ترى النظرة المادية للجسد أنه مثل أي أصل من الأصول التي يملكها الفرد، فيحق لصاحبه أن يهدمه، فينهي حياته مستعيناً بالمجتمع الطبي الذي يفترض به إنقاذ أرواح البشر من خلال ما يسمى بالقتل الرحيم، كما يحق له التبرع بعضو من أعضائه، ويحق له تغيير جنسه جراحياً أو هرمونياً وقتما يشاء، ويحق له التخلص مما في أحشائه من جنين طالما لم يُولد بعد، إنها نفس النظرة المادية لما يملكه الفرد من أصول يفعل بها ما يشاء.
وهي نظرة تخالف نظرة الإسلام إلى الإنسان، بوصفه كائناً مستخلفاً في الأرض ليعمرها، ومؤتمناً على ما وهبه الله من جسد أو أصول، هنا تعلو على المادة اعتبارات أخلاقية معنوية ذات مرجعية مقدسة، فلا يحق للفرد أن ينهي حياته أو حياة غيره إلا دفاعاً عن حياته هو شخصياً أو حياة برئ، بل لا يحق له أن يتصرف في ماله كيفما يشاء، لدرجة أنه يجوز الحجر عليه إن تعامل مع أمواله بسفه، كما أن به حق إلهي في مصارف الزكاة الثمانية ينتزعه منه السلطان جبراً إن تقاعس عن أدائه.
فمثلا وفقاً للفصل السابع من قانون التبرع بالأعضاء (الموافقة الضمنية) لسنة 2019 في المملكة المتحدة يعتمد حالياً نظام التبرع بالأعضاء على ما يُعرف بنظام الموافقة الضمنية، الذي يعني أنه يُفترض أن أي شخص بالغ يوافق على التبرع بأعضائه بعد وفاته ما لم يُسجّل رفضه صراحة أو كان ضمن فئة مستثناة، حيث تُطبق هذه السياسة في إنجلترا، وويلز، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية.
ورغم افتراض الموافقة الضمنية، إلا أنه يُطلب دائماً استشارة العائلة قبل تنفيذ التبرع، وفي بعض الحالات قد يُلغى التبرع إذا اعترضت الأسرة بشدة، حتى مع وجود موافقة مسجلة من الشخص المتوفى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التبرع بالأعضاء في المملكة المتحدة محظور تماماً لأغراض البيع أو التجارة، كما تُقدَّم إرشادات دينية متوافقة مع خلفيات المتبرعين، بما يشمل موقف الإسلام من التبرع، دون إلزام ديني أو قانوني.
إن الفلسفة المادية الدارونية في أقصى درجاتها تطرفاً التي دعا إليها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في نهاية القرن التاسع عشر تبيح قتل الآخر، لمجرد أنه أضعف، كما فعلت النازية التي صنفت البشر بمنهجية تدعي العلمية إلى جنس سوبر وآخر وضيع لا يستحق الحياة.
يرى د. عبد الوهاب المسيري في مقال له بعنوان نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر ضمن العدد الأول من مجلة أوراق فلسفية أن الفلسفة النيتشوية، بما تحمله من تمجيد للقوة، وإنكار للقيم، كانت البذرة الفكرية التي نبتت منها شجرة النازية المسمومة، من خلال مفاهيم مثل تحسين النسل، والقتل الرحيم، والحق في القوة، واحتقار الضعفاء، ولم تكن شعارات سياسية مجردة، بل كانت تطبيقاً عملياً لما نادى به نيتشه تحت عباءة إعادة تقييم القيم.
ويضيف المسيري أن فيلماً نازياً شهيراً عن هتلر في الأربعينيات حمل عنواناً نيتشوياً بامتياز “انتصار الإرادة”، تلك الإرادة التي تغلغلت في السياسة، لتنتج دولة ترى نفسها حَكماً فيمن يستحق الحياة، ومن يُحذف من دفتر الوجود.
المسيري، في نقده العميق، لا يكتفي بتسجيل التشابه بين فكر نيتشه والسياسات النازية، بل يدق ناقوس الخطر من كل فكر يُقصي الإنسان، ويحوّله إلى مادة في معادلة القوة، فالخطر الحقيقي لا يكمن في الطغيان وحده، بل في الفكر الذي يُبرّره، ويمنحه غطاء فلسفياً مهيباً.
وهكذا، تصبح الدولة العليا التي تخيّلها نيتشه ـ كما يراها المسيري ـ تجسيداً مرعباً لفقدان المعيار الإنساني، وتأكيداً على أن الفلسفة، حين تنفصل عن الأخلاق، قد تكون أخطر من السلاح.
في موقع أماليا الإندونيسي المخصص للنساء المسلمات، روت خمس نساء قصصهن مع الإجهاض، كاشفات عن تعقيدات القرار وظروفه القهرية، فالإجهاض، كما يظهر من شهاداتهن، لم يكن يوماً خياراً سهلاً، بل قراراً تُدفع إليه المرأة تحت ضغط الخوف، أو القهر، أو الوحدة.
إحداهن وجدت نفسها مهدَّدة من زوج يتنصل من الأبوة ويبتزّها نفسياً، وأخرى لم تحتمل عبء أمومة منفردة في ظل إهمال شريكها، وثالثة كانت شابة في علاقة غير مستقرة، محاصَرة بثقافة لا تغفر وعائلة لا تحتضن.
لكل واحدة حكاية، وفي كل حكاية ألم لا يراه القانون ولا يدركه المجتمع.
ورغم اختلاف قصصهن، إلا أن بينهن من كانت تُعارض الإجهاض من قبل إلى أن أصبحت مضطرة إليه، تنجو به من زوج خائن أو علاقة خارج إطار الزواج تهدد كيانها.
بعضهن لم تُقدم عليه إلا بعد مشورة شرعية واستخارة، حين كان الخوف على النفس أسبق من شوق الأمومة، وما اجتمعن عليه جميعاً أن الوصم الاجتماعي أقسى من الإجراء الطبي، وأن جسد المرأة في مجتمعاتنا لا يزال ساحة معركة بين فتاوى متباينة وقوانين صامتة، بينما هي وحدها من تدفع الثمن.
وإندونيسيا ليست عن العالم العربي ببعيد، فعندما نستعرض قوانينه المتباينة نرى أن معظمها يُجرّم الإجهاض في حالات عديدة، ويسمح به في حالات أخرى مقيدة بشروط، وما زالت بعض النساء يطالبن المؤسسات التشريعية بتوفير مرونة أكبر ومساحة أوسع.
ولرصد هذه القوانين قام موقع المرصد الإقليمي حول العنف ضد النساء والفتيات الذي تشرف عليه المبادرة النسوية الأورو-متوسطية بتجميع قوانين الإجهاض لمجموعة من الدول العربية، إذ لا يزال ممنوعاً أو مُقَيّداً في معظم البلدان المشمولة، باستثناء تونس التي تمثل حالة فريدة في التشريعات العربية، حيث يُسمح بالإجهاض خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، بل ويمكن تمديد هذا السماح إذا تعرّضت المرأة لخطر جسدي أو نفسي، أو إذا ثبت أن الجنين سيُولد بتشوهات خطيرة.
أما في الجزائر، فلا يُسمح بالإجهاض إلا في ثلاث حالات فقط، وهي عند تعرّض المرأة لخطر جسدي أو نفسي شديد، أو في حال عدم قابلية الجنين للحياة، اللافت أن القانون الجزائري لا يحدد صراحةً طبيعة الاضطراب النفسي، لكنه غالباً ما يُفهم ضمن سياق الاغتصاب.
في المقابل، تبقى مصر، ولبنان، والمغرب، والأردن، وفلسطين متمسكة بتجريم الإجهاض، مع بعض الاستثناءات الضيقة، ففي الأردن، تسمح المادة 12 من قانون الصحة العامة بالإجهاض فقط إذا هدد الحمل حياة المرأة.
أما في المغرب، فينص الفصل 453 من مجموعة القانون الجنائي لسنة 2019 على أنه “لا عقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم، متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج، ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر، غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم”
ويوضح الفصل نفسه أنه “عند عدم وجود الزوج أو إذا امتنع الزوج من إعطاء موافقته، أو عاقه عن ذلك عائق، فإنه لا يسوغ للطبيب أو الجراح أن يقوم بالعملية الجراحية، أو يستعمل علاجاً يمكن أن يترتب عنه الإجهاض، إلا بعد شهادة مكتوبة من الطبيب الرئيس للعمالة أو الإقليم يصرح فيها بأن صحة الأم لا تمكن المحافظة عليها إلا باستعمال مثل هذا العلاج”.
كما أنه وفقاً للفصل 554 “تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، كل امرأة أجهضت نفسها عمداً أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما رشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض”.
فوجهة النظر النسوية التي يمكن ملاحظتها في هذا الموقع أو في حراكهن ترى أن المرأة لديها كامل الحق في التصرف بجسدها، وأن على الحكومات أن لا تقيدها بقيود قانونية، أو أخلاقية، أو من خلال تحديد خيارتها.
وفي مواجهة طرق خطرة ومهينة لإنهاء حمل غير مرغوب فيه، ترى النسوية أن القوانين العربية تدّعي أنها تضمن الحق في الصحة الجنسية والإنجابية، وأن الحق في الإجهاض غالباً ما يُختزل إلى استثناء طارئ، بينما هي تطالب الحكومات أن يُعامَل الإجهاض كجزء أصيل من حقوق الإنسان.
وفي مناظرة على برنامج أزمة حوار المغربي في قناة ميدي 1 بين الأستاذ شفيق الشرايبي، رئيس الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري، والدكتور خالد فتحي، الباحث القانوني والأخصائي في الطب النسائي والتوليد، نرى هذا التفاوت في الآراء حول قضية الإجهاض.
حيث اتفق الطرفان على ضرورة تشريع قانون ينظم الإجهاض في أربع حالات تم التوافق عليها من قِبل لجنة ملكية، وهي الحمل الناتج عن اغتصاب، أو زنا المحارم، أو تشوهات خلقية خطيرة في الجنين، أو إصابة الأم بمرض عضوي أو عقلي خطير.
غير أن الخلاف بدأ حين طرح الأستاذ الشرايبي سؤالاً حول الحالات الأخرى التي لا تقل مأساوية، كالفقر المدقع، أو الأمومة القسرية، أو القاصر التي تحمل في سن مبكرة، أو حتى المرأة التي تحمل رغم استخدامها وسائل منع الحمل.
فهو يرى أن الإجهاض ليس قتلاً، بل أحياناً إنقاذٌ لحياة المرأة، من الناحية الجسدية أو النفسية أو الاجتماعية، واستند إلى معطيات ميدانية أجراها طلبة دراسات عليا، تشير إلى وجود حالات إجهاض تجري بشكل سري يومياً في المغرب، ما يجعله واقعاً لا يمكن تجاهله، وأضاف أن التفاوت الطبقي يجعل الإجهاض الآمن متاحاً للأغنياء ومميتاً للفقراء، الذين غالباً ما يضطرون للجوء إلى ممارسات شعبية مهددة للحياة.
في المقابل، قدّم الدكتور خالد فتحي مقاربة متحفظة تنطلق من الحق في الحياة، واعتبر الجنين كائناً منفصلاً لا يجوز اتخاذ القرار في مصيره استناداً فقط إلى حرية المرأة في جسدها، وذكّر بأن تقنين الإجهاض في أوروبا لم يحل المشكلات، بل تسبب في شيخوخة المجتمعات وتفكيك القيم الأسرية.
كما رفض فتحي توسيع مفهوم الصحة الاجتماعية ليشمل دوافع مثل الفقر أو الخوف من الطلاق أو القلق النفسي، محذراً من أن ذلك يفتح الباب أمام الإجهاض لأسباب مزاجية ويحوّله إلى وسيلة للهروب من المسؤولية.
ورأى أن الطبيب هو المحامي الأخير عن الجنين، الذي يمكنه من خلال الحوار مع الأم إقناعها بالحفاظ على الحمل، كما تكرر ذلك في عدة حالات عالجها بنفسه.
كلا الطرفين قدّم نقاطاً بالغة الأهمية، فالدكتور الشرايبي ذكّر بواقع مؤلم لا يمكن دفنه تحت سلطة القانون وحده، بينما دافع الدكتور فتحي عن منظومة أخلاقية يعتبرها الضامن الحقيقي لاستقرار المجتمع.

يبدو أن الفقه الإسلامي كان أكثر وضوحاً، فقد أعطى للإجهاض مساحة أوسع من التشريعات، فوفقاً لفتوى منشورة على موقع إسلام ويب، تتفق المذاهب الفقهية الأربعة على تحريم الإجهاض تحريماً قاطعاً بعد نفخ الروح في الجنين، أي بعد مرور 120 يوماً من الحمل.
في هذه المرحلة، يُعد الجنين نفساً إنسانية معصومة الحرمة، وإسقاطه يُعتبر جناية تُوجب الكفارة والدية، إلا إذا شكّل الحمل خطراً على حياة الأم، ففي هذه الحال تُقدَّم النفس المستقرة على التي لم تكتمل بعد، وهذا الحكم هو موضع إجماع لا خلاف فيه.
أما قبل نفخ الروح، فقد تنوّعت المواقف واختلفت بين المذاهب، فالمالكية هم الأكثر تشددًا؛ إذ يرون تحريم الإجهاض مطلقاً منذ لحظة استقرار النطفة في الرحم، ويعتبرون كل إسقاط للحمل – ولو في طوره الأول – جناية موجبة للغُرّة، فالحمل عندهم محترم من بدايته، ولا يجوز التعرض له إلا في حال الضرورة القصوى.
من جانب آخر، أظهر الحنفية مرونة نسبية، فقد أجاز بعضهم الإجهاض قبل الأربعين يوماً ما دام لم يتخلق شيء من الجنين، مستندين إلى أن النطفة في هذه المرحلة لا تزال بعيدة عن صورة الإنسان، لكن الغالب في مذهبهم أنه لا يجوز الإجهاض إلا لعذر معتبر، كأن تتعرض المرأة لضرر نفسي أو بدني خطير، أو تعجز عن إرضاع الطفل وليس لدى الأب ما يستأجر به مرضعة.
أما الشافعية فقد وقفوا في منزلة بين المنزلتين؛ فبعض فقهائهم أجاز الإجهاض قبل نفخ الروح لعذر، خصوصاً في حالات الحمل غير الشرعي أو الضرر البالغ، لكن آخرين رأوا الكراهة أو حتى التحريم، خاصة إذا قارب الحمل مرحلة التخلق، معتبرين أن في ذلك تعدياً على كائن آيل إلى الحياة.
بينما أجاز الحنابلة الإجهاض في طور النطفة، أي قبل أن يتحول الجنين إلى علقة، لكنهم شددوا المنع بعد التخلق، ولو لم تُنفخ الروح فيه بعد، وفي هذا ما يشير إلى أن الجنين كلما تقدم في نموه، ازدادت حرمته.
هكذا، يجمع الفقهاء على حماية الجنين بعد نفخ الروح، ويختلفون قبل نفخها بين الإباحة المقيدة والحرمة المشددة، بحسب تقديرهم لمراحل التكوين وعذر المرأة، وهذا الاختلاف الفقهي لا يدل على تضارب، بل يُظهر مرونة الشريعة في مراعاة الظروف، وتحقيق التوازن بين حرمة الحياة وواقع الناس.

تسوغ هذه الحالة من التضارب القانوني في العالم العربي فتح سوق للإجهاض في دول مثل تركيا، تستفيد من هؤلاء الذين يبحثون عن حلول ولا يجدنها في بلدانهم، فتفتح أبوابها لهم مسخرة العيادات والمستشفيات بأجود المعدات تحت ما يطلق عليه السياحة الطبية، وهي لا ريب تجارة رابحة.
فتركيا شروطها أخف، إذ يُنظم الإجهاض بموجب قانون تخطيط الأسرة رقم 2827 لسنة 1983، ويُعد المرجع التشريعي الأساسي في البلاد بشأن قضايا الصحة الإنجابية، ويُعرف باسم قانون تنظيم السكان.
وقد جاء في سياق توجه الدولة نحو تنظيم النسل وضبط معدلات النمو السكاني، ما جعل من الإجهاض قضية قانونية خاضعة لشروط وضوابط واضحة، لا سيما من حيث المدة والإجراءات والموافقات المطلوبة.
ينص القانون في مادته الخامسة على أن الإجهاض جائز قانونياً حتى نهاية الأسبوع العاشر من الحمل، بناءً على رغبة المرأة وحدها، شريطة عدم وجود موانع صحية، أما إذا تجاوز الحمل هذا الحد الزمني، فلا يُسمح بالإجهاض إلا في حالات محددة، مثل تهديده لحياة الأم، أو التأكد من وجود تشوهات خطيرة في الجنين، وفي هذه الحالات، يجب أن يستند القرار إلى تقرير طبي صادر عن طبيب مختص.
وتنظم المادة السادسة شروط الموافقة، حيث تشترط أن يتم الإجراء بموافقة المرأة، وإذا كانت قاصرة أو فاقدة للأهلية العقلية، فيجب الحصول على موافقة ولي أمرها أو الوصي القانوني، وفي بعض الحالات على إذن من المحكمة، أما في حال كانت المرأة متزوجة، فيُشترط الحصول على موافقة الزوج أيضاً، ويُستثنى من ذلك الحالات الطارئة التي تهدد حياة المرأة ولا يمكن فيها الحصول على الموافقات اللازمة في الوقت المناسب.
من حيث التطبيق، يشترط القانون أن تتم عمليات الإجهاض داخل مؤسسات طبية مرخصة رسمياً وتحت إشراف طبي مؤهل، وفقاً لضوابط محددة، ويتعين على الطبيب تقديم تقرير طبي يوضح مبررات الإجراء، وإبلاغ السلطات الصحية المختصة خلال 24 ساعة من تنفيذ العملية.

أما من لا تستطيع دفع تكاليف السفر والرعاية الطبية للإجهاض، فكثير منهن يلجأن إلى السوق السوداء، لشراء أدوية في الغالب قد تنجح بنسب ضئيلة، وقد تودي بحياة الجنين والأم في الكثير من الحالات.
فاستخدامها دون متابعة طبية معتمدة يعرض المرأة لمخاطر صحية خطيرة، وهناك احتمال الإصابة بنزيف حاد، وآلام شديدة، والتهابات، بل قد تصل المضاعفات إلى الوفاة أو العقم.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من النساء اللواتي أجرين إجهاضاً دون إشراف طبي مختص تعرضن لمضاعفات، مثل النزف المستمر والحاجة إلى تدخل جراحي لاحق بسبب الإجهاض غير الكامل، وقد تؤدي حالات الإجهاض غير المكتملة إلى بقاء أنسجة في الرحم، مما يعرض المرأة لمضاعفات مزمنة، كما أظهرت تقارير طبية حالات نادرة لحمل استمر بعد تناول حبوب الإجهاض، مما يهدد بعيوب خلقية في الجنين.
وفي بعض الظروف، مثل تعذر الوصول إلى رعاية طبية عاجلة، يمكن أن تتدهور حالة المرأة بسرعة، خاصة في حال حدوث تسمم الدم، أو انخفاض الضغط، أو انسداد رئوي، كما تُحذر منظمة الصحة العالمية من أن الإجهاض غير الآمن مسؤول عن وفاة أكثر من 22,000 امرأة سنوياً، بالإضافة إلى ملايين الإصابات الدائمة.
الخطورة لا تكمن في الأدوية ذاتها، بل في غياب التقييم الطبي قبل الاستخدام وعدم وجود متابعة بعده، لذا، فإن الإجهاض دون إشراف طبي يُعد مغامرة صحية تهدد حياة المرأة وتعرضها لمضاعفات يمكن تجنبها بسهولة في حال وجود إشراف رسمي متخصص.

الإجهاض لا يُختزل في إجراء طبي، ولا يُحسم بفتوى أو مادة قانونية، إنه مفترق طرق تتقاطع فيه إرادة المرأة وخلفية المجتمع، ونبض الضمير وحدود السلطة، وقلق الجسد حين يفيض بما لا يحتمل، وفي هذا الملف الحساس، تصطدم الحرية بالمقدس، ويتنازع العقل مع العاطفة، ويُدعى الجميع للحديث باسم الحياة.
المذاهب الفقهية وضعت حدوداً دقيقة تنطلق من تقديس الروح قبل أن تُنفخ، لكنها تركت فسحة للضرورة والظرف والرحمة، لكن الدول تتفاوت في تعاطيها مع هذه الفتاوى الدينية، فبعضها يمنح القرار للمرأة في حدود زمنية، وبعضها يقيده بقائمة استثناءات، بينما تنسحب أخرى إلى منطقة الصمت المحفوف بالخوف، وكل ذلك يعكس تصوراً ضمنياً حول الجسد، هل هو أمانة أم ملكية، هل يُدار بالضمير أم بالعُرف؟
في التجارب المعاصرة، يظهر الإجهاض كصورة معقدة من صور التوتر بين الفرد والدولة، وبين القيم والتغيير، وبين الألم الشخصي والسرد الجماعي، فالنساء اللواتي عشن التجربة، وجدن أنفسهن غالباً في عزلة عن القانون، وعن الفتوى، وعن العائلة، فلا أحد يسكن تفاصيل القلق سواهن، ولا أحد يحمل الندم الطويل عنهن.
وحين تصير الحياة الممكنة عبئاً، والموت المؤجل قراراً، تصبح الحاجة ماسة إلى منظومة أخلاقية وقانونية أكثر اتزاناً، منظومة لا تبيح بلا وعي، ولا تمنع بلا رحمة، بل تزن الأمور بميزان الواقع والكرامة والحق في الرعاية لا العقوبة.
هكذا تظل القضية مفتوحة، لا لأن الحسم مستحيل، بل لأن الحياة في كل رحم تأتي بقصتها، وتتطلب حكمة أعمق من المواقف الجاهزة.




