spot_imgspot_img
بيتمحلياتسيادة قطر الوطنية وواجب المواطن

سيادة قطر الوطنية وواجب المواطن

في عالم يموج بالصراعات والتحديات الأمنية، يبقى الدفاع عن الأوطان هو خط الحياة الأول لحماية السيادة وضمان الاستقرار. وفي قطر، لم يُترك مفهوم الدفاع مجرد رد فعل عسكري، بل صيغ كمنظومة قانونية ودستورية متكاملة، تمزج بين سلطة الدولة العليا وواجب المواطن الفرد.

حيث يتمثل مفهوم الدفاع من خلال عدة نصوص وقوانين، فمنها ما يفرض عقوبات على الجرائم التي تهدد أسرار الدفاع، وللقوات المسلحة دور في حماية الدولة، ووضع استراتيجيتها الدفاعية، وفقاً لقرارات المجلس الأعلى للدفاع، إضافة إلى أن الدستور القطري ينص على أن الدفاع عن الوطن واجب على كل مواطن.

القوات المسلحة القطرية

بينت المادة 65 من الدستور القطري أن “الأمير هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويكون له الإشراف عليها، يعاونه في ذلك مجلس للدفاع يتبعه مباشرة، ويصدر بتشكيل المجلس وتحديد اختصاصاته قرار أميري.”

جاء القرار الأميري رقم (61) لسنة 2021 وأسس إدارة شؤون الدفاع في دولة قطر، حيث أنشأ المجلس الأعلى للدفاع باعتباره هيئة عليا تتبع الأمير مباشرة، يرأسها سموه ويعاونه نائب الأمير وعدد من كبار القادة العسكريين، مع إمكانية ضم أعضاء آخرين بقرار أميري.

ويهدف المجلس إلى صون استقلال الدولة وسيادتها، وضمان وحدة أراضيها وأمنها واستقرارها، والدفاع عنها ضد أي عدوان.

وقد أسند القرار إلى المجلس اختصاصات واسعة تشمل وضع السياسة العليا لشؤون الدفاع، واعتماد الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، ورسم خطط القوات المسلحة والإشراف على تنفيذها.

كما يضطلع المجلس بدراسة المخاطر والتحديات العسكرية، وإقرار الاتفاقيات الدفاعية والعسكرية، والنظر في مشاركة القوات المسلحة في العمليات الخارجية أو المهام الإنسانية وحفظ السلام ومكافحة الإرهاب.

وللمجلس صلاحيات تقريرية مهمة، مثل تحديد حجم القوات المسلحة وتنظيمها، وإقرار الموازنات الدفاعية، ودراسة إعلان الأحكام العرفية أو تمديدها، إضافة إلى مراجعة دورية لمستوى الجاهزية والاستعداد العسكري.

وتُعقد اجتماعاته بدعوة من رئيسه بسرية تامة، ويُعتبر في حالة انعقاد دائم خلال أوقات الحرب أو الطوارئ، مع إمكانية الاستعانة بوزراء أو خبراء عسكريين ومدنيين.

إن هذا القرار يعكس رؤية القيادة القطرية في ترسيخ منظومة دفاعية متكاملة، تستند إلى التخطيط الاستراتيجي والشمولية في مواجهة التحديات، وتوازن بين البعد الوطني والسياسة الدفاعية الدولية، ليبقى المجلس الأعلى للدفاع مركز الثقل في حماية الدولة وضمان أمنها واستقرارها.

أما المادة 71 من الدستور القطري فتبين صراحة أن “يصدر بإعلان الحرب الدفاعية أمر أميري، والحرب الهجومية محرمة.”

وهذه المادة تختزل فلسفة الدولة القطرية في النظر إلى السلم والحرب، فالحرب ليست شأناً عادياً يُتخذ بشأنه القرار بين عشية وضحاها، وإنما هي مسألة سيادية عليا لا يملك زمامها إلا الأمير بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ورمز الشرعية السياسية.

فإذا تعرضت البلاد لعدوان خارجي يهدد استقلالها أو يمس سيادتها ووحدة أراضيها، يكون للأمير وحده سلطة إعلان الحرب الدفاعية باعتبارها واجباً لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره.

أما الحرب الهجومية، فهي محرّمة من حيث المبدأ، لأنها تمثل عدواناً لا يتفق مع الدستور ولا مع أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن تعارضها مع تعاليم الشريعة الإسلامية التي لا تجيز القتال إلا لرد الظلم أو دفع الاعتداء.

ومن ثم فإن قطر تعلن التزامها الواضح بأن قوتها العسكرية ليست أداة للغزو أو التوسع، وإنما درع واقٍ يحمي الدولة ومقدراتها، ويجسد قيمها الأخلاقية في احترام السلم العالمي.

إن هذه الصياغة تجمع بين القانون والسياسة والأخلاق، لتؤكد أن القرار العسكري في قطر محكوم بميزان الشرعية والضرورة، وأن فلسفة الدفاع فيها قائمة على مبدأ: لا حرب إلا دفاعية، ولا سلاح إلا لحماية السيادة الوطنية.

المواطن القطري

لم يغفل الدستور عن دور المواطن القطري، حيث بيّن الدستور في المادة 53 أن “الدفاع عن الوطن واجب على كل مواطن”، كتعبير عن رابطة عميقة تجمع الإنسان بأرضه وتاريخه وهويته.

فالوطن ليس مكاناً نعيش فيه فحسب، بل هو الكيان الذي يمنحنا الأمان والكرامة والانتماء، وحين يُقال إن الدفاع عنه واجب، فالمقصود أن كل فرد، مهما كان موقعه أو قدرته، يتحمّل نصيباً من مسؤولية الحماية والرعاية.

الدفاع عن الوطن لا يقتصر على حمل السلاح في ساعات الخطر، بل يتجاوز ذلك إلى السلم اليومي، فيكون بالعمل المخلص، وبناء المؤسسات، وصون القيم، وحماية الموارد العامة، ونشر الوعي الذي يواجه محاولات زعزعة الاستقرار.

فالمعلم في فصله، والطبيب في عيادته، والإعلامي بكلمته، كلهم يشاركون في مهمة واحدة، هي حماية الوطن من التفكك أو الضعف، تماماً كما يفعل الجندي في ميدان المعركة.

إن هذا الواجب يذكّرنا بأن الوطن ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو أمانة في عنق كل مواطن، صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أو امرأة.

ولعل أجمل ما تحمله هذه العبارة أنها تربط بين الحق والواجب، فمن حق المواطن أن ينعم بالأمن والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه مُطالَب بأن يسهم في صنع هذا الأمن والحفاظ على هذا الاستقرار، وهكذا يصبح الدفاع عن الوطن قيمةً إنسانيةً وواجباً أخلاقياً قبل أن يكون بنداً دستورياً أو قانونياً.

ولكن المادة 53 أيضاً تعطي للجانب العسكري بعداً خاصاً يترجم الانتماء إلى أفعال ملموسة وقت الشدائد، فحين تُهدَّد الدولة أو يتعرض الوطن لخطر خارجي، يصبح كل مواطن جندياً محتملاً، يحمل في قلبه الاستعداد للتضحية، ولو لم يكن يحمل رتبة عسكرية أو يرتدي زيّاً رسمياً.

وفي عام 2014 تأسس برنامج الخدمة الوطنية بمرسوم أميري صدر عن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وتم التعديل على القانون في سنة 2018، لتصبح فترة الخدمة الوطنية لمدة سنة كاملة، يُكلف بها كل قطري بلغ سن 18 عاماً، أو حصل على الثانوية أو ما يعادلها أيهما أسبق.

حيث حدّد القانون أن الخدمة الوطنية إلزامية على كل قطري من الذكور عند بلوغهم الثامنة عشرة أو بعد حصولهم على شهادة الثانوية، على ألا يتجاوز عمر المكلف خمسة وثلاثين عاماً، مع فتح المجال أمام الإناث للالتحاق بها اختيارياً.

وتتمثل الخدمة الوطنية في شقين: الخدمة العاملة، وهي الأساس الإلزامي الذي يبدأ بتدريب عسكري وأكاديمي، وخدمة الاحتياط الوطني التي تضمن بقاء المكلفين على أهبة الاستعداد حتى بلوغ سن الأربعين.

وتتراوح مدة الخدمة العاملة بين أربعة أشهر وسنة واحدة بحسب المؤهل الدراسي وظروف المكلف، مع استثناءات وإعفاءات لأسباب صحية أو إنسانية أو أكاديمية، وتأجيلات خاصة للطلبة والمرافقين للدراسة أو العلاج.

كما أن القانون ألزم الجهات الحكومية وغير الحكومية بالاحتفاظ بالوظائف لمن يتم استدعاؤهم، مع استمرار صرف الرواتب وضمان الحقوق المالية والترقيات، بما يحمي حياة المجند المهنية والاقتصادية.

ولم يغفل القانون جانب الردع، فنص على عقوبات مشددة تصل إلى السجن والغرامة بحق من يتخلف عن أداء الخدمة أو يقدم بيانات كاذبة أو يحاول التهرب منها، تأكيداً على جدّيتها كواجب وطني لا يقبل التساهل.

كما أنشأ القانون أكاديمية الخدمة الوطنية لتكون مركزاً للتدريب والإشراف والتنفيذ، ولتتحول التجربة من مجرد التزام قانوني إلى مدرسة وطنية تغرس قيم الولاء والانضباط وروح الجماعة.

في جوهره، يجسد هذا القانون رؤية قطر في أن المواطن هو خط الدفاع الأول، وأن خدمة الوطن ليست مهمة الجيش وحده، بل مسؤولية مشتركة تُترجم في الميدان بالالتزام العسكري، وفي الحياة اليومية بالعمل المخلص والتفاني في خدمة الوطن.

أسرار الدفاع

ويعاقب قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004 الجرائم الموجهة ضد أمن الدولة الخارجي، والتي تعتبر أخطر ما يهدد كيان الوطن وسيادته، ولذلك شدّد المشرّع القطري على مواجهتها بأقصى درجات الحزم والصرامة.

فجعل من حمل السلاح ضد الدولة، أو التخابر مع العدو، أو المساس باستقلال البلاد ووحدة أراضيها، أفعالاً لا تُقابل إلا بأشد العقوبات، تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد، ولا سيما في زمن الحرب حيث تكون المخاطر أعظم والواجب الوطني أقدس.

ولم يتوقف القانون عند صور الخيانة المباشرة، بل شمل كل فعل من شأنه أن يضعف قوة الدولة أو يعرّضها للخطر، سواء كان بتسليم أسرار الدفاع، أو إعانة العدو بالمعلومات، أو محاولة زعزعة معنويات الجيش والشعب.

حيث تنص المادة 110 من القانون أن “كل من سلم لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها، أو أفشى لأي منهما بأي صورة، وعلى أي وجه وبأي وسيلة، سراً من أسرار الدفاع عن الدولة، أو توصل بأي طريقة إلى الحصول على سر من هذه الأسرار بقصد تسليمه أو إفشائه لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها، وكذلك كل من أتلف شيئاً يعتبر سراً من أسرار الدفاع عن الدولة، أو جعله غير صالح لأن ينتفع به، وتكون العقوبة الإعدام، إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب،” يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس عشرة سنة.

بل حتى الأعمال الاقتصادية والتجارية لم تُترك بلا ضابط، إذ حُرّم التعامل مع الدول المعادية زمن الحرب، واعتُبر الإخلال بعقود التوريد أو المقاولات المتعلقة باحتياجات القوات المسلحة جريمة كبرى قد تصل عقوبتها إلى الإعدام إذا كان القصد منها الإضرار بقدرة الدولة الدفاعية.

ولم يغفل القانون أيضاً عن خطورة الشائعات والدعاية الكاذبة التي قد تفت في عضد الأمة، فاعتبر نشرها عمداً في زمن الحرب فعلاً يهدد الأمن القومي ويستوجب عقوبات مغلظة.

ومع كل هذه الصرامة، ترك المشرّع باباً مفتوحاً للتوبة، فأعفى من العقوبة كل من بادر بالإبلاغ عن الجريمة قبل وقوعها أو قبل البدء في التحقيق فيها، وسمح للمحكمة بتخفيف العقوبة عن الجاني إذا ساعد السلطات في القبض على شركائه.

هكذا يظهر أن التشريع القطري ينظر إلى أمن الدولة الخارجي باعتباره خطاً أحمر لا يُمس، وأن الخيانة لا مكان لها بين أبناء الوطن، لكنه في الوقت ذاته يوازن بين الردع والحزم، وبين منح فرصة للعودة إلى الصف الوطني لمن يختار التعاون قبل فوات الأوان.

الأسرار التي يحميها القانون القطري ليست مجرد أوراق أو معلومات عابرة، بل هي شرايين الأمن الوطني التي يتوقف عليها بقاء الدولة قوية وآمنة، فالمشرّع حين تحدث عن أسرار الدفاع قصد كل ما يمسّ السيادة والاستقلال، وكل معلومة أو وثيقة يمكن أن تتحول في يد العدو إلى سلاح أشد فتكاً من المدافع والصواريخ.

تندرج تحت هذه الأسرار أولاً المعلومات الحربية والسياسية والاقتصادية التي لا يعرفها إلا من أوكلت إليهم المسؤولية بحكم وظائفهم، فهي خطط، واتفاقيات، وتحركات، واستراتيجيات، تقتضي المصلحة العليا أن تبقى حبيسة أدراج الدولة، لا يطّلع عليها إلا من كان مؤتمناً عليها.

كما تشمل الأسرار المحررات والخرائط والتصميمات والصور التي تكشف مواقع حساسة أو ترتيبات دفاعية، وكل ما يمكن أن يفضي كشفه إلى تقويض أمن البلاد، ولا يقل خطورة عن ذلك ما يتصل بالقوات المسلحة: تشكيلاتها، وتحركاتها، وعتادها، وتموينها.

فهذه المعلومات ليست مجرد بيانات إحصائية، بل هي صورة كاملة عن القوة العسكرية للدولة، وإذا وقعت في أيدٍ معادية، عرّت الوطن أمام الأخطار، حتى الإجراءات الأمنية والتحقيقات التي تُتخذ لملاحقة المجرمين وضبطهم اعتبرها القانون أسراراً، لا يجوز نشرها أو إذاعتها إذا قررت السلطات حظرها.

فالكلمة المسربة قد تهدم حصناً، والصورة المتداولة قد تكشف جبهة، والمعلومة المباعة قد تفتح ثغرة ينفذ منها العدو، لذلك فإن صون الأسرار الوطنية ليس واجباً على العسكريين وحدهم، بل مسؤولية كل مواطن يدرك أن أمن بلاده يبدأ من صمته وإخلاصه وأمانته.

إن منظومة الدفاع في قطر ليست مجرد جدران عسكرية تحمي الحدود، بل هي شبكة متكاملة من القوانين والمؤسسات والواجبات التي تتوزع بين القيادة والمجتمع، لتجعل حماية الوطن قضية وجود لا تقبل التهاون.

فالأمير قائد أعلى يرسم الاستراتيجية، والمجلس الأعلى للدفاع عقلٌ منظم يخطط ويتابع، والمواطن درع أصيل يحمل على عاتقه واجب الحماية والرعاية، لذلك غدت الأسرار التي تحفظها الدولة من أعين الخصوم في نظر القانون أمانة كبرى، يحميها التشريع بعقوبات صارمة لأنها صمام الأمان لسيادة الوطن.

وهكذا تتجسد فلسفة قطر الدفاعية في معادلة راسخة، تتمثل في قوة القانون، وحكمة القيادة، ووعي المواطن، كركائز تصون الدولة وتبقيها حصينة في وجه كل تحدٍ وعدوان.

Huda Mohamed
Huda Mohamed
حوارية لا تُقهر، تسأل وكأنها تطارد الحقيقة بإصرار، ضيفها لا يستطيع المراوغة فهي تملك الأسلحة السرية لإخراج اعقد الإجابات بابتسامتها الذكية، دون أن تفقد الكاريزما.
مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

الأكثر شعبية