لا يقتصر دور التشريعات القانونية على إرساء العدل وتحقيق السلم الاجتماعي، بل تَحمِلُ أيضاً بُعداً إعلامياً أساسياً لا يستهان به، إذ لا يمكن تصور صدورها في معزل عن المجتمع الذي تخاطبه وتسعى لتنظيم شؤونه.
وتتجلى تلك الطبيعة الإعلامية للتشريعات في كونها تجمع بين الرسالة المتمثلة في النص القانوني، والمرسِل ألا وهو المُشرِّع، والمستقبل من عامة الناس من مواطنين ومقيمين داخل المجتمع المعني، والوسيلة هي الجريدة الرسمية.
هذه الشفافية في التعريف بالقوانين لا تنفك عن شفافية الاحتكام إلى تلك القوانين، فلا يجوز أن يصدر حكم في دعوى قضائية، قبل أن يُعلَم المدعى عليه بالدعوى المرفوعة ضده، كي يأخذ حقه كاملاً في التعرف على تلك الدعوى والرد عليها وتفنيدها بما لديه من حجج، كشرط من شروط استيفاء العدالة.
لذلك صدر في دولة قطر قانون رقم (24) لسنة 2017 بشأن العنوان الوطني الذي يُلزِم كل متواجد على أرض قطر أن يكون لديه عنوان وطني مسجل رسمياً بشكل واضح، بحيث يُخطر عليه بأي دعاوى قضائية قد تُرفع ضده،
إذ اعتبر القانون في مادته الخامسة “على أن “الإعلانات القضائية والإخطارات الرسمية التي تتم على العنوان الوطني صحيحة ومنتجة لكافة آثارها القانونية”.

في ميزان الإسلام
عند البحث في جذور حق العلم بالقوانين والدعاوى القضائية في التراث الإسلامي، نجد في سنن أبي داوود رواية لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه يقول فيها “بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء ؟ فقال : إن الله سيهدي قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين، حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء قال: فما زلت قاضياً ، أو ما شككت في قضاء بعد”.
لذلك يتمتع العقل المسلم، على وجه الخصوص، بعقلية نقدية وبمساحة واسعة للتفكر في سنن الكون والتدبر في آيات الله، لكن هذه المساحة محكومة بحدود شرعية واضحة، فهو مأمور بالتفكر فيما يدل على وجود الخالق، والاستفادة من ذلك في عمارة الأرض، تحقيقاً لمبدأ الاستخلاف الإلهي.
وفي المقابل، هذا العقل منهي بشكل قطعي عن البحث في بدائل أو نقاشات تخالف أوامر الله أو نواهيه القطعية الصريحة، فلا خيار لمسلم أمام أحكام الله، إذ يُسَلِّم عقله ووجدانه طواعية للتشريع الإلهي، بعد أن أقرَّ من خلال عقله وقلبه بإيمانه بالله رباً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً معصوماً خاتماً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة.
هذا المعنى يتجلى بوضوح في قول الله تعالى من سورة الأحزاب: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ”، وفي قوله تعالى من سورة النساء:”فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”.
إن هذا الامتثال لا يتحقق إلا بعد إعلام الإنسان بهذه الأحكام؛ فلا مسؤولية في الإسلام مع الجهل، ولا محاسبة مع انتفاء العلم، وهو ما يوضحه قوله تعالى في سورة الإسراء: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا”.
فالمحاسبة أمام الله تنعدم في حالات غياب النية العمدية، بسبب الخطأ أو النسيان أو الإكراه أو النوم أو صغر السن أو الجنون، استناداً إلى حديث النبي ﷺ، الذي رواه عبد الله بن عباس في صحيح الجامع “رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهوا عليهِ”، وكذلك حديث النبي ﷺ الذي روته عائشة رضي الله عنه في صحيح سنن النسائي «رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق»، فالنية تسبق العمل، ولا نية بلا قصد، ولا قصد بلا إدراك.
في إطار التفكير المشروع للإنسان المسلم، يرى عباس محمود العقاد في كتابه التفكير فريضة إسلامية (1957)، أن “اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺬي ﻳﻔﻜﺮ وﻳﺴﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ تفكيره زﺑﺪة اﻟﺮأي واﻟﺮوﻳﺔ، ﻓﺎﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻳﻌﱪ ﻋﻨﻪ ﺑﻜﻠﻤﺎت ﻣﺘﻌﺪدة ﺗﺸﱰك ﰲ المعنى أﺣﻴﺎﻧﺎً، وﻳﻨﻔﺮد ﺑﻌﻀﻬﺎ ﺑﻤﻌﻨﺎه ﻋﲆ ﺣﺴﺐ اﻟﺴﻴﺎق ﰲ أﺣﻴﺎن أﺧﺮى؛ ﻓﻬﻮ اﻟﻔﻜﺮ واﻟﻨﻈﺮ والبصر واﻟﺘﺪﺑﺮ واﻻﻋﺘﺒﺎر واﻟﺬﻛﺮ واﻟﻌﻠﻢ وﺳﺎﺋﺮ هذه الملكات اﻟﺬﻫﻨﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻔﻖ أﺣﻴﺎﻧﺎً ﰲ المدلول – ﻛﻤﺎ ﻗﺪﻣﻨﺎ – وﻟﻜﻨﻬﺎ ﻻ ﺗﺴﺘﻔﺎد ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ واﺣﺪة ﺗﻐﻨﻲ ﻋﻦ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻜﻠﻤﺎت اﻷﺧﺮى”.
وفي هذا الإطار، تبقى سنن الله في الكون قائمة ومنضبطة، سواء عرفها الإنسان أم جهلها، إذ إن دور العلماء، كما في اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية، لا يتجاوز كشف الغطاء عن هذه السنن، وليس اختراعها، ويعدُّ البحث في هذه السنن من العبادات التي دعا الله إليها في قوله من سورة العنكبوت: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ”، وفي قوله تعالى من سورة فاطر “… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ …”.
أما في المجال القانوني الوضعي، فإن مبدأ عدم رجعية القانون يُعدّ ركيزة أساسية، فلا يجوز تطبيق قانون جديد على وقائع سابقة، إذ يؤكد الباحث يحيى قاسم علي في دراسة له في كلية الحقوق في جامعة عدن بعنوان المدخل لدراسة العلوم القانونية: نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة (1997) على أن “مبدأ عدم رجعية القانون من المبادئ الأساسية في القانون، وتنص عليه معظم الدساتير، منها الدستور المصري المادة (187)، والدستور السوري المادة (30)، والدستور العراقي المادة (64) الفقرة (ب)، والدستور الكويتي المادة (179)”.
ويضيف الباحث أن المنطق يقضي بأن “لا يطبق القانون على الماضي، وهو ما نجده في معنى القانون ذاته باعتباره خطاباً للأشخاص، ليوجّهوا سلوكهم على مقتضاه، فلا بد أن يكون هذا الخطاب سابقاً في وجوده على السلوك المطلوب، ليمكن الحكم على السلوك بأنه مطابق أو مخالف للقانون، وهذا يعني أن ما يتضمنه القانون من أمر لا يتصور توجيهه إلى ما وقع في الماضي وإنما في المستقبل”.
وفي ضوء ذلك، يبرز مبدأ المسؤولية القانونية الذي يُحمِّل كل شخص مسؤولية أفعاله إذا أخلّ بواجب أو ألحق ضرراً بالغير أو خالف قواعد القانون، ويندرج هذا المبدأ تحت أنواع المسؤوليات الثلاثة الرئيسية، وهي المسؤولية الجنائية المتعلقة بالجرائم، والمسؤولية المدنية المتعلقة بالتعويض عما يتسبب فيه المرء من أضرار ألحقها بالغير بهدف جبر الضرر وليس معاقبة الجاني، والمسؤولية التأديبية المتعلقة بمحاسبة الموظف العام نتيجة لإخلاله بواجباته الوظيفية.

مسيرة بناء الجهاز التشريعي
وفقاً لموقع وزارة العدل القطرية، بدأت المسيرة التشريعية في قطر في خمسينيات القرن الماضي، مع صدور أول مرسوم بشأن ضريبة الدخل عام 1954، ثم قانون الجمارك عام 1955. وفي عام 1961، صدر القانون رقم (1) بإنشاء الجريدة الرسمية لنشر القوانين والمراسيم.
واستمرت الجهود التنظيمية، حيث أُنشئت إدارة الشؤون القانونية عام 1962، وكان يرأسها المستشار القانوني للدولة، حتى استُحدث منصب مدير الإدارة في عام 1967.
شهد عام 1970 تحولاً محورياً بتشكيل أول حكومة قطرية وإنشاء وزارة العدل بموجب القانون رقم (5) لسنة 1970 بتحديد صلاحيات الوزراء وتعيين اختصاصات الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى الذي حدد صلاحيات الوزراء واختصاصات الوزارات، وأُوكلت لوزارة العدل عدة مهام، أبرزها تنظيم أعمال المحاكم غير الشرعية من الناحية الإدارية والمالية، والإشراف على سلوك القضاة، وتقديم الدراسات والفتاوى القانونية اللازمة لمختلف الوزارات.
تألفت وزارة العدل آنذاك من عدة كيانات، منها المحكمة العدلية، محكمة العمل والمرور، محكمة شؤون بلدية قطر، إدارة الشؤون القانونية، وإدارة التسجيل العقاري والتوثيق، وعلى مر السنين قدمت الوزارة جهوداً في تطوير عملها وتحقيق الاستقرار الإداري والفني، وعززت كوادرها بالخبراء والباحثين القانونيين، وأنشأت كيانات، ودمجت وألغت كيانات أخرى لاحقاً.
في عام 1990 صدر القرار الأميري رقم (3) بشأن إجراءات إعداد التشريعات، ونُظمت أعمالها لاحقاً بالقرار الأميري رقم (14) لسنة 1991 بشأن إجراءات إعداد التشريعات، كذلك صدر المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1991 بتنظيم وزارة العدل وتعيين اختصاصاتها، لتنظيم وزارة العدل وتحديد اختصاصاتها الجديدة، حيث استُحدثت إدارتا الفتوى والتشريع وقضايا الدولة بدلاً من إدارة الشؤون القانونية، إضافة إلى إدارة التسجيل العقاري، إدارة الشؤون الإدارية والمالية، ووحدة التخطيط والمتابعة التي أُنشئت بموجب قرار المجلس الأعلى للتخطيط عام 1989.
وفي عام 1994 صدر قرار وزير العدل رقم (6) لسنة 1994 بشأن إنشاء أقسام في الوحدات الإدارية بوزارة العدل وتعيين اختصاصاتها، مكتملاً بذلك الهيكل الإداري للوزارة وفق رؤية جديدة، هدفت إلى تمكينها من أداء مهامها بكفاءة ودعم العملية التشريعية والتنظيمية في الدولة.
وفي هذا السياق، لا يُتصوَّر إلزام الناس بقوانين دون إعلامهم بها، ومن هنا، برزت الجريدة الرسمية لدولة قطر منذ ستينيات القرن الماضي كأداة أساسية لنشر التشريعات بشفافية على الملأ، فقد صدر قانون رقم (1) بإنشاء جريدة رسمية لحكومة قطر في عام 1961، ونصّ في مادته الأولى على أن “تُنشأ جريدة رسمية للحكومة، يُنشر فيها كل تشريع يصدر بعد تاريخ العمل بهذا القانون، وذلك لإحاطة جميع الناس علماً بصدور أية تشريعات جديدة”.
على أن تصبح هذه التشريعات ملزمة ونافذة بعد مضي ثلاثين يوماً من تاريخ النشر ما لم يُنص على خلاف ذلك، كما ورد في المادة الثانية من هذا القانون التي تنص على أن “يُعتبر إصدار كل تشريع جديد معلوماً في جميع أنحاء قطر بعد نشره بثلاثين يوماً في الجريدة الرسمية، ويجوز تقصير هذه المدة أو مدها بنص صريح في التشريع الجديد، وذلك كله مع عدم الإخلال بالقواعد المعمول بها سابقاً بالنسبة للتشريعات السابقة على صدور هذا القانون”.
وقد تطورت الجريدة الرسمية لاحقاً، فجمعت القوانين في مجلدات، وأصدرت كتيبات قانونية متخصصة، وأسهم هذا التطوير في تسهيل وصول المختصين والجمهور إلى النصوص القانونية، وتحولت الجريدة إلى سجل موثق للتشريعات وتطوراتها.
كما توسعت الجريدة في الترجمة الرسمية للتشريعات، دعماً للشفافية وخدمة للمجتمع الدولي والمستثمرين والمقيمين في دولة قطر من غير الناطقين بالعربية، خاصة بعد قرار وزير العدل رقم (6) لسنة 1994 بشأن إنشاء أقسام في الوحدات الإدارية بوزارة العدل وتعيين اختصاصاتها الذي ينص على أن “يختص قسم الترجمة والجريدة الرسمية بما يلي: ترجمة كافة المستندات والوثائق بناءً على طلب أي من الوحدات الإدارية بالوزارة، وجمع ومراجعة المواد المعدة للنشر في الجريدة الرسمية وتهيئتها للطباعة، وتوزيع أعداد الجريدة الرسمية في الداخل والخارج”.
ومع التحول الرقمي، أُطلقت بوابة الميزان القانونية، التي تتيح الاطلاع الفوري على التشريعات، وتحديثاتها، والبحث الذكي في النصوص القانونية، وتستعد وزارة العدل لإصدار الجريدة الرسمية إلكترونياً، لتعزيز سرعة النفاذ القانوني، دون انتظار النسخة الورقية.

المستقبل الرقمي للجريدة الرسمية
لعبت الجريدة الرسمية دوراً محورياً في تأريخ التحديث القانوني، خصوصاً مع إصدار قوانين مهمة في 2020، مثل قانون التحكيم في المنازعات، وتعديل قانون الإجراءات المدنية والتجارية، وتنظيم علاقات العمل، وأكدت الجريدة على دورها في تمكين المتخصصين والجهات الرسمية من متابعة التشريعات أولاً بأول.
وهو ما تؤكد عليه المادة رقم (2) من قرار وزير العدل رقم (11) لسنة 2020 بتحديد كيفية حفظ أصول أعداد الجريدة الرسمية التي تنص على أن “تتولى الإدارة حفظ أصول أعداد الجريدة الرسمية ونسخ إلكترونية منها، مع مراعاة تجديد النسخ الإلكترونية باستمرار، بما يتفق وأصول حفظها”
ومنذ نشأتها، التزمت الجريدة بأن تكون مرجعا رسمياً شاملاً، يتجاوز دور الإعلام الحكومي، لتصبح وسيلة وصل حيوية بين المشرع والجمهور، ومكوناً أساسياً في منظومة الحوكمة الرشيدة.
اليوم، ومع تسارع التشريعات المرتبطة بالاستثمار، والبيئة، والأمن السيبراني، والعدالة الاجتماعية، تزداد الحاجة إلى آليات نشر قانونية مرنة وسريعة، ويبدو مستقبل الجريدة الرسمية واعداً، في ظل التوجه نحو إدماج تقنيات متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والإشعارات الفورية عند صدور أو تعديل القوانين.
عند رقمنة القوانين وتجميعها في قاعدة بيانات مركزية، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على معالجة هذه البيانات بسرعة فائقة، مما يتيح له استرجاع القوانين ذات الصلة بأي موضوع بشكل فوري، مما سيوفر وقت البحث والتحليل، ويُنتج نتائج دقيقة وموثوقة.
علاوة على ذلك، سيسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع جميع الإجراءات القانونية، ويجعل القانون متاحاً للجميع بسهولة ويسر، مما قد يقلل الحاجة إلى المحامين، أو المستشارين، أو القضاة، أو حتى إلى الوزارات والهيئات المعنية، إذ ستكون المعلومات والخدمات القانونية في متناول الجميع بشكل مباشر وآلي.
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في المجال القانوني، إذ يسهم في أتمتة المهام الروتينية، وتعزيز دقة العمل، ودعم اتخاذ القرارات بشكل أكثر كفاءة.
ويرى موقع جامعة UPES أن العديد من الجهات القانونية باتت تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات مراجعة الوثائق، حيث تستطيع هذه الأدوات تحليل آلاف الوثائق القانونية بدقة وسرعة، مع تحديد المعلومات الجوهرية والمرتبطة بالموضوع، وبذلك تُقلّل الحاجة إلى المراجعة اليدوية المطوّلة والمعرضة للأخطاء، وتُختصر مدة إجراءات العناية الواجبة وتحليل العقود والبحث في السوابق القضائية.
كما أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على التنبؤ بنتائج القضايا القانونية من خلال تحليل البيانات التاريخية للأحكام السابقة، ويستفيد المحامون من هذه التحليلات في بناء دفاعات أقوى وتقديم استشارات قانونية أدق لعملائهم، ويعزز هذا النهج المبني على البيانات من التخطيط الاستراتيجي ويُحسن عملية اتخاذ القرار.
