخطورة يُعتقد أنها توجد في حناجر المومياوات أو أعشاش الخفافيش، بل واعتبرها البعض “طعاماً للجن” يحقق الأمنيات.

يعتقد أيضاً أن السوفييت طوّروها، وتُوصف بأنها قادرة على قتل سكان مدينة بحجم لندن دون أن تُدمّر بنيتها التحتية، ورغم غياب أي دليل علمي على وجود هذه المادة، تكررت الإشاعات حولها، لا سيما في التسعينيات بجنوب إفريقيا، حيث تورطت أجهزة استخبارات كالموساد في صفقات مشبوهة. كما ظهرت مزاعم بأن الولايات المتحدة روّجت للأسطورة سراً بهدف الإيقاع بالإرهابيين، حيث راجت شائعات حول وجودها في آبار بجنوب العراق.

وإن كان السحر يلاحق العقول من قصور الساسة والزعماء إلى بيوت البسطاء وجيوب الفقراء، والخرافة تتسلل باسم الدين أو تُروَّج باسم العلم، فإن البوصلة الحقيقية يجب أن تعود إلى داخلنا نحن، إلى بيوتنا، وقلوبنا، وتفاصيلنا اليومية.

ربما نجد أن معظم الحكايات أبطالها نساء يائسات أو طامعات، يلهثن خلف وعد بخلاص سريع أو حب موعود، لكن ليس كل سحر شر كما يقول الشيخ محمد أبو بكر، ولا كل تأثير خفي مدعاة للريبة، فهناك سحر لا يُحرَّم ولا يُدان، يدخل القلب بلا تعاويذ، ويأسر النفس بلا طلاسم، إنه الذي يسكن في طيب الكلام، وحُسن الخلق، ولطافة اللقاء، ونظافة المكان، وبهاء المظهر.

إن العناية بالكلمة قبل أن تُقال، تداوي كل مريض، وتفتح القلوب، وتكسب المودة بلا مقابل، فالكلمة الطيبة مفتاح للنفوس، وسحر لا يُبطل، ولا يُدان، ولا يُقاوَم.

أعلم يا صديقتي أنك خبيرة بدهاليز هذا العالم الخفي، تحفظين أسماء السحرة كما نحفظ أسماء الأطباء، وتروين القصص وكأنك عشتها، لكن اعلمي أن من أطال الوقوف على حافة الغيب بغير هدى، إما أن يسقط في الضلال، أو يُسلم عقله للجنون.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية