عادة عندما تُذكر كلمة أصول الشركات أو المؤسسات يتطرق الذهن إلى المباني والأجهزة والمعدات، لكن ما قد يغفل عنه الكثيرون هو العنصر البشري، الذي قد يتوهم البعض سهولة استبداله، لذلك يظل تطوير الموظفين أولوية كبرى على الصعيد المهني والسلوكي، هنا يكون لعلوم الإدارة وعلم النفس، ومعايير التقييم الموضوعية، وقوانين العمل القول الفصل في توجيه البوصلة وقبلها الأهداف.
ولا يمكن تصور تدريباً يرتقي بمستوى الموظف مهنياً أو سلوكياً بدون تحديد أهداف المؤسسة الاستراتيجية، ومن ثم ترجمتها إلى أهداف تكتيكية، ولا يمكن وضع محتوى تدريبي موحد، فالمهارات تتفاوت من موظف إلى آخر، لذى يجب قياس هذه المهارات بموضوعية، قبل الشروع في تقديم المحتوى التعليمي الذي لا يعيد ويكرر على الموظف مفاهيم هو يعرفها بالفعل.
وفي إشارة ذكية يشير كتاب تدريب الموارد البشرية (2013) للمؤلف الأمريكي ريموند نوي، وهو من أكثر الكتب استخداماً في مجال التدريب والتطوير، حيث يقول إن تطوير الموظفين يعتبر “مساهماً رئيسياً في الميزة التنافسية للمنظمة من خلال مساعدة الموظفين على فهم نقاط القوة والضعف والمصالح الخاصة بهم وإظهار كيف تتوفر لهم وظائف جديدة ومسؤوليات وظيفية موسعة لتلبية احتياجات نموهم الوظيفية الشخصية، وهذا يساعد في الاحتفاظ بالمديرين المتميزين الذين قد يتركون العمل في المنظمة لولا ذلك للانضمام إلى المنظمات الأخرى المنافسة.”

التدريب كاستثمار لا كتكلفة
استوقفني مرجع مميز بعنوان تدريب وتطوير الموظفين (2017) لنوي أيضاً، يقول فيه إن الدورات التدريبية المملة التي تُعرض على شاشة في قاعة مغلقة لم تعد مجرد التزام بيروقراطي تفرضه الشركات على موظفيها، فالتدريب المهني، كما تكشفه دراسات وتقارير حديثة من داخل كبرى المؤسسات العالمية، تحول خلال العقد الأخير من نشاط ثانوي إلى ركيزة استراتيجية تقف في صميم قرارات الإدارة العليا، بل وتؤثر مباشرة في مستقبل الشركات، وربحيتها، وموقعها في المنافسة العالمية.
ويستشهد الكاتب أنه في الماضي، كانت أقسام التدريب تُعامل باعتبارها مراكز تشكل كلفة لا تدر عائداً ملموساً، أما اليوم، فقد تغير المنظور جذرياً، فالتدريب أصبح استثماراً مرتبطاً بأهداف واضحة وقابلة للقياس، ويقدم رؤية جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للتدريب، إذ لا يراه مجرد وسيلة لتحسين الأداء أو زيادة الإنتاجية، بل فلسفة إنسانية وإدارية تقوم على تمكين الإنسان وبناء مجتمع معرفي داخل المؤسسة، فهو يعكس تحولا عميقا في فهم العلاقة بين الفرد والعمل، حيث أصبح التدريب عملية مستمرة لتطوير الذات وتحفيز الإبداع وتحويل المؤسسة إلى بيئة تعلم حية.
كما لم تعد شركات مثل ديلويت وستاربكس وماكورميك تنظر إلى التدريب على أنه تحسين جزئي للمهارات، بل وسيلة لتوجيه التحولات المؤسسية نفسها، فعندما تطلق الشركة منتجاً جديداً أو تعيد هيكلة عملها، يُدمج التدريب منذ اليوم الأول ضمن الخطة الاستراتيجية، باعتباره الأداة التي تترجم التغيير إلى ممارسات واقعية.
وثمة تجارب عملية عديدة توضح أن العائد المالي على التدريب لم يعد افتراضاً، ففي بعض الشركات الأميركية، كشفت دراسات داخلية أن ورش الإشراف والإدارة المتقدمة تحقق عوائد تصل إلى 15 ضعفاً مقارنة بتكلفتها، بينما ترتفع النسبة إلى 21 ضعفاً في برامج تدريب المبيعات المتخصصة، ومع هذه الأرقام، أصبح من الصعب على المديرين الماليين اعتبار التدريب رفاهية أو تكلفة يجوز تجنبها.
وأحد المفاهيم الجوهرية التي يطرحها هذا التحول هو أن التعلم لم يعد حدثاً منفصلاً عن العمل، بل جزءاً من إيقاعه اليومي، إذ لم يعد الهدف أن يتلقى الموظف معرفة نظرية، بل أن يحولها إلى سلوك وأداء ملموس يمكن قياسه في الإنتاجية والجودة والولاء المؤسسي.
من هنا، تطورت أدوات القياس، ولم تعد الشركات تكتفي بنماذج رضا المتدرب أو استبيانات القهوة الجيدة، بل صارت تتابع أثر التدريب في بيئة العمل، هل تغيرت الممارسات؟ هل تحسنت النتائج؟
وتُستخدم لهذا الغرض أطر عمل دقيقة مثل نموذج التحليل – التصميم – التطوير – التنفيذ – التقييم، الذي يُعتبر حالياً منهجاً معيارياً لتصميم البرامج التدريبية الموجهة نحو النتائج.

التكنولوجيا تعيد تعريف التدريب والتعلم المؤسسي
ما يحدث اليوم لا يمكن فهمه دون النظر إلى الثورة التقنية التي قلبت مفهوم التدريب رأساً على عقب، فالتعلّم الإلكتروني لم يعد يعني مشاهدة مقاطع مسجلة، بل منظومات تفاعلية ذكية تُقاس فيها كل نقرة وكل اختبار.
وعلى سبيل المثال باتت شركات مثل بي پي وسليكون إميج وأي بي إم تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي لتدريب موظفيها على بيئات عمل لا يمكن الوصول إليها في الواقع، مثل محطات الوقود تحت الأرض أو خطوط الإنتاج عالية الخطورة.
في هذه العوالم الافتراضية، يمكن للمتدرب أن يخطئ ويتعلم دون كلفة أو خطر، فيما تتابع الخوارزميات أداءه لتصحيح المسار في اللحظة نفسها.
أما في مكاتب أي بي إم، فقد تحول التدريب إلى شبكة تواصل داخلية تشبه تطبيقات المواعدة المهنية، حيث تربط الموظفين بالمرشدين والخبراء في مختلف المواقع، ما يعيد تعريف فكرة التوجيه الوظيفي في عصر العمل عن بُعد.
من أبرز التحولات أيضاً انتقال التدريب من كونه نشاطاً فردياً إلى عملية جماعية تشاركية، ففي شركات مثل كوالكم، يستخدم الموظفون مدونات داخلية ومنصات شبيهة بويكيبيديا لتبادل المعرفة وتحديث المحتوى باستمرار، فبدلاً من أن يكون التدريب مادة جامدة تُلقَّن من الأعلى إلى الأسفل، أصبح كياناً حياً يتطور مع الممارسة، ويتغذى من تجارب المستخدمين أنفسهم، هذا النمط من التعلم التفاعلي يعزز ثقافة الانفتاح داخل المؤسسات، ويحول المعرفة إلى ملكية جماعية بدلاً من أن تبقى حكراً على الإدارة أو الخبراء.
ورغم الحضور الطاغي للتكنولوجيا، لم يختف العنصر الإنساني، فالشركات الأكثر تقدماً تدرك أن المهارات الاجتماعية والتواصلية لا يمكن برمجتها بالكامل، لذلك تتجه إلى ما يُعرف بالتعلم المدمج، الذي يجمع بين الجلسات الافتراضية والدروس المباشرة، بحيث يجمع الموظف بين سرعة الوصول الرقمي ودفء التفاعل الإنساني، هذا المزج لا يضمن فقط فاعلية التدريب، بل يسهم في بناء شبكات اجتماعية داخلية تُعتبر اليوم من عوامل الاحتفاظ بالموظفين وتقليل دورانهم.
ومع توسع الشركات عبر القارات، أصبحت برامج التدريب أيضاً أداة للتعامل مع الفوارق الثقافية والاقتصادية، ففي حالات كثيرة، تُنقل المعرفة من مراكز الإنتاج في الغرب إلى مواقع العمل الجديدة في آسيا أو أفريقيا، ما يتطلب تدريباً على التعامل مع الاختلافات الثقافية، فالتدريب لم يعد وسيلة لتعلم المهارات فقط، بل أيضاً مساحة للمساواة داخل المؤسسة وإعادة توزيع الفرص.
جعلت تحولات السوق الحديثة، وسرعة التغييرات، من المستحيل تقريباً أن تضمن الشركة للموظف مساراً وظيفياً مدى الحياة، لذلك انتقل التركيز إلى تمكين الفرد من إدارة تطوره المهني بنفسه، بل باتت شركات مثل ديلويت وأي بي إم تقدم أدوات رقمية تتيح للموظفين اختيار المسارات، والمشروعات، والدورات التي تناسب أهدافهم الشخصية، هذا الاتجاه المسمى بالصياغة الوظيفية يسمح للموظف بتكييف عمله وفق أولوياته الحياتية، من دون المساس بالإنتاجية، ما يعيد تعريف مفهوم التوازن بين العمل والحياة.
تُجمع كثير من الشواهد على أن المؤسسات التي تضع التعلم في قلب استراتيجيتها تحقق نمواً واستقراراً أكبر من تلك التي تراه عبئاً، فجيل الألفية والجيل اللاحق له، اللذان كبرا في ظل موجات التسريح واللايقين الوظيفي، يبحثان اليوم عن شركات تثبت التزامها بتطويرهم فعلاً لا قولاً.
وبالتالي لم يعد الراتب العامل الحاسم الوحيد، بل فرص التعلم المستمر، والتنقل الأفقي داخل المؤسسة، وإمكانية إعادة تعريف الوظيفة نفسها هي ما تحدد ولاء العامل وموقفه من المؤسسة.
أما الشركات التي تفشل في بناء بيئة تعلم مستدامة فستجد نفسها خارج السباق خلال سنوات قليلة، ففي عالم تتغير فيه المهارات بوتيرة مذهلة، لا يمكن للشركات أن تبقى على قيد الحياة إلا إذا تحولت إلى منصات تعلم مستمرة، لا لموظفيها فحسب، بل لثقافتها الداخلية كلها.
ولم يعد التدريب عنواناً فرعياً في تقارير الموارد البشرية، بل أصبح لغة البقاء في الاقتصاد العالمي الجديد.

التجربة القطرية في تطوير رأس المال البشري
رغم أن نوي ينطلق من سياق غربي يستند إلى اقتصاد السوق، فإن أفكاره قابلة للتطبيق في البيئات العربية، خاصة في دول الخليج التي تضع تطوير رأس المال البشري ضمن أولويات رؤاها التنموية، فقطر على سبيل المثال أسست في عام 2021 ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي القطري بهدف رفع كفاءة الجهاز الإداري وتحديثه من خلال تطوير الموارد البشرية في الجهات الحكومية، كما يتولى إعداد وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للموارد البشرية والتطوير الحكومي، ووضع السياسات الخاصة بها ومراجعتها، والإشراف على تطبيق قانون الموارد البشرية المدنية.
ويدير الديوان برامج تخطيط القوى العاملة، وإدارة المواهب، والمنح الدراسية، وتوطين الوظائف، ويشرف على تدريب وتأهيل الموظفين القطريين وتطوير مهاراتهم، إضافة إلى دعم التخطيط للتعاقب الوظيفي والتحول الرقمي في الموارد البشرية، ويقوم بدراسة وتطوير الهياكل التنظيمية والخدمات الحكومية، ومراجعة أنظمة العمل وتبسيط الإجراءات لتحسين جودة الخدمات العامة، ومتابعة تطبيق معايير الأداء والجودة.
ويعزز الديوان الابتكار والتميز في تقديم الخدمات الحكومية ويقترح التشريعات المتعلقة بالموارد البشرية والتطوير الإداري، ويدير سياسات الاستخدام الأمثل للمباني والمساكن الحكومية، ويمثل الدولة في المؤتمرات والهيئات ذات الصلة، إلى جانب تنفيذ أي مهام يكلفه بها مجلس الوزراء ضمن اختصاصه.
وقد أصدر أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في أكتوبر 2025 القانون رقم 25 بتعديل بعض أحكام قانون الموارد البشرية المدنية، وقرار مجلس الوزراء رقم 34 لتعديل لائحته التنفيذية، بهدف تطوير العمل الحكومي ورفع كفاءة الأداء بما يواكب رؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة.
كما أكد رئيس الديوان السابق الدكتور عبد العزيز بن ناصر آل خليفة أن التعديلات جاءت نتاج مراجعة دقيقة لمواءمة التشريعات مع بيئة العمل الحديثة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة المؤسسية ورفاه الموظفين من خلال منظومة متكاملة تعزز الجدارة والشفافية وتدعم الكفاءات الوطنية.
وقد ركزت التعديلات على تحسين نظام تقييم الأداء عبر استحداث فئتي “يتجاوز التوقعات” و”استثنائي” ودمج الفئات السابقة في “يحقق التوقعات”، مع الإبقاء على فئتي “دون التوقعات” و”ضعيف”، بما يعزز العدالة ويربط الترقية والأجر بالجدارة والإنتاجية، كما وحدت موعد صرف العلاوة الدورية في 1 يناير من كل عام مع إمكانية زيادتها بنسبة تصل إلى 150% وفق الأداء، وأقرت حوافز سنوية ومكافآت تشجيعية للموظفين المتميزين والفائزين بجوائز التميز الحكومي، ورفعت المكافآت العينية إلى 5000 ريال.
نصت التعديلات على صرف علاوات استقطاب واستبقاء للقطريين في الوظائف التخصصية والإشرافية، وعلاوات للشهادات المهنية، وبدل عمل إضافي يصل إلى 10 آلاف ريال شهريًا للقطريين، وتخفيض المدة البينية للترقية سنة واحدة، كما استحدثت عقود توظيف مؤقتة، وسمح للطلبة الجامعيين بالعمل الجزئي، وألزمت الجهات الحكومية بتعيين المرشحين خلال شهر من ترشيح الديوان.
تضمنت التعديلات أيضاً مزايا اجتماعية جديدة كزيادة الإجازة العارضة إلى عشرة أيام، وساعات الاستئذان إلى عشر ساعات شهرياً، وتمكين أحد الوالدين من مرافقة الأبناء أثناء العلاج، واستحداث حافز زواج سنوي بقيمة 12 ألف ريال، وتوسيع إجازة الوضع للموظفات، وبهذا تمثل التعديلات نقلة نوعية نحو إدارة حكومية أكثر كفاءة وعدلاً وإنصافاً، تدعم الاستقرار الأسري وتحفز التميز والإنتاجية.
ويهدف الكتيب التعريفي للموظفين الجدد الصادر عن ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي في قطر إلى تعريف الموظفين الجدد بحقوقهم وواجباتهم، وتزويدهم بمعلومات وإرشادات عملية تسهّل اندماجهم في بيئة العمل الحكومي وتضمن أداءهم وفق أعلى المعايير المهنية.
يبدأ الكتيب بكلمة رئيس الديوان الذي يشدد على أهمية دور الموظفين في بناء مؤسسات الدولة وتحقيق رؤية قطر الوطنية، مؤكداً أن كل موظف هو جزء من منظومة تهدف إلى تقديم أفضل الخدمات العامة، ويشرح البرنامج التوجيهي خطوات استقبال الموظف في أيامه الأولى، بدءاً من توقيع العقد والتعريف ببيئة العمل والزملاء، مروراً بتوفير الأجهزة والحسابات الرسمية، ووصولاً إلى خطة التدريب وتقييم الأداء خلال الشهور الأولى.
يتضمن الكتيب ميثاق الشرف المهني المأخوذ من ميثاق سلوك ونزاهة الموظفين العموميين، الذي يحدد معايير الأخلاق الوظيفية كالالتزام بالقوانين، والنزاهة، والحياد، والحفاظ على المال العام والمعلومات السرية، وتجنب تضارب المصالح، كما ينظم العلاقة مع الرؤساء والزملاء والمرؤوسين، ويؤكد على المهنية، والتعاون، واحترام التسلسل الإداري.
ويفصّل الكتيب الواجبات الوظيفية والأنشطة المحظورة التي تشمل الالتزام بالدوام، وإنجاز العمل بإتقان، والحفاظ على سمعة الجهة، وحظر القيام بأعمال تجارية أو سياسية أو قبول الهدايا أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، كما يعرض أيضاً حقوق الموظف أثناء فترة الاختبار التي تمتد ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، وما يستحقه خلالها من إجازات وعلاوات.
يتناول الكتيب أيضاً قيم الخدمة المدنية مثل الإخلاص، والفعالية، والشفافية، والتعاون، والانضباط، ويربطها بمنظومة تقييم الأداء، مؤكداً على أن هذه القيم تشكل أساس السلوك الوظيفي وتمثل جزءاً من عملية التقييم السنوي، كما يقدم خطة التدريب والتطوير الوظيفي التي تنظم مشاركة الموظفين في البرامج التدريبية داخل معهد الإدارة العامة، مع تعليمات حول الحضور والانضباط والمشاركة الإلكترونية عبر منصة ميكروسوفت تيمز.
وفي جانب السلامة والصحة المهنية، يوضح الكتيب التزامات الجهة والموظف لضمان بيئة عمل آمنة، إضافة إلى دليل لإخلاء المبنى وإرشادات حول الوقاية في المكاتب، كما يُعرِّف ببطاقة مزايا التي تمنح موظفي الجهات الحكومية خصومات تصل إلى 60% على خدمات مختلفة.
ويشرح نظام الحضور والانصراف الذي يحدد ساعات العمل الرسمية بسبع ساعات يومياً، وأحكام العمل الإضافي، والاستئذان، إضافة إلى نظام العمل المرن والعمل عن بُعد الذي يسمح بتعديل مواعيد الحضور أو أداء المهام من خارج مقر العمل وفق ضوابط محددة.
ويُختتم الكتيب بتفاصيل التواصل والدعم الفني، وأرقام الطوارئ والروابط المفيدة الخاصة بقوانين الموارد البشرية وأدلة الأنظمة الحكومية.

القيم المؤسسية وأخلاقيات الخدمة المدنية
يقدم دليل قيم الخدمة المدنية في قطر (2025) إطاراً مؤسسياً شاملاً لترسيخ ثقافة العمل الحكومي القائمة على النزاهة، والابتكار، والمسؤولية، والتعاون، والاحترام، بما يعزز أداء موظفي القطاع العام ويحقق الأهداف الاستراتيجية لرؤية قطر الوطنية 2030.