أما المحامون فلم يعدوا بحاجة إلى قضاء ساعات طويلة في البحث بين الكتب والمراجع؛ إذ تُمكّنهم أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي من مسح كميات ضخمة من النصوص القانونية، بما في ذلك أحكام المحاكم والمقالات والأدبيات القانونية، واسترجاع المعلومات ذات الصلة خلال ثوان، مما يُسرّع عملية البحث ويتيح التركيز على المهام القانونية الجوهرية.
توفر حلول الذكاء الاصطناعي في إدارة العقود أدوات فعّالة لصياغة العقود ومراجعتها وإدارتها بدقة عالية، وتساعد هذه الأنظمة في الكشف عن المخاطر المحتملة وضمان الامتثال للتشريعات، مما يُقلل من المخاطر القانونية ويُسرّع إتمام المعاملات.
أصبحت روبوتات المحادثة والمساعدون الافتراضيون أداة رئيسية في تحسين تجربة العملاء، حيث يُمكنهم الرد الفوري على استفسارات العملاء وإطلاعهم على مستجدات القضايا، وطبعاً هذا لا يعزز رضا العملاء فحسب، بل يمنح المحامين مزيداً من الوقت للتركيز على القضايا المعقدة والجوانب الاستراتيجية من العمل القانوني.

القانون حجة على الجميع
تبقى الجريدة الرسمية، منذ 1961 وحتى اليوم، مرآة للدولة، وذاكرتها القانونية الحية، ومنبراً يوثق الحقوق والالتزامات، ويضمن وصول القانون للجميع دون استثناء، إنها ليست مجرد نشرة رسمية، بل صوت العدالة في مسيرة قطر نحو تنظيم قانوني متقدم، فمن أسس العدالة أن يعلم المدعى عليه بالدعوى المرفوعة ضده ويأخذ حقه في الرد عليها وتفنيدها.
وفي كتب الفقه نجد تفنيداً لمسألة القضاء على الغائب، فمن طريق الكشوري عن الحذافي عن عبد الملك الذماري عن محمد الغفاري حدثني ابن أبي ذئب الجهني عن عمرو بن عثمان بن عفان قال : أتى عمر بن الخطاب رجل قد فُقئت عينه ، قال له عمر : تحضر خصمك فقال له: يا أمير المؤمنين أما بك من الغضب إلا ما أرى، فقال له عمر: فلعلك قد فقأت عيني خصمك معاً، فحضر خصمه قد فُقِئت عيناه معاً، فقال عمر: إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء.
وقد نص قانون رقم (12) لسنة 2016 بشأن الجريدة الرسمية في مادته رقم (3) على أن “تُنشر في الجريدة الرسمية، القوانين والمراسيم بقوانين، والأدوات التشريعية الأخرى، وأي مادة ينص القانون على نشرها في الجريدة الرسمية، ويعتبر النشر في الجريدة الرسمية إحاطة للكافة بكل ما يُنشر فيها، وتكون المادة المنشورة حجة على الكافة، ولا يقبل إنكار أو نفي العلم بها بأي وجه، منذ تاريخ النشر”.
فلا يمكن لأحد أن يتحجج أمام القضاء بعدم علمه بالقانون، لأن الأنظمة لا يمكنها الاطلاع على نوايا الأفراد بشكل قطعي، فالأصل أن السلطة التشريعية استنفدت جهدها في مناقشة مشاريع القوانين وعرضها على ممثلي الأمة الذين وافقوا علنية بأغلبيتهم على سَنّها، ثم دخلت حيز التنفيذ بعد أن تم نشرها بشفافية في قناة رسمية يستطيع أي إنسان أن يطلع عليها، هذا هو الدور الأساسي للجريدة الرسمية الإعلام بالتشريعات تحقيقاً لمبدأ “لا إعذار بعد إنذار”.
وهو ما ينسجم أيضاً مع مبدأ الحُجة في الإسلام الذي ألزم الله به نفسه، رغم استغنائه عنه، تفضلاً منه بتحقيق العدل المطلق، كما نلمسه في قوله تعالى من سورة النساء: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا”.





[…] مقال الجريدة الرسمية في ضوء الشريعة والقانون لأحمد عقب الباب الذي تتبع فيه تطوّر الجريدة الرسمية في […]