spot_imgspot_img
بيتقول فصلالعدد الثامن من قول فصل: فواصل فكرية في زمن الأسئلة الصعبة

العدد الثامن من قول فصل: فواصل فكرية في زمن الأسئلة الصعبة

في عددها الثامن، تمضي قول فصل في نشر مقالاتها العميقة، مستكشفةً النصوص والقوانين بانعكاساتها الاجتماعية، لتعرض مشاهد متباينة من أروقة المحاكم إلى صحاري الجزيرة العربية، ومن مكاتب التحقيقات المالية إلى حوارات المجالس الاجتماعية.

افتتحت المجلة عددها بمقال مليارات طليقة في ظل قانون غائب بقلم يوسف الحمادي، تناول فيه بنظرة تحليلية قضية غسل الأموال بوصفها ظاهرة عالمية عابرة للحدود، تبدأ من التنظيمات الإجرامية مثل عصابة كينهان وتصل إلى حكومات وشخصيات نافذة.

استعرض الحمادي الثغرات القانونية التي تستغلها الجريمة المالية، خصوصاً في دول ما بعد الربيع العربي، ويحلّل كيف تحوّلت بعض الملاذات المالية الآمنة إلى حواضن للفساد، واختتم بطرح السؤال المتكرر في إطار غسل الأموال “من أين لك هذا؟”، داعياً إلى مراجعة شاملة تربط بين القانون والضمير.

أما الكاتبة مريم مرتضى فقد أثارت في مقالها سوق السحر في زمن العقل تساؤلات صادمة حول استمرار تغلغل السحر في مجتمعات متعلمة على المستوى السياسي والحياة اليومية، فناقش أبعاد الظاهرة من منظور شرعي، وقانوني، ونفسي، مستعرضاً تجريم القانون القطري للشعوذة وفق تعديل 2015، إضافة إلى التحديات في إثباتها قضائياً.

كما تناول المقال العلاقة بين السحر والسلطة لدى العرب والغرب، وتطرق كذلك للازدواجية الغربية في التعامل معه، واختتمت مرتضى مقالها بدعوة صريحة للتمسّك بسحر الكلمة الطيبة والخلق الحسن.

أما رند سعد، فقد أخذتنا في مقالها اقتناء الحيوانات المفترسة في الخليج إلى زاوية قانونية وبيئية، ناقشت فيه ظاهرة اقتناء الحيوانات المفترسة بوصفها مزيجاً من التباهي والمغامرة، ثم استعرضت الإطار القانوني في قطر ودول الخليج، وحذرت من ثغرات التهريب ومخاطر تهديد السلامة العامة والتوازن البيئي.

دعت سعد من خلال مقالها إلى تشديد العقوبات، وتعزيز الرقابة، وتقديم بدائل آمنة تراعي حقوق الحيوان وتحفظ أمن الإنسان، مؤكدةً أن بعض الكائنات خُلقت لتعيش بحرّيتها، لا في أقفاص الرفاهية.

وأتي مقال الجريدة الرسمية في ضوء الشريعة والقانون لأحمد عقب الباب الذي تتبع فيه تطوّر الجريدة الرسمية في قطر منذ نشأتها عام 1961 حتى اليوم، واستعرض دورها كمنصة قانونية تضمن اطلاع الناس على التشريعات.

ربط عقب الباب بين هذا الدور وركائز الشفافية والمساءلة في الإسلام، مشدداً على أن “لا إعذار بعد إنذار”، كما ناقش أثر الذكاء الاصطناعي على النشر القانوني وسهولة الوصول للتشريعات، محذراً من اختلال المعادلة إذا غابت الحُجّة أو حجبت المعرفة عن الناس.

في مقال الكفالة في مواجهة التبني ناقش الحمادي بأسلوب نقدي سرديات إعلامية غربية وعربية تروّج للتبني المسيحي وتُظهر الكفالة الإسلامية وكأنها دونية، إذ عرض الأبعاد النفسية والشرعية والاجتماعية للكفالة، موضحاً أنها تحافظ على كرامة الطفل ونسبه، دون أن تُسقط حقه في الرعاية.