يؤكد الدليل أن القيم الوظيفية تُشكّل الركيزة الأساسية لهوية القطاع العام وعملياته ومعاييره، إذ تسعى إلى توحيد أساليب العمل الحكومي ورفع كفاءة الموظفين لضمان تقديم خدمات عالية الجودة للمواطنين والمقيمين، وتُعد هذه القيم منظومة سلوكية وأخلاقية تحكم أداء الموظف العام، وتشجّع على بيئة عمل أكثر كفاءة، إنتاجية، وانسجاماً مع مبادئ الشفافية والانضباط والالتزام بالمسؤولية تجاه المصلحة العامة.
تتمثل الأهداف الاستراتيجية للدليل في رفع مستوى الأداء الوظيفي، وتحقيق التحديث الإداري، وخلق بيئة عمل صحية تقوم على اختيار الكفاءات المناسبة وتحفيزها وتنميتها، بما يعزز انتماء الموظف للدولة ويجعل “قطر أولاً مبدأً عملياً في كل المؤسسات، كما يربط الدليل القيم بالعمل الجماعي ويعتبر التحلي بها حزمة واحدة لا تتجزأ، فهي أساس التميز الوظيفي والإنتاجية المستدامة.
حدّد الدليل خمس قيم رئيسية للخدمة المدنية تتضمن الابتكار الذي يعني البحث المستمر عن حلول جديدة وإبداعية للتحديات الحكومية، وتبنّي مبادرات التطوير الوظيفي وتطبيق أساليب عمل حديثة تدعم الاستدامة في الأداء الحكومي، والنزاهة التي تعني الالتزام بالأمانة والشفافية والمهنية، وتغليب المصلحة العامة على الشخصية، بما يعزز الثقة بين الموظف والمجتمع، والمسؤولية التي تعني أداء المهام بتفان، وتحمل نتائج العمل والقرارات، والتعامل بإيجابية مع النقد البناء، والتعاون الذي عني ترسيخ روح الفريق الواحد، والمشاركة في تبادل الخبرات، والعمل الجماعي لتحقيق الأهداف المشتركة بفعالية وانسجام، والاحترام الذي يعني معاملة الزملاء والعملاء بعدالة ولباقة، والالتزام بسياسات التعامل المنصف دون تمييز، وبناء بيئة عمل يسودها التقدير المتبادل والاحترام المهني.
ويؤكد الدليل أن هذه القيم أصبحت جزءاً من منظومة إدارة الأداء الحكومية، حيث تُدمج في تقييم الموظف لتحديد مدى توافق سلوكه وممارساته مع مبادئ الخدمة المدنية، مما يسهم في تحسين الإنتاجية، وتعزيز العدالة في التقييم، واتخاذ القرارات الإدارية على أسس موضوعية.
كما يتضمّن الدليل تعهدات ثلاثية المستوى لضمان تطبيق القيم، وهي الموظف المطالب بفهم القيم وممارستها يومياً في عمله لضمان انعكاسها في أدائه وخدماته، والمسؤول المباشر الذي يتحمّل مسؤولية ترسيخ القيم بالقدوة والتدريب والتشجيع على تطبيقها، والإدارة العليا المطالبة بتوفير بيئة عمل داعمة للقيم الوظيفية وتعزيز رضا الموظفين والإنتاجية عبر وضوح الحقوق والواجبات.
نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خارطة طريق لبناء إنسان منتج ومتطور في عالم سريع التغير، يقدم رؤية متكاملة تجعل من التدريب مساراً دائماً للنمو المهني والإنساني. ومن خلال تحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يمكننا رسم صورة جديدة للعلاقة بين الإنسان والمؤسسة، تقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى التنمية لا الاستغلال، وعلى الإبداع لا التكرار.

