صراعات الشرق الأوسط لا تهدأ ولا تنتهي، بين نزاعات دولية وحروب أهلية، ونرى أرواح تُزهق، ويستمر النزوح بلا انقطاع، وكأن هذه الأرض كُتِب عليها ألا تعرف السلام.
وكلما تطورت وسائل الاتصال، بات توثيق الأحداث أكثر بساطة وسرعة، ولم يعد الأمر يتطلب خبيراً في التصوير أو صحفياً ميدانياً لنقل مشاهد الحروب، فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يلتقط صورة أو يسجل مقطعاً وينقله فوراً إلى من يريد أن يرى ويعرف ما يجري عن قرب.
قد تظن أنك في مأمن، بعيد عن لهيب الصراعات، فقط لأنك تعيش في دولة لا تقف على خطوط المواجهة المباشرة، لكن الواقع أن الحروب اليوم تتسلل بلا استئذان، وسواء رضيت أم لم ترضَ، قد تجد نفسك حرفياً جزءاً من الصراع.
نشأ القطري وترعرع في بلد عُرف عالمياً بثرواته الطبيعية، ويُعد من أبرز مصدّري الغاز الطبيعي في العالم، وفاعلاً اقتصادياً مؤثراً في المعادلات الدولية.
يعيش شعبه في مستوى معيشي مريح، ويُشار إليه غالباً بأنه من أكثر الشعوب أمناً واستقراراً في العالم، ومع ذلك، فإن هذا الأمان الظاهر لا يعني الانعزال عن محيطها المشتعل؛ فسياسات الدولة وتحالفاتها وعلاقاتها الدولية كثيراً ما تضعها في قلب المواجهات، وأحياناً في مواقف صدام مباشر لا يمكن تجاهلها.
على امتداد العقود الخمسة الماضية، لم تكن قطر بمنأى عن صراعات الشرق الأوسط، بل وجدت نفسها في كثير من الأحيان طرفاً فاعلاً في مشهده المتقلب.
فقد اضطرت، بحكم موقعها السياسي وخياراتها الإقليمية، إلى الانخراط في عدة مواجهات، تارة بدعم مباشر لأحد أطراف النزاع، كما حدث خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وتارةً من خلال تبني مواقف ثابتة تجاه قضايا محورية، في مقدمتها القضية الفلسطينية ومناهضة الاحتلال الصهيوني.
ولم يقتصر الدور القطري على المواقف السياسية، بل دخل الجيش القطري فعلياً في بعض المواجهات، كما في حرب الخليج لتحرير الكويت، ثم في إطار التحالف العسكري بقيادة السعودية في اليمن، مما جعل قطر، بحجمها الصغير، حاضرة بثقلها في ملفات معقدة لا تهدأ.
لا يزال أهل قطر، يستحضرون تلك المرحلة العصيبة التي بدأت في يونيو 2017، حين فرضت كل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، حصاراً خانقاً استمر حتى يناير 2021، في محاولة مكشوفة للضغط السياسي وتغيير ملامح القرار القطري المستقل.
لم يكن الأمر مجرد قطيعة دبلوماسية، بل محاولة فعلية لعزل قطر وإخضاعها سياسياً واقتصادياً، وصلت في لحظة إلى حافة الاجتياح العسكري، فقد باتت القوات على مقربة من حدود البلاد، وكان دخولها الأراضي القطرية وشيكاً، لولا تدخل عدد من القوى الدولية التي حالت دون وقوع الكارثة.
في ذروة الأزمة، أكدت قطر أن السيادة الوطنية ليست محل تفاوض، بل تمثل خطاً أحمر لا يُمسّ، وفي تصريح نُشر عبر موقع وزارة الخارجية لسمو الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية آنذاك، إن “أي حوار مع دول الحصار لن يكون على حساب سيادة قطر”.
وفي سياق تأكيده على مبدأ احترام السيادة كأحد أعمدة السياسة الخارجية القطرية، شدد سموه على أن “الحلول ينبغي أن تقوم على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”، مضيفاً أن “قطر لا تقبل أن تُفرَض عليها شروط تمس استقلال قرارها الوطني أو كرامتها السياسية”.

غير أن ما وقع في 23 يونيو 2025 لم يكن حادثاً عابراً في سياق التوترات الإقليمية، بل يُعدّ تطوراً بالغ الخطورة يمس جوهر السيادة القطرية.
فقد تعرضت قاعدة العديد الجوية الواقعة على الأراضي القطرية لهجوم صاروخي مباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أعلنت عنه رسمياً دولة قطر، واصفة الهجوم بأنه “انتهاك سافر لسيادتها وسلامتها الإقليمية، وتهديد مباشر للأمن والسلم الإقليمي”.
أشارت وزارة الدفاع القطرية إلى أن دفاعاتها الجوية تصدّت للهجوم بنجاح، وشدّدت على أن هذا الاعتداء لا يمس فقط منشأة عسكرية تضم قوات أجنبية، بل يطعن في حرمة أراضي الدولة القطرية ومجالها الجوي، ويخرق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لا سيما الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
وكما أوضح الباحث بن دخان رتيبة في دراسته مشروعية التدخل وانتهاك سيادة الدولة، فإن الاعتداء على أي مرفق داخل حدود الدولة، حتى وإن استهدف منشأة عسكرية أجنبية، يبقى اعتداءً على سيادة الدولة المضيفة، وتحدياً لسلطتها على إقليمها، وتحويلاً لأراضيها إلى ساحة صراع دون إرادتها.
فوجود قاعدة عسكرية أجنبية لا يُنقص من مكانة الدولة المضيفة، ولا يبرر استهداف أراضيها تحت أي ذريعة، فالاتفاقيات الثنائية التي تُبرم بشأن هذه القواعد، كما هو الحال بين قطر والولايات المتحدة، لا تُجيز لأي طرف ثالث انتهاك حرمة الإقليم بحجة الدفاع عن النفس أو الرد العسكري.
وقد عبّرت قطر عن احتفاظها بحق الرد المباشر بما يتناسب مع حجم الاعتداء، وبما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن استمرار مثل هذه الأعمال العدائية يُنذر بتداعيات كارثية على أمن المنطقة بأسرها، ويهدد بإشعال صراع إقليمي واسع.
إن هذا الحدث يشكّل سابقة خطيرة ينبغي الوقوف عندها، فهو لا يتعلق فقط بصاروخ سقط في منطقة عسكرية، بل بميزان دقيق بين الاستقلال والخضوع، وبين السيادة والاختراق، وبين الدولة التي تختار قراراتها، وتلك التي تُجبر على التفاعل مع ما يُفرض عليها، وهنا تتجلى حقيقة السيادة التي ليست نصاً محفوظاً في الدستور، بل قدرة واقعية على فرض الإرادة وحماية الأرض.

وقد لوحظ خلال السنوات الأخيرة أن دولة قطر تبنّت نهج الوساطة كمسار ثابت في تعاطيها مع الصراعات الإقليمية والدولية، في تعبير واضح عن رؤيتها الراسخة لدورها كفاعل مسؤول في محيطها الإقليمي وعلى الساحة العالمية.
ورسخت قطر هذا النهج في دستورها، حيث تنص مادته السابعة على أن “تقوم السياسة الخارجية للدولة على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين، عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وبما يتفق مع دور الدولة في حل تلك المنازعات على المستويين الإقليمي والدولي من خلال الوساطة والحوار، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام”.
وتكفي نظرة إلى ما تنشره وزارة الخارجية القطرية لتُدرك حجم الدور الذي تؤديه الدولة في مجال الوساطة الدولية؛ فمن أفغانستان إلى دارفور، ومن لبنان إلى أوكرانيا، كانت قطر حاضنة لمفاوضات شائكة، وملتقى لأطراف متصارعة، وساحة لتوقيع اتفاقات سلام، بل وتوسطت في إطلاق سراح أسرى في نزاعات متشابكة، لترسخ مكانتها كوسيط موثوق في الساحة الدولية.
وفي عام 2020، شهد العالم كيف كانت الدوحة محطة حاسمة في توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان، بينما كانت قبلها وسيطاً بارزاً في الأزمة السودانية، وفي عمليات تبادل الأسرى بين فصائل سورية متنازعة، كما لعبت دوراً دقيقاً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران في ملفات شائكة، منها الملف النووي وصفقات التبادل الإنساني.
هذا الدور لم ينبع فقط من الطموح السياسي، بل من قدرة قطر على الجمع بين ما يُعرف بالقوة الناعمة والحياد الفعّال، فمع حفاظها على علاقات متوازنة مع أطراف متباينة، مثل الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، وروسيا، بنت قطر مصداقية دبلوماسية جعلتها شريكاً موثوقاً في أعقد الملفات، مدفوعة بحضورها الإعلامي العالمي، وشبكة تعليمية وأكاديمية متطورة، وبنية تحتية فكرية تدعم ثقافة الحوار والتقريب، ما منحها أدوات غير تقليدية لدعم الوساطة خارج القوالب الرسمية الجامدة.
اختارت قطر أن توظف إمكاناتها السياسية والاقتصادية والمعرفية في صناعة التفاهم بين المتخاصمين، وتكريس ثقافة الوساطة بديلاً عن منطق القوة، لتثبت أن السيادة ليست فقط في امتلاك القرار، بل أيضاً في القدرة على التأثير الإيجابي في مسارات العالم المضطرب.
في المؤتمر الصحفي الذي عُقد مباشرة عقب الهجوم الإيراني على قاعدة العديد الأمريكية، وجّه محمد حجي، رئيس تحرير جريدة الوطن، سؤالاً لافتاً لمستشار رئيس مجلس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية سعادة الدكتور ماجد الأنصاري، وهو يلاحظ الإصرار الواضح في مواقف صُنّاع القرار في قطر، قائلاً “من أين ينبع هذا الإصرار؟” مشيراً إلى قناعة راسخة لدى القيادة القطرية بالسير قدماً في مسار الوساطة رغم الهجوم الذي حصل.
جاء رد الدكتور الأنصاري معبّراً عن ثوابت السياسة الخارجية القطرية، مستشهداً بما قاله معالي رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في مقابلة سابقة بكلمة “معصي”، أي استعصى عليهم، وأضاف أن الدور القطري ليس مرتبطاً بحدث، ولا موقفاً براغماتياً، ولا تحركاً يمليه حساب مصالح آنية، بل هو “إيمان بعقيدة أنزلها الله عز وجل بأن نجنح للسلم، وأن نكون دائماً حمائم سلام في هذا العالم، ليس فقط لنا ولمصالحنا، ولكن لكل الشعوب المحبة للسلام في العالم.”
وتابع الأنصاري مؤكّداً أن الحملات السياسية والإعلامية التي تتعرض لها قطر، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، لم ولن يثنيها عن أداء دورها، فبحسب تعبيره، “هذا الدور هو الدور التاريخي لدولة قطر، ونعتقد أن هذا الدور هو الواجب الذي وجدنا من أجله، ونعتقد أننا إذا لم نقم به فإننا مقصرون في أداء واجبنا تجاه العالم”.
واختتم إجابته برسالة واضحة، أن مثل هذه الانتهاكات قد تدفع بعض الدول أو صانعي القرار في مناطق أخرى إلى اتخاذ مواقف متحفظة أو سلبية تجاه جهود إحلال السلام بشكل عام، لكن “صانع القرار في قطر، حضرة صاحب السمو، وكل من يرسم القرار في قطر، يتعامل مع هذه المسألة بإيمان أنها الثابت في زمن المتغير.”
إن النهج الذي اختارته قطر في ظل تصاعد الاستقطاب الإقليمي والدولي، يجعلها بعيدة عن الاصطفاف أطراف النزاعات، وما يترتب على ذلك من تبعات سياسية وأمنية، وبعيدة عن الانكفاء والصمت، بكل ما يحمله من تهميش وفقدان للتأثير، وبين هذين الخيارين، تبرز الوساطة الدبلوماسية كحل ذكي وفعّال للخروج من مأزق الانحياز، دون التفريط في الدور أو التنازل عن المبادئ.
فكما بيّن الباحثان مطلق القحطاني ودانة آل ثاني في دراستهما سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات المنشورة في سياسات عربية، فإن دولة قطر لم تتعامل مع الوساطة كتكتيك مؤقت، بل كمسار استراتيجي متكامل، يتيح لها أن تحضر في المشهد دون أن تُستدرج إلى محاور، وأن تبني جسور الحوار دون أن تقع في فخ الاستقطاب.
ووفقاً لما وصفاه بالحياد الإيجابي، فإن الدوحة لا تكتفي بعدم الانحياز، بل تتحرك بفاعلية، وبمصداقية تجعل منها طرفاً موثوقاً لدى الجميع، حتى بين أطراف لا يجمعها شيء سوى العداء.
إن الوساطة، بهذا المعنى، تمنح الدولة شرعية أخلاقية ودبلوماسية، تجعل من موقفها فاعلاً لا منفعلاً، وتمكّنها من تحويل الضغوط إلى فرص، والتهديدات إلى أدوات تأثير.
وهي بذلك لا تحافظ فقط على أمنها واستقلال قرارها، بل تُرسّخ لنفسها مكانة دولية قائمة على احترام السيادة والقدرة على صناعة التوازن في زمن يموج بالاختلالات.