كما حذر الحمادي من استغلال التبني كغطاء للاتجار بالبشر، داعياً إلى تفعيل الكفالة ضمن أطر قانونية حازمة تحمي الطفل وتحفظ الثوابت.

ثم سلطت المجلة الضوء على العلاقة المعقدة بين كبار السن والمجتمع، من خلال مقال الإعلامية هدى محمد بعنوان اليوم العالمي للتوعية بشأن إساءة معاملة كبار السن – 15 يونيو، تعرضت فيه بنقد معمق لخطاب الأمم المتحدة في اليوم العالمي، مشيرةً إلى أن بعض المبادرات، رغم ظاهرها الإنساني، تحمل في جوهرها مفاهيم مادية تُقصي المسن عن أسرته وتُحيله إلى رقم في نظام مؤسسي.

عرض المقال نماذج غربية مثل تجربة بولندا وأستراليا، وحذر من تعميمها على مجتمعاتنا الإسلامية، مذكراً بأن الإسلام لا يرى الشيخوخة عجزاً، بل بركةً وشرفاً، داعياً إلى استعادة روح البر، وتعزيز دور الأسرة، ورفض استيراد النماذج الجاهزة دون وعي ثقافي.

وفي ظل الأيام المباركة روى عقب الباب رحلته لأداء فريضة الحج في عام 2005 في مقال بعنوان ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً بعد تردد بين قبول عرض عمل وتأدية المناسك، لكنه في النهاية خاض التجربة بكامل تفاصيلها الروحية والجسدية، من الطواف والسعي إلى رمي الجمرات.

قدم الكاتب تأملات رمزية للمناسك، متسائلًا عن معناها، مستحضرًا آراء د. مصطفى محمود في دحض الشبهات حول “الوثنية”، واستعرض بعدها أبعاد الحج الروحية والتنظيمية والتاريخية، مؤكداً أنه مؤتمر توحيد، لا طقس جامد.

وفي مقال من مقعد الانتظار إلى قوانين الاحتكار، عاد الحمادي مجدداً ليشرح للقراء الفروق الدقيقة بين الوكالة الحصرية والاحتكار، منبهاً إلى أن بعض صور الهيمنة في السوق ليست جريمة بل تفوق تجاري، وشرح الفرق بين الحصرية في الوكالة التجارية والاحتكار الفعلي، مذكراً بقوانين تنظيم أعمال الوكلاء التجاريين، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقانون تنظيم المناقصات والمزايدات، ثم كشف عن دور الدولة في ضبط حماية المستهلك من تغوّل الشركات.

كما فكك الحمادي مفهوم عقود الامتياز، مستعرضاً مثال شركة وقود، وختم بأن الذكاء التجاري والفهم العميق للقانون أهم من الهيمنة، وأن ما يبدو احتكاراً قد يكون تفوقاً مشروعاً لممارسات تجارية ذكية واستراتيجية تسويق ناجحة.

وفتحت رند سعد في مقال حرية الاعتقاد في مرآة الواقع ملفاً شائكاً، كونه واقعاً سياسياً حافلاً بالاضطهاد والانتهاكات ضد المسلمين بشكل خاص، وأن هناك تناقض بين خطابات الساسة في العالم وأفعال حكوماتهم.

ومن جهة أخرى قدمت سعد تحليلاً دقيقاً للآيات القرآنية والمفاهيم الإسلامية، ووضحت أن الحرية ليست استثناءً ضمنيّاً، بل أصل شرعي صريح، يكفله الإسلام، ويصونه في علاقته بالآخر، دون إكراه أو تمييز.

لم يخل العدد من المواضيع الطريفة، إذ قدّمت مريم مرتضى في مقالها خرافات وحقائق مرورية حول العالم جولة مدهشة حول العالم، استعرضت فيها قوانين مرور غريبة وممارسات يومية خاطئة حول العالم يظن الناس أنها قانونية، وكشفت كيف أن كثيراً من التصورات الشائعة عن القيادة تستند إلى موروثات شعبية، لا إلى نصوص قانونية.