مستقبل العمل والتدريب في عصر الذكاء الاصطناعي
يشهد مفهوم الوظيفة في عصر الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً، إذ لم يعد النجاح المهني مرتبطاً بالمهارة اليدوية أو الخبرة وحدهما، بل بالقدرة على التفاعل مع الآلة وفهم منطقها، وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي (2024) إلى أن 40% من المهارات الحالية ستتغير خلال خمس سنوات، وأن التفكير النقدي وإدارة البيانات والتحليل المعرفي ستصبح أهم من المهارات التقنية التقليدية، وفي المقابل، يواجه الموظف العربي معضلة مضاعفة، منها الخوف من فقدان عمله بسبب الأتمتة، وغياب حماية قانونية واضحة تحميه من تبعات التحول الرقمي.
وقد اعتمدت حكومات عربية عدة الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية تحت شعار الكفاءة والشفافية، كما في قطر التي بدأت تطبيق أدوات تقييم إلكترونية للأداء، والإمارات التي تستخدم تحليل البيانات لتوقع احتياجات السوق، غير أن هذه التقنيات أثارت مخاوف من انتهاك الخصوصية والتمييز الخوارزمي، خاصة بعد أن أظهرت دراسة لجامعة خليفة أن أكثر من 60% من موظفي الخليج لا يعلمون إن كانت مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييمهم، ما يعكس فجوة كبيرة في الشفافية.
وفي حين تُبشّر الحكومات بخلق وظائف جديدة، تكشف التقارير عن واقع أكثر تعقيداً، فالسعودية مثلاً تتوقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على 23% من الوظائف الحكومية خلال العقد القادم، مقابل فرص جديدة في تحليل البيانات والأمن السيبراني.
أما في مصر، حيث تشكل الوظائف الحكومية نحو ثلث سوق العمل، فما تزال برامج التأهيل الرقمي محدودة رغم المبادرات الوطنية، ما يُعمّق بدوره الشعور بالقلق والاغتراب المهني لدى العاملين الذين يخشون الاستبدال دون تدريب كاف.
ويتجاوز الأثر الجانب المهني إلى النفسي والاجتماعي، إذ تُظهر دراسة لجامعة حمد بن خليفة (2024) أن 47% من الموظفين الذين يتعاملون يومياً مع أنظمة مؤتمتة يفقدون الثقة في التقييمات السنوية لغياب فهمهم لآلية اتخاذ القرار الآلي، كما تستخدم بعض الشركات تقنيات مراقبة ذكية ترصد الحضور ونبرة الصوت والانتباه، مما يزيد الإنتاجية لكنه يهدد كرامة الإنسان ويحوله إلى رقم مُراقَب.
وقانونياً، ما تزال التشريعات العربية متأخرة عن التطور التقني، إلا أن قطر، أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2019 دون إطار قانوني ملزم، وإن كان قانون الخصوصية لعام 2016 يوفر حماية محدودة للبيانات، وفي السعودية، يفرض نظام حماية البيانات (2023) موافقة الأفراد على جمع بياناتهم، لكنه لا يحدد بوضوح المسؤولية عن القرارات الآلية.
أما الإمارات، فقد سبقت المنطقة بتعيين وزير للذكاء الاصطناعي وسنّها قانوناً لحماية البيانات عام 2022، لكنه يعتمد على الاجتهاد المؤسسي أكثر من الرقابة الصارمة.
وفي مصر، رغم وجود استراتيجية وطنية منذ 2021، فإن القوانين العمالية لم تُحدَّث بعد لتواكب الواقع المؤتمت.
في المحصلة، تفتقر المنطقة العربية إلى تشريعات رقمية واضحة تحدد حقوق الموظف في مواجهة القرار الآلي، مثل الحق في التفسير المعتمد أوروبياً.
وبين وعود الكفاءة ومخاوف الإقصاء، يظل العامل العربي عالقاً بين أمل الارتقاء بمهاراته وخشية أن تتحول الآلة من أداة مساعدة إلى سلطة خفية تتحكم بمصيره المهني والإنساني.





kylwtrxxsovdspxkdgivnwrtsgmtur