جمع المقال بين المعرفة والمتعة، وسلط الضوء على أهمية الثقافة القانونية للسائق، كي لا يحكم تصرفه خلف المقود بما يسمعه، بل بما يفهمه ويعيه من نص القانون.

وأختتم العدد بمقال لافت لرند سعد بعنوان النظام القبلي في الخليج قبل الإسلام، عرضت فيه لوحة دقيقة للنظام القبلي في الخليج قبل الإسلام، متتبعة ملامح الحكم، وآليات التشريع، وأشكال العقوبات، وحقوق التملك، وبينت أن القبيلة كانت مؤسسة سياسية واجتماعية متكاملة، كان العرف فيها بمثابة الدستور، والمجلس القبلي بمقام المحكمة، وكيف أن العدالة كانت تُصاغ عبر مبادئ النسب والشرف، لا وفق قوانين مكتوبة.

وأشار المقال إلى أن النظام كان غير مركزي، ولكنه في الوقت نفسه كان منضبطاً بقيم متوارثة، إلى أن جاء الإسلام ليُحدث تحوّلاً عميقاً استبدل العصبية بالمساواة، والتقديس للقبيلة إلى إعلاء قيمة الإنسان.

وأثناء نشر مقالات هذا العدد، تم نشر ثلاث حلقات لافتة من برنامج ملح الكلام الذي تقدمه الإعلامية هدى محمد وبرنامج تعال أقولك الذي يقدمه الفنان حسن المندني.

كانت حلقة برنامج ملح الكلام مع أستاذ القانون الدستوري الأستاذ الدكتور حسن السيد، وأبرزت بعض القضايا المتعلقة بالنظام الدستوري القطري من خلال كتابه وقفات دستورية الذي يتناول قضايا مثل مبدأ الفصل بين السلطات، وآليات الرقابة الدستورية، والاحتكام للدستور كأساس في العلاقة بين المواطن والدولة.

وقدمت حلقة الرقابة من برنامج تعال أقولك تساؤلات حادة حولها، مستعرضة قانون المطبوعات والنشر لعام 1979 الذي لا يزال سارياً، وناقشت كيف تتعامل الرقابة مع المحتوى السياسي والديني والأخلاقي، والتحديات التي تواجهها أمام سيل الإنتاج الإعلامي العالمي، كما أثارت الحلقة مفهوم الآداب العامة، إذ وصفته بأنه فضفاض.

كما استعرض المندني أمثلة لأفلام محظورة بسبب الترويج للمثلية أو المساس بالقيم، واختتمها بنداء لإعادة تعريف الرقابة بشكل يحفظ الهوية دون أن يعزلنا عن العصر، مع التأكيد على أن حماية الأطفال تبدأ من الوعي، لا من المنع وحده.

أما في حلقة التعليم المنزلي استطاع المندني الغوص في تاريخ التعليم المدرسي وأصل نشأته، ثم ناقش فيها دور التعليم المنزلي كبديل مرن يناسب قدرات الطالب الفردية وظروف الأسرة، ضارباً أمثلة ملهمة لرياضين عالمين، ولم ينكر سلبياته مثل العزلة وصعوبة التنظيم.

كما سلطت الحلقة الضوء على الجانب القانوني، خاصة في قطر، حيث التعليم إلزامي ومقنن، وناقشت النقص التشريعي في العالم العربي، ودعت إلى الاعتراف بالتعليم المنزلي كخيار بديل، ثم اختتمت بنداء لتجنيب الأبناء التعليم التلقيني العقيم، وتربيتهم على التفكير النقدي والاستقلالية، استعداداً لعالم متغيّر لا يشبه ماضي المدارس.

وبين القضايا الكبرى والأسئلة الصادمة، بين المقال والتحقيق والحوار المرئي، يمضي العدد الثامن من قول فصل في أداء رسالته لإعادة تشكيل العلاقة بين القراء والمعرفة، ليس لحسم الإجابات بالضرورة، بل لتحفيز التفكير، وفتح نوافذ جديدة للوعي في زمن التلقين والتكرار، لتبقى الكلمة الحرة هي الفاصل، والفهم العميق هو المَعبَر.

مقالات ذات صلة

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية